— نحن الذين قتلنا أخاك.
نظرت إليه مذهولًا.
يقولها هكذا؟ بلا خوف، وبمنتهى الوقاحة، وهو يقف في قصري، أمام مكتبي، وبين حراسي!
أنا الأمير آسر، ابن الملك رائف، وأخو الملك جلال.
صحت به في غضب:
— كيف دخلت إلى مكتبي؟ ألا تخشى أن تطير رقبتك بسيف جلادي؟
وضع ورقة على الطاولة.
كانت قائمة طويلة من الأسماء: وزراء، وقادة، وولاة، ورجال من القصر، وشيوخ قبائل.
ثم رأيت اسم زوجتي، ليال، وتحته اسما ابنيّ، سليم وراشد.
رفعت عيني إليه.
— ماذا تريد؟
— بل نحن.
— من أنتم؟ وماذا تريدون؟
— ثوب الأمير بات صغيرًا عليك، وثوب الملك لا يناسب أحدًا سواك.
ضحكت ضحكة قصيرة يابسة.
— أنا؟
— نعم، أيها الأمير الشاعر.
— لماذا؟
— لأنك الوحيد الذي يستطيع أن يجمع البلاد.
— قتلتم الملك جلال، ثم جئتم تبحثون عن ملك آخر؟
— لم يكن ملكًا.
— كان أخي.
— كان ضعيفًا.
— قتلتموه لأنه ضعيف؟
— قتلناه لأن البلاد كانت تضيع.
— ومن أعطاكم الحق؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— أنت.
صحت في غضب:
— تركت له العرش، لكنني لم أطلب منكم أن تقتلوه.
دفع الورقة نحوي.
— ونحن نطلب منك أن تكمل ما بدأناه.
— وإن رفضت؟
مال فوق المكتب.
— وهل تستطيع أن تتحمل عواقب ما سيحدث بعد ذلك؟
نظر إلى كأس الماء أمامي، وهمس:
— أتظن أن الخادم الذي وضع هذا الكأس هنا اختاره من تلقاء نفسه؟
أزاح الكأس قليلًا، ثم أعاده إلى مكانه.
— نحن نعرف أين تذهب زوجتك قبل أن تعرف أنت، ونعرف متى يخرج ابناك من غرفتيهما، ونعرف من يقف الآن خلف الباب.
التفت.
كان أحد حراسي واقفًا هناك.
نظر إليّ، ثم أشاح بوجهه.
— نحن في كل مكان.
— وماذا لو حاربتكم؟
ابتسم.
— بأي جيش؟
توقف لحظة، ثم قال:
— نحن لا نريد أن نقتلك.
— لأنكم تحتاجونني.
— نعم.
قالها بلا مواربة.
— نحتاج إلى وجه يلتف حوله الناس.
— وتظنون أنني سأقبل بعد أن قتلتم أخي؟
— ستقبل.
— وكيف تعرف؟
اقترب مني.
— لأنك تحب زوجتك وأبناءك.
ووضع يده على الورقة.
— ولأنك، رغم كل شيء، تحب هذه البلاد.
التفت إلى الكأس.
— اشرب.
— ماذا؟
ظللت أحدق فيه.
— أتخاف من السم؟
ضحكت ساخرًا.
— أنت تلاعبني. ليس في الكأس سم.
— بل فيه سم قاتل.
رفع الكأس وشرب الماء كله.
ظل واقفًا صامتًا لحظة، ثم وضع الكأس على المكتب.
نظرت إليه.
بدأ وجهه يتغير.
— ماذا فعلت؟
لم يجب.
وضع يده على صدره، وتراجع خطوة، ثم جلس على حافة الكرسي. رفع عينيه إليّ، وهو يتنفس بصعوبة.
— نحن لا نكذب.
بدأ جسده يرتجف.
— أنتم مجانين.
— لا.
أخذ نفسًا طويلًا.
— نحن مؤمنون.
وسقط.
اندفعت نحوه.
— أنقذوه! استدعوا الطبيب!
انحنى أحد حراسي فوقه، ثم رفع رأسه.
— لقد مات، يا سيدي.
اقترب الحارس مني، وهمس:
— كان يعرف أن مهمته تنتهي هنا.
***
سألتني زوجتي ليال:
— ماذا يريدون منك؟
— قتلوا أخي.
— أعرف.
— يريدون مني أن أجلس مكانه.
— وأنت ماذا ستفعل؟
نظرت إلى صورة أخي المعلقة على الحائط، ثم إلى صورة أبي، ولم أجب.
***
دخل مالك، قائد الحرس، مكتبي وأغلق الباب.
قال في ذعر :
— تم تفجير الكوبري المؤدي إلى قصرك، واختفى نصف رجالي.
— والنصف الآخر؟
— لا أثق فيهم.
أخرج سيفه ووضعه أمامي.
— القصر لم يعد لنا.
— ماذا تقصد؟
— إن رفضت، فلن يبقى أحد هنا ليحميك.
— وإن قبلت؟
— سيحمونك حتى آخر رجل.
***
.حين وصلت إلى قصر الحكم، كان الناس يهتفون:
— عاش الملك آسر!
ووضعوا التاج على رأسي.
لم أفهم يومًا لماذا يرى الناس العرش جائزة، وهو في الحقيقة سرير لا ينام عليه صاحبه.
عادت بي الذاكرة إلى يوم قال لي أبي، الملك رائف:
— أنت ولي العهد، وستكون الملك بعدي.
— لا أريد.
رفع عينيه إليّ. كان قد شاخ، لكن عينيه ظلتا حادتين.
— وماذا تريد؟
— أن أعيش.
ابتسم.
— آسر... ومن قال لك إن الملك لا يعيش؟
— يعيش للناس، وأنا أريد أن أعيش لنفسي.
صمت أبي طويلًا، ثم سألني في حيرة:
— وماذا ستفعل إذا تركت الحكم؟
— أكتب.
— الشعر إذن، أيها الأمير الشاعر؟
— الشعر لا يحتاج إلى جيش.
— فلتكن الملك الشاعر.
— يا أبي، أنا لست ملكًا.
ظل ينظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— بل أنت الملك الذي كنت أرجوه لهذه البلاد.
ابتسمت.
— لأنني أكتب الشعر؟
— لأنك تفهم الناس.
صمتُّ.
— جلال أخوك شجاع، وقوي، وقد يكون أصلح منك في ساحة الحرب، ولكنك تجيد قراءة التاريخ، وتعرف ما فعله الذين سبقونا، وتقرأ الشعر والفلسفة، وتعرف أن القوة وحدها لا تصنع ملكًا.
نظرت إليه طويلًا.
نهض من مقعده، واقترب مني،ثم أردف:
— الذين يريدون العرش هم أخطر من ينبغي أن يصلوا إليه.
— لكنني لا أريده.
— أعرف.
— إذن لماذا تصر؟
تنهد.
— لأن بعض الأمور لا نختارها.
— أنا أختار.
خفض أبي رأسه لحظة، ثم قال:
— لكل إنسان قدر
— وأنا لا أريد قدري هذا.
نظر إليّ طويلًا.
— ستفهم يومًا أن الإنسان لا يهرب دائمًا مما كُتب له.
كانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها حزينًا بسببي.
لكني لم أتراجع.
وأمام إصراري على رفض ولاية العهد، لم يجد أبي بدًّا من أن يعهد بها إلى أخي الأصغر، جلال.
وبعد أيام قليلة، مات، كأنما أسدل الستار على حياته بعد أن أتم ما كان عليه.
***
كان لي قصر صغير في جزيرة بعيدة عن قصر الملك، حوّلته إلى مكتبة.
كان أصدقائي يجيئون في المساء؛ نقرأ، ونختلف، ونتشاجر حول الأدب، ثم نتصالح على مائدة العشاء.
وعلى الشاطئ، كنت أجلس إلى البحر، وزوجتي ليال إلى جواري، وابناي سليم وراشد يركضان خلف الموج.
لم أطلب من الدنيا أكثر من ذلك.
***
عدت إلى العاصمة، وما إن رآني أخي حتى نهض عن العرش وعانقني، ثم همس:
— لا تتركني.
ثم بدأت الحرب.
اشتعلت الحدود، وامتلأ القصر بالوشايات.
وفي إحدى الليالي، جاءني خائفًا.
— يريدون قتلي.
جلس أمامي، وصمت قليلًا.
— الآن أعرف أنني كنت مخطئًا.
نظر إليّ.
— تركت العرش لأنك لم تطمع فيه، وجلست عليه أنا لأنني ظننت أنني أستطيع احتماله.
— تستطيع.
هز رأسه ونهض.
كان ذلك آخر حديث بيننا.
وفي الصباح، قُتل.
***
في السنة الأولى من حكمي، لم أطالب بثأر أخي.
لم يكن قاتلوه مجهولين، لكنني كنت أعرف أن الأمر ليس هيّنًا.
وكيف يكون هيّنًا، وهم أنفسهم الذين أجلسوني على العرش؟
كان وراء كل واحد منهم رجال، وقبيلة، وأتباع، ومصالح، وخصومات قديمة لا أعرف بدايتها.
فهل أقتلهم جميعًا؟
لو كنت رجلًا عاديًا، ربما فعلت.
لكن الرجل العادي يستطيع أن ينتقم لنفسه، أما الملك، فعليه أن يسأل قبل أن يضرب: من سيدفع ثمن ضربته؟
***
خرجت قبيلة الشرق، ثم قبيلة الشمال، وانضمت إليهما مدن كثيرة، وكانت أختي، الأميرة ناردين، بينهم.
وقفت أمام الجموع وصاحت:
— أنا لا أعترف بأخي الأكبر، آسر، ملكًا.
ثم قالت:
— ترك أخاه، الملك جلال، حتى قُتل، ثم جلس مكانه، ولم يقم حتى بالثأر لموته.
انتشرت الكلمة، وصار كل من يريد الفتنة يحمل اسم أخي جلال، حتى الذين قتلوه.
كانوا يرفعون اسمه في وجهي ويطالبون بثأره.
والأمر، في حقيقته، لم يكن إلا حربًا على العرش.
كسروا عصا الطاعة، وشقوا البلاد نصفين.
أغلقوا الطرق، واحتلوا المدن، وقطعوا المؤن، وقتلوا الجنود والموظفين.
وكلما استعدت مدينة، خرجت أخرى.
***
جاءني القائد مالك بعاصم، ابن عمي الأكبر، وقد أُسر بعد معركة ضارية.
نظر إليّ ثم قال:
— لن تقتلني.
— لأنك صديقي وابن عمي الأكبر؟
— بل لأنك شاعر.
ابتسمت.
— قضيت عمرك تكتب عن الحب والرحمة والإنسان.
أمرت بإخراجه، وبقيت وحدي.
همست:
— حقًا، أنا لست ملكًا، أنا شاعر.
ثم سمعت صراخًا في الخارج.
دخل القائد مالك.
— وصل خبر من الجنوب.
رفعت عيني إليه.
— قتلوا مئتين من الأسرى، من رجالنا.
نظرت إليه في ألم.
أردف في أسى:
— أخت جلالتكم، الأميرة ناردين، هي من أصدرت الأمر بإعدامهم.
في تلك الليلة، وقعت أمرًا بإعدام ابن عمي عاصم.
***
بعد أيام، جاءت أختي ناردين إلى أسوار إحدى المدن التي حاصرتها جيوشي، وطلبت أن تراني.
— اسحب جيشك.
— أنا الملك.
ضحكت، ثم قالت:
— هؤلاء خرجوا من أجل الحق.
— أي حق؟
— ثأر أخينا.
نظرت إليها.
صاحت:
— أخي الذي تركته، وقتله الرجال الذين يقفون الآن خلفك؟
تغير وجهي.
— أم أنك نسيت؟
صمتُّ.
كانت الجملة التي يرددها الجميع، وأشد ما فيها أنها كانت تؤلمني، لأن جزءًا مني كان يصدقها.
— نعم، تركته، لكنني لم أقتله.
— لم تنقذه، ولم تطالب حتى بثأره. دم أخي في عنقك.
خرجت الكلمات من فمها كالسيف.
صحت بها:
— إذا كنت ترين ذلك،إذن أخرجي كل ما في جعبتكِ.
— سنقاتلك.
وفي الأسبوع التالي، هاجمت جيوشها ثلاث مدن.
***
حاربت أختي، وأبناء عمومتي، وقبائل كانت بالأمس حليفة لأبي.
وفي كل مرة كنت أنتصر، كنت أخسر أحدًا من دمي.
لم يعد السؤال: هل أقتل؟
بل: من سأضطر إلى قتله اليوم؟
في البداية، كنت أبحث عن العفو والصلح، لكن العفو عن واحد كان يجعل عشرة آخرين يحملون السلاح، وكل صلح مؤقت ينتهي بقتل جديد.
بدأت أفهم أن الحاكم لا يملك دائمًا أن يفعل ما يحب، وأن الرحمة إذا جاءت في غير موضعها قد تكون ظلمًا للضعفاء الذين لا يملكون سيفًا يحميهم.
قتلت أقرب الناس إليّ.
أصدقاء، وأهلًا، وزعماء قبائل، ورجالًا كانوا يجلسون إلى مائدة أبي.
لم أقتلهم لأنني كرهتهم، بل لأنهم حملوا السلاح، وخانوا البلاد، وقتلوا الآلاف.
***
وضعت أمامي أوراق المحاكمات.
كانت الأسماء كثيرة: أصدقاء، وأقارب، ورجال أعرفهم منذ الطفولة.
وبين الأوراق وجدت قصيدة كتبتها وأنا في العشرين، عن رجل يكره السيوف.
قرأت أول سطر.
ثم ضحكت.
ضحكت حتى بكيت.
أنا الذي كنت أقول إن الشعر لا يحتاج إلى جيش، بت أقود الجيوش.
وأنا الذي كنت أكتب عن الرحمة، صرت أحاكم الرجال بالموت.
وأنا الذي أردت أن أثأر لأخي من قاتليه، أصبحت أقتل بيدي كل من يخرج مطالبًا بثأره.
الأمير الشاعر أضحى الملك السفاح.
كنت أحب أبناء عمومتي، وأحب كثيرًا من الرجال الذين وقفت سيوفي في وجوههم.
لكنني كنت أحب أيضًا النساء اللواتي لا يحملن السيوف، والأطفال الذين لا يعرفون لماذا يحترق بيتهم، والفلاح الذي يريد أن يعود إلى أرضه، والتاجر الذي يريد أن يفتح متجره، والجندي الذي ينتظر أن تنتهي الحرب ليعود إلى أمه.
كنت أبكي بقلب الشاعر، وأقطع الرقاب بسيف الملك.
الشاعر في داخلي كان يقول: لا تقتل.
والملك يقول: إن لم تقتل اليوم، قتلوا غدًا من لا ذنب لهم.
وكنت أنا الرجل الذي يحمل الاثنين في صدره، ويصرخ:
— أنا لست ملكًا.
***
جاءتني رسالة من قادة التمرد، الرجال الذين قتلوا أخي، ثم أصرّوا على أن أُدفع إلى العرش لأحلّ محلّه.
فتحت الرسالة.
يبدو أننا أخطأنا حين اخترناك.
بقيت أحدّق في الجملة. وتساءلت في أعماقي:
هل أخفقت في لمّ شمل البلاد قبل أن تتمزق؟
أعدت قراءة الرسالة.
لم يكن هذا ما يقصدونه.
فالمدن التي خرجت عليّ أخذت تعود، والقبائل التي حملت السلاح راحت تلقيه، وبدأت البلاد تستعيد شيئًا مما فقدته.
إذن؟ هل أخطأوا حين اختاروني لأنني لم أكن أهلًا للعرش؟
جاء الجواب في السطر التالي:
لأنك أقوى مما كنا نظن، أقوى منا جميعًا.
كان التاج فوق الطاولة.
وضعت سيفي إلى جواره، ثم وضعت يدي على التاج وابتسمت.
ربما يكتب التاريخ يومًا أنني كنت سفاحًا.
وربما تقول الأجيال التي ستأتي من بعدي إنني قتلت أهلي وأبناء دمي، وإن الشاعر الذي كان يهرب من الملك بات يحمل السيف بيده.
ولعلهم سيكونون محقين.
فالتاريخ يرى الرأس الذي سقط، ولا يرى دائمًا المدينة التي بقيت.
نظرت إليه مذهولًا.
يقولها هكذا؟ بلا خوف، وبمنتهى الوقاحة، وهو يقف في قصري، أمام مكتبي، وبين حراسي!
أنا الأمير آسر، ابن الملك رائف، وأخو الملك جلال.
صحت به في غضب:
— كيف دخلت إلى مكتبي؟ ألا تخشى أن تطير رقبتك بسيف جلادي؟
وضع ورقة على الطاولة.
كانت قائمة طويلة من الأسماء: وزراء، وقادة، وولاة، ورجال من القصر، وشيوخ قبائل.
ثم رأيت اسم زوجتي، ليال، وتحته اسما ابنيّ، سليم وراشد.
رفعت عيني إليه.
— ماذا تريد؟
— بل نحن.
— من أنتم؟ وماذا تريدون؟
— ثوب الأمير بات صغيرًا عليك، وثوب الملك لا يناسب أحدًا سواك.
ضحكت ضحكة قصيرة يابسة.
— أنا؟
— نعم، أيها الأمير الشاعر.
— لماذا؟
— لأنك الوحيد الذي يستطيع أن يجمع البلاد.
— قتلتم الملك جلال، ثم جئتم تبحثون عن ملك آخر؟
— لم يكن ملكًا.
— كان أخي.
— كان ضعيفًا.
— قتلتموه لأنه ضعيف؟
— قتلناه لأن البلاد كانت تضيع.
— ومن أعطاكم الحق؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— أنت.
صحت في غضب:
— تركت له العرش، لكنني لم أطلب منكم أن تقتلوه.
دفع الورقة نحوي.
— ونحن نطلب منك أن تكمل ما بدأناه.
— وإن رفضت؟
مال فوق المكتب.
— وهل تستطيع أن تتحمل عواقب ما سيحدث بعد ذلك؟
نظر إلى كأس الماء أمامي، وهمس:
— أتظن أن الخادم الذي وضع هذا الكأس هنا اختاره من تلقاء نفسه؟
أزاح الكأس قليلًا، ثم أعاده إلى مكانه.
— نحن نعرف أين تذهب زوجتك قبل أن تعرف أنت، ونعرف متى يخرج ابناك من غرفتيهما، ونعرف من يقف الآن خلف الباب.
التفت.
كان أحد حراسي واقفًا هناك.
نظر إليّ، ثم أشاح بوجهه.
— نحن في كل مكان.
— وماذا لو حاربتكم؟
ابتسم.
— بأي جيش؟
توقف لحظة، ثم قال:
— نحن لا نريد أن نقتلك.
— لأنكم تحتاجونني.
— نعم.
قالها بلا مواربة.
— نحتاج إلى وجه يلتف حوله الناس.
— وتظنون أنني سأقبل بعد أن قتلتم أخي؟
— ستقبل.
— وكيف تعرف؟
اقترب مني.
— لأنك تحب زوجتك وأبناءك.
ووضع يده على الورقة.
— ولأنك، رغم كل شيء، تحب هذه البلاد.
التفت إلى الكأس.
— اشرب.
— ماذا؟
ظللت أحدق فيه.
— أتخاف من السم؟
ضحكت ساخرًا.
— أنت تلاعبني. ليس في الكأس سم.
— بل فيه سم قاتل.
رفع الكأس وشرب الماء كله.
ظل واقفًا صامتًا لحظة، ثم وضع الكأس على المكتب.
نظرت إليه.
بدأ وجهه يتغير.
— ماذا فعلت؟
لم يجب.
وضع يده على صدره، وتراجع خطوة، ثم جلس على حافة الكرسي. رفع عينيه إليّ، وهو يتنفس بصعوبة.
— نحن لا نكذب.
بدأ جسده يرتجف.
— أنتم مجانين.
— لا.
أخذ نفسًا طويلًا.
— نحن مؤمنون.
وسقط.
اندفعت نحوه.
— أنقذوه! استدعوا الطبيب!
انحنى أحد حراسي فوقه، ثم رفع رأسه.
— لقد مات، يا سيدي.
اقترب الحارس مني، وهمس:
— كان يعرف أن مهمته تنتهي هنا.
***
سألتني زوجتي ليال:
— ماذا يريدون منك؟
— قتلوا أخي.
— أعرف.
— يريدون مني أن أجلس مكانه.
— وأنت ماذا ستفعل؟
نظرت إلى صورة أخي المعلقة على الحائط، ثم إلى صورة أبي، ولم أجب.
***
دخل مالك، قائد الحرس، مكتبي وأغلق الباب.
قال في ذعر :
— تم تفجير الكوبري المؤدي إلى قصرك، واختفى نصف رجالي.
— والنصف الآخر؟
— لا أثق فيهم.
أخرج سيفه ووضعه أمامي.
— القصر لم يعد لنا.
— ماذا تقصد؟
— إن رفضت، فلن يبقى أحد هنا ليحميك.
— وإن قبلت؟
— سيحمونك حتى آخر رجل.
***
.حين وصلت إلى قصر الحكم، كان الناس يهتفون:
— عاش الملك آسر!
ووضعوا التاج على رأسي.
لم أفهم يومًا لماذا يرى الناس العرش جائزة، وهو في الحقيقة سرير لا ينام عليه صاحبه.
عادت بي الذاكرة إلى يوم قال لي أبي، الملك رائف:
— أنت ولي العهد، وستكون الملك بعدي.
— لا أريد.
رفع عينيه إليّ. كان قد شاخ، لكن عينيه ظلتا حادتين.
— وماذا تريد؟
— أن أعيش.
ابتسم.
— آسر... ومن قال لك إن الملك لا يعيش؟
— يعيش للناس، وأنا أريد أن أعيش لنفسي.
صمت أبي طويلًا، ثم سألني في حيرة:
— وماذا ستفعل إذا تركت الحكم؟
— أكتب.
— الشعر إذن، أيها الأمير الشاعر؟
— الشعر لا يحتاج إلى جيش.
— فلتكن الملك الشاعر.
— يا أبي، أنا لست ملكًا.
ظل ينظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— بل أنت الملك الذي كنت أرجوه لهذه البلاد.
ابتسمت.
— لأنني أكتب الشعر؟
— لأنك تفهم الناس.
صمتُّ.
— جلال أخوك شجاع، وقوي، وقد يكون أصلح منك في ساحة الحرب، ولكنك تجيد قراءة التاريخ، وتعرف ما فعله الذين سبقونا، وتقرأ الشعر والفلسفة، وتعرف أن القوة وحدها لا تصنع ملكًا.
نظرت إليه طويلًا.
نهض من مقعده، واقترب مني،ثم أردف:
— الذين يريدون العرش هم أخطر من ينبغي أن يصلوا إليه.
— لكنني لا أريده.
— أعرف.
— إذن لماذا تصر؟
تنهد.
— لأن بعض الأمور لا نختارها.
— أنا أختار.
خفض أبي رأسه لحظة، ثم قال:
— لكل إنسان قدر
— وأنا لا أريد قدري هذا.
نظر إليّ طويلًا.
— ستفهم يومًا أن الإنسان لا يهرب دائمًا مما كُتب له.
كانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها حزينًا بسببي.
لكني لم أتراجع.
وأمام إصراري على رفض ولاية العهد، لم يجد أبي بدًّا من أن يعهد بها إلى أخي الأصغر، جلال.
وبعد أيام قليلة، مات، كأنما أسدل الستار على حياته بعد أن أتم ما كان عليه.
***
كان لي قصر صغير في جزيرة بعيدة عن قصر الملك، حوّلته إلى مكتبة.
كان أصدقائي يجيئون في المساء؛ نقرأ، ونختلف، ونتشاجر حول الأدب، ثم نتصالح على مائدة العشاء.
وعلى الشاطئ، كنت أجلس إلى البحر، وزوجتي ليال إلى جواري، وابناي سليم وراشد يركضان خلف الموج.
لم أطلب من الدنيا أكثر من ذلك.
***
عدت إلى العاصمة، وما إن رآني أخي حتى نهض عن العرش وعانقني، ثم همس:
— لا تتركني.
ثم بدأت الحرب.
اشتعلت الحدود، وامتلأ القصر بالوشايات.
وفي إحدى الليالي، جاءني خائفًا.
— يريدون قتلي.
جلس أمامي، وصمت قليلًا.
— الآن أعرف أنني كنت مخطئًا.
نظر إليّ.
— تركت العرش لأنك لم تطمع فيه، وجلست عليه أنا لأنني ظننت أنني أستطيع احتماله.
— تستطيع.
هز رأسه ونهض.
كان ذلك آخر حديث بيننا.
وفي الصباح، قُتل.
***
في السنة الأولى من حكمي، لم أطالب بثأر أخي.
لم يكن قاتلوه مجهولين، لكنني كنت أعرف أن الأمر ليس هيّنًا.
وكيف يكون هيّنًا، وهم أنفسهم الذين أجلسوني على العرش؟
كان وراء كل واحد منهم رجال، وقبيلة، وأتباع، ومصالح، وخصومات قديمة لا أعرف بدايتها.
فهل أقتلهم جميعًا؟
لو كنت رجلًا عاديًا، ربما فعلت.
لكن الرجل العادي يستطيع أن ينتقم لنفسه، أما الملك، فعليه أن يسأل قبل أن يضرب: من سيدفع ثمن ضربته؟
***
خرجت قبيلة الشرق، ثم قبيلة الشمال، وانضمت إليهما مدن كثيرة، وكانت أختي، الأميرة ناردين، بينهم.
وقفت أمام الجموع وصاحت:
— أنا لا أعترف بأخي الأكبر، آسر، ملكًا.
ثم قالت:
— ترك أخاه، الملك جلال، حتى قُتل، ثم جلس مكانه، ولم يقم حتى بالثأر لموته.
انتشرت الكلمة، وصار كل من يريد الفتنة يحمل اسم أخي جلال، حتى الذين قتلوه.
كانوا يرفعون اسمه في وجهي ويطالبون بثأره.
والأمر، في حقيقته، لم يكن إلا حربًا على العرش.
كسروا عصا الطاعة، وشقوا البلاد نصفين.
أغلقوا الطرق، واحتلوا المدن، وقطعوا المؤن، وقتلوا الجنود والموظفين.
وكلما استعدت مدينة، خرجت أخرى.
***
جاءني القائد مالك بعاصم، ابن عمي الأكبر، وقد أُسر بعد معركة ضارية.
نظر إليّ ثم قال:
— لن تقتلني.
— لأنك صديقي وابن عمي الأكبر؟
— بل لأنك شاعر.
ابتسمت.
— قضيت عمرك تكتب عن الحب والرحمة والإنسان.
أمرت بإخراجه، وبقيت وحدي.
همست:
— حقًا، أنا لست ملكًا، أنا شاعر.
ثم سمعت صراخًا في الخارج.
دخل القائد مالك.
— وصل خبر من الجنوب.
رفعت عيني إليه.
— قتلوا مئتين من الأسرى، من رجالنا.
نظرت إليه في ألم.
أردف في أسى:
— أخت جلالتكم، الأميرة ناردين، هي من أصدرت الأمر بإعدامهم.
في تلك الليلة، وقعت أمرًا بإعدام ابن عمي عاصم.
***
بعد أيام، جاءت أختي ناردين إلى أسوار إحدى المدن التي حاصرتها جيوشي، وطلبت أن تراني.
— اسحب جيشك.
— أنا الملك.
ضحكت، ثم قالت:
— هؤلاء خرجوا من أجل الحق.
— أي حق؟
— ثأر أخينا.
نظرت إليها.
صاحت:
— أخي الذي تركته، وقتله الرجال الذين يقفون الآن خلفك؟
تغير وجهي.
— أم أنك نسيت؟
صمتُّ.
كانت الجملة التي يرددها الجميع، وأشد ما فيها أنها كانت تؤلمني، لأن جزءًا مني كان يصدقها.
— نعم، تركته، لكنني لم أقتله.
— لم تنقذه، ولم تطالب حتى بثأره. دم أخي في عنقك.
خرجت الكلمات من فمها كالسيف.
صحت بها:
— إذا كنت ترين ذلك،إذن أخرجي كل ما في جعبتكِ.
— سنقاتلك.
وفي الأسبوع التالي، هاجمت جيوشها ثلاث مدن.
***
حاربت أختي، وأبناء عمومتي، وقبائل كانت بالأمس حليفة لأبي.
وفي كل مرة كنت أنتصر، كنت أخسر أحدًا من دمي.
لم يعد السؤال: هل أقتل؟
بل: من سأضطر إلى قتله اليوم؟
في البداية، كنت أبحث عن العفو والصلح، لكن العفو عن واحد كان يجعل عشرة آخرين يحملون السلاح، وكل صلح مؤقت ينتهي بقتل جديد.
بدأت أفهم أن الحاكم لا يملك دائمًا أن يفعل ما يحب، وأن الرحمة إذا جاءت في غير موضعها قد تكون ظلمًا للضعفاء الذين لا يملكون سيفًا يحميهم.
قتلت أقرب الناس إليّ.
أصدقاء، وأهلًا، وزعماء قبائل، ورجالًا كانوا يجلسون إلى مائدة أبي.
لم أقتلهم لأنني كرهتهم، بل لأنهم حملوا السلاح، وخانوا البلاد، وقتلوا الآلاف.
***
وضعت أمامي أوراق المحاكمات.
كانت الأسماء كثيرة: أصدقاء، وأقارب، ورجال أعرفهم منذ الطفولة.
وبين الأوراق وجدت قصيدة كتبتها وأنا في العشرين، عن رجل يكره السيوف.
قرأت أول سطر.
ثم ضحكت.
ضحكت حتى بكيت.
أنا الذي كنت أقول إن الشعر لا يحتاج إلى جيش، بت أقود الجيوش.
وأنا الذي كنت أكتب عن الرحمة، صرت أحاكم الرجال بالموت.
وأنا الذي أردت أن أثأر لأخي من قاتليه، أصبحت أقتل بيدي كل من يخرج مطالبًا بثأره.
الأمير الشاعر أضحى الملك السفاح.
كنت أحب أبناء عمومتي، وأحب كثيرًا من الرجال الذين وقفت سيوفي في وجوههم.
لكنني كنت أحب أيضًا النساء اللواتي لا يحملن السيوف، والأطفال الذين لا يعرفون لماذا يحترق بيتهم، والفلاح الذي يريد أن يعود إلى أرضه، والتاجر الذي يريد أن يفتح متجره، والجندي الذي ينتظر أن تنتهي الحرب ليعود إلى أمه.
كنت أبكي بقلب الشاعر، وأقطع الرقاب بسيف الملك.
الشاعر في داخلي كان يقول: لا تقتل.
والملك يقول: إن لم تقتل اليوم، قتلوا غدًا من لا ذنب لهم.
وكنت أنا الرجل الذي يحمل الاثنين في صدره، ويصرخ:
— أنا لست ملكًا.
***
جاءتني رسالة من قادة التمرد، الرجال الذين قتلوا أخي، ثم أصرّوا على أن أُدفع إلى العرش لأحلّ محلّه.
فتحت الرسالة.
يبدو أننا أخطأنا حين اخترناك.
بقيت أحدّق في الجملة. وتساءلت في أعماقي:
هل أخفقت في لمّ شمل البلاد قبل أن تتمزق؟
أعدت قراءة الرسالة.
لم يكن هذا ما يقصدونه.
فالمدن التي خرجت عليّ أخذت تعود، والقبائل التي حملت السلاح راحت تلقيه، وبدأت البلاد تستعيد شيئًا مما فقدته.
إذن؟ هل أخطأوا حين اختاروني لأنني لم أكن أهلًا للعرش؟
جاء الجواب في السطر التالي:
لأنك أقوى مما كنا نظن، أقوى منا جميعًا.
كان التاج فوق الطاولة.
وضعت سيفي إلى جواره، ثم وضعت يدي على التاج وابتسمت.
ربما يكتب التاريخ يومًا أنني كنت سفاحًا.
وربما تقول الأجيال التي ستأتي من بعدي إنني قتلت أهلي وأبناء دمي، وإن الشاعر الذي كان يهرب من الملك بات يحمل السيف بيده.
ولعلهم سيكونون محقين.
فالتاريخ يرى الرأس الذي سقط، ولا يرى دائمًا المدينة التي بقيت.