علجية عيش .. مالك بن نبي و الصراع الفكري


يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ و تؤسس حضارات

حين وضع مالك بن نبي معادلته في بناء الحضارة، ارتكزت هذه المعادلة على عناصر ثلاثة: عالم الأشخاصث و عالم ألأفكار و عالم الأشياء) و كل عنصر مرتبط بالآنر و لا يتحقق المشروه الحشضاري إلا بتوفر هذه العناصر الثلاثة، كما لا يمكن أن نؤسس مشروعا ما إلا بتواجد فكرة، كان التنافس شديدا بين القوى التي تريد أن تكون لها مكانة في العالم، فلا تكون مجرد مستهلكا للأشياء، مثلما نراه في العالم العربي و الإسلامي، و ها هو إمبراطور اليابان (كنموذج) و هو يؤدي مرسوم القسم أمام الشعب عام 1868، حيث خاطب شعبه بالقول: " سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم" و من هنا بدأت سياسة اليابانيين تنحصر في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى، و طبقوا هذا الشعار في حياتهم اليومية، فاقتبسوا من الصين ذات الحضارة العظيمة، دون أن يصبحوا أسرى لها، فكانوا قوما أقوياء الإرادة، و قد سارت تركيا على نهج اليابانيين و كذلك الرومان الذين حوّلوا منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط من أحراش و صحاري إلى بلاد كلها حدائق و كروم و حقول يانعة، و لولا الإغريق لما كانت للرومان حضارة، إن الفكرة الواحدة يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، أما العرب ، فمنذ أن ظهروا على مسرح الأحداث العالمية كانوا أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة و الإخاء و التعاون و النهوض بالأمة الإسلامية ، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم و لم يستثمروا حتى في أفكارهم، و تخبط البعض منهم من أصحاب النفوس المريضة في فهم هذه الرسالة السامية، حيث اتخذ أعداء هذه الفئة طابعا خاصا في التاريخ.

من هنا بدأت الحضارة العربية تعرف نوعا من التراجع، فالصراعات و الخلافات بين المسلمين تحت ستار تيارات مختلفة كانت سببا في ظهور الانشقاق في الأمة العربية و الإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس، فطغى عليها بالشلل و الجمود، و لهذا السبب جاءت الدراسات البنّابية لتعالج مشاكل العالم الإسلامي، إن الصراع الفكري في العالم الإسلامي كما يقول مالك بن نبي يجب أن يتقرر مبدئيا على قاعدة عامة ، ألا و هي أنه عندما يطرح مسلم مشكلة ما تهم مجتمعه أو المجتمع الإسلامي،فإن هذه المشكلة تكون قد طُرِحَتْ أو ستُطرحُ عاجلا في اوساط المتخصصين في هذه الدراسات لحساب و تحت إشراف الإستعمار، والإستعمار عند مالك بن نبي ليس فقط الإحتلال الفعلي للأرض، بل هو كل محاولة أو كل عمل، يميل إلى فرض إيديولوجيته أو معتقداته أو قيمه على مجتمع معين، فكلما تقدم هذا المفكر المسلم في حل إشكالية ما يُسرع أولئك الأخصائيين لدراستها، اي انهم يستخدمونها لصالحهم، و بذلك يجهضون مشروع صاحبها الأصلي و التقليل من قيمته الفكرية و هو نوع من السطو الفكري على جهد الآخر الفكري و يسدّون الطريق في وجهه، بل يُنْسِبون جهده إلى أنفسهم، يغيرون العنوان و ما يمكن تغييره في المضمون و كذلك التوقيع.

يقدم مالك بن نبي مثالا عن الصراع الفكري، إذ يقول: إن الصدمة التي حصلت للضمير الإنساني الإسلامي كانت محسومة في عالم أفكارنا، عندما وجهت المستشرقة الألمانية زيغريد لونكه Sigrid Hunke صاحبة كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" مدحت فيه الحضارة الإسلامية، و لقي كتابها اهتماما كبيرا للمفكرين في مؤتمر وقف له الجميع لما جاء في كتاب هذه المستشرقة الألمانية و ما صنعته الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، لمن أهلها لم يعرفوا قيمتها، لأن الفكرة الواحدة في المخيال الغربي يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، لقد تناول الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله مشكلة الأفكارفي العالم الإسلامي، يقول مالك بن نبي وهو يتحدث عن جهل المسلمين بهذه العبارات : "إنّ المجتمع الإسلامي يُعاني من السخط الإلهي الصادر من النماذج الكُلِّية في محيطه الثقافي بالذات، كما يعاني من الانتقام الشديد على يد الأفكار التي استعارها من أوروبا ، دون النظر في الشروط التي من شأنها أن تُحافظ على قيمتها الاجتماعية، وينجم عن ذلك فقدان الحيوية في الأفكار الموروثة وفي الأفكار المُكْتَسَبَةِ، وهو الأمر الذي يُخِلُّ إخلالا خطيرا بالتطور المعنوي والمادي في العالم الإسلامي، إذا أراد مجتمع أن يصنع تاريخه لا يكفي أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ، حتى يمكنه سلك طريق التحرّر من قيوده الخارجيَّة والداخليَّة، ولذا يقول مالك بن نبي: “إذا أردت أن تصلح أمر الدولة فاصلح نفسك”

لقد هتمَّ المفكِّر الجزائري مالك بن بي بعالم الأفكار وإعاة النظر في التركيبة البشريَّة للمجتمع الإسلامي وكيف يمكن إعادة النظر في البناء الحضاري في إطار “براديغم إسلامي” وعن طريق محاربة ما سمّاه بالقابليَّة للاستعمار وتصحيح الأفكار السلبيَّة أو الأفكار الميِّتة التي تعيق نمو المجتمع وتجعله مجتمعا مشلولا، مخدّرا، طاقاته معطَّلة وإبداعاته مجمَّدة، فالمجتمع الإسلامي كما يقول مالك بن نبي غير مستقرّ فكرا؛ إذ تسوده الفوضى في كل الميادين، الفكريَّة الأخلاقيَّة وفي ميادين السياسة، مجتمع يحمل أفكارًا مستوردة، فانحرف عن مثله العليا، وبدلا من أن يعالج مشكلاته من خلال نقد الذات، لجأ إلى إخفاء عيوبه واستغفال الآخر عن طريق نشر أفكار ميِّتة لا تتماشى مع العصر الذي نعيش فيه الآن وما تشهده الأمم الأخرى من تطوّر وتقدّم تكنولوجي، هذه الأفكار الميّتة في نظر مالك بن نبي أشد فتكًا بالمجتمع، وقال إنها إرث خلفها مجتمع ما بعد الموحّدين، هكذا كانت أفكار مالك بن نبي ، بمثابة “الطريق” الى بناء الإنسان الجديد وهي أفكار تحتاج الى الكثير من التأمّل والتدبّر والتبصّر والبحث في صيغة العلاقة بين المفكر ومجتمعه وعالمه الذهني الخاص الذي يتحرَّك داخله وعلاقاته مع الآخر وأسلوبه في التعامل مع الواقع، فهذا "جلبرت هايت" في كتابه : "هجرة الأفكار"، قدم أمثلة عن تطور الأفكار في جانبها الإيجابي و كيف استثمرت الشعوب في أفكار شعوب أخرى، هي رسالة للنخبة ودعاة التغيير والتجديد أن لا تبقى حبيسة أبراج مثاليَّة متجاهلة دورها في تنوير العقل البشري وتحريره من التبعيَّة، فإنَّ مسعاها سيكون مصيره الفشل، لأن الإنسان هو أهمّ بعد من أبعاد النهضة، وكما قال القسيس البريطاني جلبرت هايت: يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ و تؤسس حضارات، عندما تلقى من يستثمر فيها و يزرعها في التربة النقية"
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى