حسين عبروس-الحكاية الشعبية في أدب الطفل...

الحكاية الشعبية في أدب الطفل... ........ " من حفظ الذاكرة إلى بناء الهوية والمواطنة.."
المقدمة
لم تكن الحكاية الشعبية في يوم من الأيام مجرد وسيلة للتسلية أو تمضية الوقت، بل كانت المدرسة الأولى التي تشكلت فيها ذاكرة المجتمعات، وانتقلت عبرها اللّغة والقيّم والعادات والتجارب الإنسانية من جيل إلى آخر. وقبل ظهور المدرسة الحديثة ووسائل الإعلام، كانت الأسرة، وفي مقدمتها الجدة والأم، تؤدي دورًا تربويًا وثقافيًا من خلال الحكاية، فتغرس في الطفل معاني الشّجاعة والصدق والعدل والتعاون والانتماء. ولذلك بقيت الحكاية الشّعبية أحد أهم روافد أدب الطفل، لأنها تحمل خلاصة التجربة الإنسانية للمجتمع في قالب سردي يجمع
بين المتعة والتوجيه،وفي عصر العولمة والثورة الرّقمية، تزداد الحاجة إلى إعادة قراءة الحكاية الشّعبية بوصفها عنصرًا فاعلًا في بناء الهوية الثقافية وتعزيز قيم المواطنة، لا باعتبارها أثرًا من الماضي، بل موردًا تربويًا متجددًا. فالطفل الذي يعرف تراثه وينفتح عليه بوعي يكون أكثر قدرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى دون أن يفقد خصوصيته الحضارية، وهو ما يجعل الحكاية الشّعبية وسيلة لبناء شخصية متوازنة تجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العصر.
- تستمد الحكاية الشّعبية قيمتها من كونها الذاكرة الحية للأمة، فهي لا تحفظ الأحداث التاريخية بقدر ما تحفظ رؤية المجتمع إلى الحياة، وما يراه من فضائل ينبغي أن تبقى، وسلوكيات ينبغي أن تُجتنب. ومن هنا فإنها تمثل وعاءً للهوية الثقافية، إذ تنتقل من خلالها اللغة، والأمثال، والرموز، والأزياء، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير، فتظل حاضرة في وجدان الطفل
حتى وإن تغيرت الأزمنة.ويؤكد القرآن الكريم أهمية السّرد في بناء الوعي؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: 111)، وقال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾** (يوسف: 3). وتكشف هاتان الآيتان أن وظيفة القصة ليست الترفيه، وإنما بناء البصيرة وإيقاظ التفكير واستخلاص العبرة. وإذا كان القرآن قد جعل القصة وسيلة للتربية والإصلاح، فإن الحكاية الشعبية تستطيع، بعد تهذيبها وإعادة صياغتها، أن تؤدي وظيفة تربوية مشابهة في مخاطبة الطفل.
- إنّ الهوية ليست شعارًا يرفع، وإنما منظومة من اللغة والذاكرة والقيم والرموز المشتركة. والحكاية الشعبية تسهم في ترسيخ هذه المنظومة؛ لأنها تجعل الطفل يعيش بيئته الثقافية من خلال شخصياتها وأحداثها وأمكنتها. فعندما يستمع الطفل إلى حكاية من بيئته المحلية، فإنه لا يتعرف إلى أحداثها فحسب، بل يتعرف إلى صورة مجتمعه، وإلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين الفرد والجماعة، وبين الحقوق والواجبات. وهنا تتحول الحكاية إلى وسيلة لبناء الانتماء، وهو الأساس الحقيقي للمواطنة.
غير أن المواطنة في مفهومها الحديث لا تقوم على الانتماء العاطفي وحده، بل على المشاركة والمسؤولية واحترام القانون والاختلاف والتعاون. ومن ثم فإن إعادة كتابة الحكاية الشعبية ينبغي أن تبرز هذه القيم، بحيث يرى الطفل في أبطالها نماذج للمبادرة والعمل الجماعي وحماية البيئة وصيانة الممتلكات العامة واحترام التنوع الثقافي. فالحكاية التي تنتهي بانتصار الحكمة على القوة، أو بتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، تربي في الطفل معنى المواطنة
أكثر مما تفعله المواعظ المباشرة.ومن المهم كذلك أن تخضع الحكاية الشعبية لقراءة نقدية واعية؛ فليس كل ما وصل إلينا من التراث يصلح لأن يقدم إلى الطفل بصورته الأصلية. فبعض الحكايات تتضمن صورًا نمطية، أو تبالغ في العنف، أو تربط النجاح بالسحر والخوارق، وهي عناصر تحتاج إلى إعادة صياغة بما ينسجم مع المعرفة الحديثة وحقوق الطفل، مع الحفاظ على روح الحكاية وجمالها الفني. إن صيانة التراث لا تعني تجميده، وإنما تعني إحياءه في
صورة تجعله قادرًا على مخاطبة أجيال جديدة.وفي ظل الثورة الرقمية، لم تعد الحكاية الشعبية حبيسة الكتب أو المجالس العائلية، بل يمكن أن تتحول إلى كتاب تفاعلي، أو فيلم رسوم متحركة، أو قصة مسموعة، أو لعبة تعليمية، أو تجربة واقع معزز، وبذلك تستعيد حضورها في حياة الطفل المعاصر بلغة يفهمها ويقبل عليها. غير أن نجاح هذا التحول مرهون بالحفاظ على جوهر الحكاية وقيمها، فلا تتحول إلى مجرد منتج ترفيهي يفرغها من رسالتها الثقافية.
إن مستقبل الحكاية الشعبية لا يكمن في حفظ نصوصها فحسب، بل في إعادة إنتاجها بوصفها مشروعًا ثقافيًا وتربويًا يربط الطفل بجذوره، ويمنحه في الوقت نفسه أدوات التفكير النقدي والإبداعي. فالطفل الذي يعرف تراثه، ويدرك معانيه، ويتأمل قيمه، يكون أكثر قدرة على بناء مستقبله بثقة، وأكثر استعدادًا للإسهام في نهضة وطنه.
- الخاتمة
تظلّ الحكاية الشعبية أحد أهم ّالمكونات الثقافية التي تحفظ هوية الأمة وتنقلها إلى الأجيال الجديدة، لكنها لا تؤدي رسالتها كاملة إلا إذا أعيد تقديمها في ضوء حاجات الطفل المعاصر ومتطلبات المجتمع الحديث. فالمطلوب اليوم ليس استعادة الماضي كما كان، وإنما استثماره في بناء المستقبل، من خلال حكايات تجمع بين أصالة الموروث وروح العصر، وتغرس في الطفل قيم الانتماء، والمبادرة، والتّسامح، والمسؤولية، واحترام الإنسان. وعندما تنجح الحكاية الشعبية في تحقيق هذا التوازن، فإنها تصبح أداة تربوية وحضارية تسهم في بناء مواطن معتز بهويته، منفتح على العالم، وقادر على المشاركة في صناعة مستقبله.
- المراجع العربية
1. عبد التواب يوسف، أدب الأطفال، مكتبة الأسرة، القاهرة.
2. حسين عبروس- ادب الطفل وفن الكتابة- موفم-الجزائر
3. نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار المعارف، القاهرة.
4. أحمد مرسي، الأدب الشعبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
5. فاروق خورشيد، الأدب الشعبي العربي، دار الشروق، القاهرة. Voir moins

Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎حسين عبروس أدب الطفل وفن الكتابة ข ENAG ENAG EDITIONS‎’‎



https://www.facebook.com/hsyn.brws....woVcSygXjJfCpad35kV_4TxzIOConFlOBA&__tn__=R-R

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى