د. سيد شعبان - عروسة المولد!

طاولة عمي حمدي صالح الخشبية تنتصب قبالة بيتنا الذي يقع على سكة الزراعية، زينة من جريد نخيل دار هيكل، شخاليل وحب العزيز، يطوف خالي عبدالحميد أبو.طاحون بعجل المولد، يوصيه أبي بالرأس- برخص له في الثمن فهو ابن خالته- نحن عشرة أفواه لاتكفيها أوقه أو اثنتين، لاأدري ما الذي جعلني أتذكر كل هذا الآن؟
ثمة أقاويل أن معالم دارنا باتت مشوهة أعمل فيها الرجل الخراب معول هدمه؛ أي شيطان يوسوس له؟
مضت الأيام بات كل واحد منا مشغول برغيف خبزه، يلهث وراءه ألف سبع يكاد يفترسه.
تصر تلك الطاولة أن تشخص أمامي ،
تصطف بها أشكال لونها أحمر، فارس يمتطي صهوة جواده، عروس تبتسم، ألواح من حلوى العنبر معجونة بالسمسم، سيوف وتيجان فوقها نجوم، بالقرب منها أعواد البخور يراقص الهواء خيطا واهنا من دخان، توزع ستي الشربات، نتجمع صبيانا وبنات نمسك بأيدي بعضنا، نجري في كل مكان، أسأل أمي:
هل جاء العيد؟
تبتسم في سرور، تخبرني أن هذه حلوى مولد النبي، إذن هو الموسم، سنتناول اللحم والفريك، سيزورنا جدي يحوطه أبناء عمي، لاتكاد تفرغ أمي من كلامهاحتى تنهال علي دعواتها أن يبارك أولياء الله الصالحين دارنا، أبحث عن آنية الطعام علني أجدها امتلأت، يمسح أبي على رأسي، يبتسم، يوما ستكون مباركا!
صارت عروسة المولد حلمي الذي عكفت عليه، خلت نفسي الفارس جاء ليردفها خلفه، في المدرسة كانت زميلتي "ط" أسترق النظر إليها، تحمر وجنتاها فتصير أشبه بها، في الجامعة زميلتي " أ" ثم صارت "ت"
كيرت ولم تتحرك خيول عمي صالح البقال بفرسانها- كان وجهه أبيض، لسانه حلو- الآن كسرت أرجلها، تهشمت تناثرت العرائس في آنية تتسع كل يوم، هذه يد وتلك ضفيرة غير أنها من لحم وعظم، أنادي أمي، فيجبني الصمت:
لما يأت مولد النبي بعد، أنظر في السماء، ثمة ظلام يلف الكون، تتناثر أشلاء من هناك، تبكي شام وغيث وأسماء.
أمهات لم يجدن كسرات خبز لصغارهن، ترى هل أخفى البقال سيوفه؟
ربما.
ثمة من يقول سرقت منه.
أتذكر أنني حين بلغت العاشرة بعد العقد الثامن من القرن الماضى، جاءت عساكر الدورية، أخبرت البقالين في كفرنا بأن تلك السيوف يجب ألا تشهر مجددا، ممنوع أن يرى الصغار فرسانا فوق صهوات الخيول، لقد جاء زمن المعلبات وعبوات اللحم المستورد، ستوزع علب اللبن المجفف بالمجان، تصدح أشرطة الكاسيت تأتي من دول الخليج، ملابس لنسوة الحارة، تخيلوا عمنا البقال سافر إلى هناك، أحالوا دكانته مقهى لبيع المشروبات الغازية، غير بعيد منه يقف عمنا الفأر يهزأ مما حدث.
ثقلت قدما عمنا أبوطيفة،لايجوب شوارع الكقر، بلغ به الكبر منتهاه، يتساند على الحوائط، لم يعد أبي يشترى لنا حلوى المولد، فقد كل شيء معناه. حتى الحكايات باتت مملة، عدى عليها الزمن، ربما تكون قد شاخت، مؤكد أن اللص محا حروفها، سرقها مع مفتاح الدار التي سكنها أولياء الله في الزمن الجميل، الآن تنعق فيها الغربان، تبكي من بناها، أدركت يومها لم صمتت أمي حين سألتها:
متى يزورنا ولي الله؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى