منال ياسين - من الذي سرق أشجار دقن الباشا؟

أقسى ما يفعله الطغاة ليس سرقة ثروات الشعوب ولا الاستيلاء على ممتلكاتهم، وإنما سرقة ذاكرتهم.

تخيّل أنك تعيش في وطن لا تذكره.. لا تعرف ملامحه القديمة، ولا تربطك به روابط وجدانية. ماذا يضيرك إذن إذا انتصر أو انهزم؟ وما الذي يدفعك لأن تنصره أو تدافع عنه، إذا كنت قد فقدت كل ما يربطك به؟

سرقة الذاكرة لا تحدث بين يوم وليلة، وإنما هي نتاج سنوات طويلة من التجريف الوجداني.. محو كل أثر يمكن أن يشعل في القلب حنينًا، أو يوقظ داخله شعورًا بالانتماء.

تتغير الشوارع، تُهدم المباني القديمة، تُقتلع الأشجار، تختفي المحال التي كنا نعرفها، وتتبدل الوجوه والروائح والأصوات.. وتشعر، خطوة بعد خطوة، أنك أصبحت غريبًا في المكان الذي كان يومًا وطنك الصغير.

كم مرة تساءلنا، نحن أبناء البلد الواحد: ماذا كان موجودًا قبل هذا المبنى؟ وأين كان ذلك المحل؟ وأين كانت تلك الشجرة؟

ثم نتنازع ونختلف؛ لأن كل واحد منا يتذكر المكان على نحو مختلف.. والسبب أننا لم نعد نملك صورة كاملة لذاكرتنا.

فالذاكرة ليست صورة نحتفظ بها في ألبوم قديم فقط.

الذاكرة رائحة.. وصوت.. وملمس.. وطريق اعتدنا أن نسلكه.. وشجرة كنا نرفع رؤوسنا لنرى أغصانها.. ومحلًا كنا نقف أمامه.. وبيتًا كنا نعرف أصحابه.

أن تُسرق من العين ذاكرتها، ومن الأنف ذاكرته، ومن الأذن ذاكرتها.. تلك، في رأيي، ليست مجرد تغييرات عمرانية، وإنما جريمة في حق الإنسان تماما مثل جرائم الحرب ؛ لأن الحرب لا تستهدف الحجر وحده، وإنما تستهدف الإنسان وما يحتفظ به في داخله.

وأنا لم أعد أخرج من بيتي إلا للضرورة.

لا أحب التجول في شوارع المدينة الجديدة التي أشعر أننا أُجبرنا على الاغتراب فيها. لا شيء يؤنسني وأنا أسير وحيدة في شوارع لا أعرفها، ولا أعرف ماذا كان مكانها قبل أن تتغير ملامح المدينة.

شوارع بأكملها حرّمت على نفسي السير فيها، مثل شارع البندر أو عمر أفندي.

ليس لأنني لا أحبها..

ولكن لأنني، للأسف، لم أفقد ذاكرتي بعد ..

أنا مازلت أذكر رائحة أزهار شجر دقن الباشا التي كانت تملأ الطريق، وتمنحه رائحة لا تخطئها أنف أسواني عاش هناك.

كانت الأشجار جزءًا من المشهد.. لم نكن نتوقف أمامها لالتقاط الصور، لأنها ببساطة كانت موجودة، مثل النيل، مثل الشمس، مثل بيوت أسوان القديمة.

وهذا هو سر الأشياء الجميلة؛ أننا لا نعرف قيمتها وهي معنا، ثم نكتشف بعد اختفائها أنها كانت تحمل جزءًا من حياتنا.

فمن سرق أشجار دقن الباشا؟

لا أسأل عن اسم شخص بعينه..

أسأل عن الفكرة التي تجعل اقتلاع شجرة قديمة أمرًا عاديًا، وتجعل محو ملامح شارع بأكمله مجرد «تطوير».

أي تطوير هذا الذي يجعلنا نمر في المكان فلا نتعرف إليه؟

وأي عمران هذا الذي يبني الجديد فوق أنقاض ذاكرتنا، ثم يطلب منا أن نصفق له؟

أنا لا أرفض التغيير، ولا أريد لمدينتي أن تتجمد في الماضي.

فالمدن مثل البشر، تكبر وتتغير، ومن حقها أن تتطور.

لكن التطور الحقيقي لا يعني أن نمحو كل ما سبق.

يمكن أن نبني دون أن نهدم الذاكرة، وأن نُجدد دون أن نقتلع جذور المكان، وأن نفتح طرقًا جديدة دون أن نغلق الطرق التي كانت تصلنا بطفولتنا.

كان يمكن أن تبقى شجرة واحدة..

شجرة واحدة فقط تقول لمن يمر من هنا:

كان هنا شيء جميل.. وكان هنا أناس أحبوا هذا المكان.

لذلك لا تسألوني لماذا أحنّ إلى الماضي.

أنا لا أحنّ إلى الماضي لأنه كان أفضل دائمًا..

أنا أحنّ إليه لأنني كنت أعرفه.

ولأنني أخشى أن يأتي يوم أعيش فيه في مدينتي، وأمشي في شوارعها، ثم أكتشف أنني لم أعد أعرفها..

وأنها، هي الأخرى، لم تعد تعرفني.

من الذي سرق أشجار دقن الباشا؟

ربما لم تكن السرقة في اقتلاع الأشجار وحدها..

ربما كانت السرقة الحقيقية هي أن نُقتلع نحن معها، دون أن نغادر أماكننا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى