جاء الموسم مثل بدينٍ يتلكَّأ في أرجاء النَّجع، وقرى الدَّائرة مترامية الأطراف؛ فعُلّقت صورٌ لجملٍ سمينٍ على حيطان الدُّور الطّينيَّة الواطئة، ورُبِطت لافتاتٌ فاخرةٌ من جلدٍ وقماشٍ في جذوع النَّخل، وتحرَّك موكبٌ لم يره أهل النَّجع منذ سنواتٍ خمسٍ مرَّت كالدّهر، وكالجراد خرج النّاس من الدُّور، وتجمَّعوا في ساحة النَّجع مثيرين غبارًا، عانق غبارًا آخر، نثرته سنابك الخيول وعجلات السَّيارات. وتمايل فرسانٌ فوق ظهور خيولٍ بهيّة المنظر، رقصت طويلًا على أنغام المزمار، و إيقاع الطُّبول، حتَّى اشتعل المشهد، واحتشد أنصار النَّائب ذي الصَّيت الواسع في سيَّاراتٍ مكشوفةٍ غطَّتها صورٌ بدا فيها النَّائب بوجهٍ متورّدٍ، وبجواره شمخ جمله المنفوش، وراحت مكبّرات الصَّوت تدعو النَّاس إلى التَّأشير على الجمل، وراح المنادي يتغنَّى بالنُّعوت والوعود، في حين هرول الأطفال خلف الموكب بثيابٍ متسخةٍ، وأجسادٍ هزيلةٍ. ولمَّا ابتلعت الطُّرقات أصداء الزَّفة؛ وقف الأطفال بوجوهٍ شاحبةٍ أمام إحدى اللَّافتات الجلديّة الفاخرة، وبأعينٍ جائعةٍ، وأحشاء فارغةٍ اشتاقت لطعم اللَّحم راحوا يتفحَّصون الجمل المتبختر في الصُّورة، ولمَّا استعر الشَّوق، ذبح الأطفال الجمل السَّمين بسكاكين شحذتها رغباتهم المكبوتة، وسرعان ما تعالى رُغاء الجمل المذبوح؛ فتزاحم الأطفال على وليمة اللَّحم الطَّازج.
(٢)
النَّائب ذو الصَّيت الواسع يقف في فناء داره الشَّاهقة الرَّحبة يرحب بالزُّوار، يرتدي عباءةً من صوفٍ، وثوبًا فاخرًا، يفوح منه العطر، ويعتمر عمامة بيضاء، تشي بيسر الحال. في حين وقف إخوته وأبناء عمومته في صفٍ ممتدٍ، يرحبون بزوارٍ قدموا للتَّو ، ويودّعون آخرين همُّوا بمغادرة الدّار. ثمَّة رءوس عائلات، وشيوخ قبائل فرغوا من شورتهم؛ فجاءوا لعجن دقيق التأييد، وخبزه على نارٍ هادئةٍ؛ والنائب جدُّ خبير بمفاتيح القلوب، يجيد اجتذاب من جافاه عن طريق بيع وعودٍ، يحرص على دهنها بالعسل والزُّبد، لكنَّها عادةً ما تذوب، وتتبخّر، إذا ما طلعت عليها شمس اليوم التَّالي للاقتراع. النائب يعلم كذلك أنَّ لإطعام النَّاس فوائدَ جمَّةً أولها كسب الودّ؛ فيحرص على أن تبقى موائده ممدودة طوال الموسم، وإلى إحداها يدعو زواره الآن، فيتوجَّهون فرادى وجماعاتٍ إلى مائدةٍ مبسوطةٍ، تتكدَّس على أطرافها لحوم الماعز والضأن فوق قصاع الأرز والزَّعتر، وفي منتصفها يظهر خروفٌ مشويٌّ ولحوم نعامٍ، وديكٌ روميٌّ. مائدةٌ لم تعرف نقصًا، منها أكل الزُّوار حتّى التُّخمة، ثم شربوا زردات الشَّاي المطبوخ على الجمر الهادئ، واتبعوا الشَّاي بعَبّ شراب الورد المصبوب من أباريق الفضة، والتهموا على سبيل التَّحلّية أطباق الفاكهة ذات الألوان البهيَّة والطٌُعوم الشَّهية، ونفثوا في النهاية سجائر التَّبغ المستورد، الَّتي وزَّعها عليهم أبناء النَّائب كتحيةٍ. ولمَّا كان للمواثيق حبالٌ، يوثَّق النَّائب وعوده بيمين طلاقٍ، ويوثَّق الوجهاء وعودهم بحشد أصوات التَّأييد بفاتحة كتاب، يقرأها الجميع، وتتصافح الأيدي، وتتعانق الأبدان، وتسيل دموع المآقي من فرط التَّأثر، ثم يغادر الوجهاء الدَّار الرَّحبة بخطواتٍ ثقيلةٍ، وبطونٍ عامرةٍ. وفي ساحة النَّجع يلمحون بأعينٍ متثائبةٍ ورءوسٍ يغالبها النُّعاس حشد الأطفال المنكبّ على مائدة الحبر المطبوع.
( ٣ )
يحلَّ اللَّيل الدَّامس؛ فيستيقظ سبعةٌ من عامة أهل النَّجع، ويغادرون الفرش البالية المبسوطة على أرض دورهم الواطئة، ويخرجون إلى ساحة النَّجع بخطواتٍ حذرةٍ. البرد قارسٌ يلسع أجسادهم النحيفة الممصوصة كعيدان القصب، وأياديهم المرتعشة تتحسَّس قفاطينهم الرَّثَّة وسراويلهم المفتوقة. يتلفَّتون يمنةً ويسرةً، ويتسلقون بسرعة البرق جذوع النَّخل كفئرانٍ جائعةٍ تلمح أمامها أفراخًا مكسورة الأرجل. وفي نهار اليوم التَّالي يطوف الموكب، ويبدو النَّجع عاريًا بعد أن نُهِبَت جميع لافتات النَّائب. الزّحام شديدٌ كالعادة، ووسطه يندسُّ السَّبعة، وسرعان ما ينهمكون في الهتاف والتَّصفيق للجمل الغائب. ورغم الحرّ القائظ يطول المسير، ويلجم العرق الأجساد، ويستظل النَّاس بظلّ أشجار التّين، لكنَّ أحدًا لم يشعر بمأساة جمال الأقمشة، الَّتي تحوَّلت ليلة أمس إلى سراويل وارتها قفاطين السَّبعة؛ إذ كابدت الجِمال الرَّوائح الكريهة المنبعثة من أنصاف الرَّجال السُّفليَّة، حتَّى كادت تختنق، وتزهق أرواحها.
(٢)
النَّائب ذو الصَّيت الواسع يقف في فناء داره الشَّاهقة الرَّحبة يرحب بالزُّوار، يرتدي عباءةً من صوفٍ، وثوبًا فاخرًا، يفوح منه العطر، ويعتمر عمامة بيضاء، تشي بيسر الحال. في حين وقف إخوته وأبناء عمومته في صفٍ ممتدٍ، يرحبون بزوارٍ قدموا للتَّو ، ويودّعون آخرين همُّوا بمغادرة الدّار. ثمَّة رءوس عائلات، وشيوخ قبائل فرغوا من شورتهم؛ فجاءوا لعجن دقيق التأييد، وخبزه على نارٍ هادئةٍ؛ والنائب جدُّ خبير بمفاتيح القلوب، يجيد اجتذاب من جافاه عن طريق بيع وعودٍ، يحرص على دهنها بالعسل والزُّبد، لكنَّها عادةً ما تذوب، وتتبخّر، إذا ما طلعت عليها شمس اليوم التَّالي للاقتراع. النائب يعلم كذلك أنَّ لإطعام النَّاس فوائدَ جمَّةً أولها كسب الودّ؛ فيحرص على أن تبقى موائده ممدودة طوال الموسم، وإلى إحداها يدعو زواره الآن، فيتوجَّهون فرادى وجماعاتٍ إلى مائدةٍ مبسوطةٍ، تتكدَّس على أطرافها لحوم الماعز والضأن فوق قصاع الأرز والزَّعتر، وفي منتصفها يظهر خروفٌ مشويٌّ ولحوم نعامٍ، وديكٌ روميٌّ. مائدةٌ لم تعرف نقصًا، منها أكل الزُّوار حتّى التُّخمة، ثم شربوا زردات الشَّاي المطبوخ على الجمر الهادئ، واتبعوا الشَّاي بعَبّ شراب الورد المصبوب من أباريق الفضة، والتهموا على سبيل التَّحلّية أطباق الفاكهة ذات الألوان البهيَّة والطٌُعوم الشَّهية، ونفثوا في النهاية سجائر التَّبغ المستورد، الَّتي وزَّعها عليهم أبناء النَّائب كتحيةٍ. ولمَّا كان للمواثيق حبالٌ، يوثَّق النَّائب وعوده بيمين طلاقٍ، ويوثَّق الوجهاء وعودهم بحشد أصوات التَّأييد بفاتحة كتاب، يقرأها الجميع، وتتصافح الأيدي، وتتعانق الأبدان، وتسيل دموع المآقي من فرط التَّأثر، ثم يغادر الوجهاء الدَّار الرَّحبة بخطواتٍ ثقيلةٍ، وبطونٍ عامرةٍ. وفي ساحة النَّجع يلمحون بأعينٍ متثائبةٍ ورءوسٍ يغالبها النُّعاس حشد الأطفال المنكبّ على مائدة الحبر المطبوع.
( ٣ )
يحلَّ اللَّيل الدَّامس؛ فيستيقظ سبعةٌ من عامة أهل النَّجع، ويغادرون الفرش البالية المبسوطة على أرض دورهم الواطئة، ويخرجون إلى ساحة النَّجع بخطواتٍ حذرةٍ. البرد قارسٌ يلسع أجسادهم النحيفة الممصوصة كعيدان القصب، وأياديهم المرتعشة تتحسَّس قفاطينهم الرَّثَّة وسراويلهم المفتوقة. يتلفَّتون يمنةً ويسرةً، ويتسلقون بسرعة البرق جذوع النَّخل كفئرانٍ جائعةٍ تلمح أمامها أفراخًا مكسورة الأرجل. وفي نهار اليوم التَّالي يطوف الموكب، ويبدو النَّجع عاريًا بعد أن نُهِبَت جميع لافتات النَّائب. الزّحام شديدٌ كالعادة، ووسطه يندسُّ السَّبعة، وسرعان ما ينهمكون في الهتاف والتَّصفيق للجمل الغائب. ورغم الحرّ القائظ يطول المسير، ويلجم العرق الأجساد، ويستظل النَّاس بظلّ أشجار التّين، لكنَّ أحدًا لم يشعر بمأساة جمال الأقمشة، الَّتي تحوَّلت ليلة أمس إلى سراويل وارتها قفاطين السَّبعة؛ إذ كابدت الجِمال الرَّوائح الكريهة المنبعثة من أنصاف الرَّجال السُّفليَّة، حتَّى كادت تختنق، وتزهق أرواحها.