وجدان أبومحمود - ماورائيّات الأدب وجدليّات الحداثة في كتاب "على ذمة الراوي" للأديب عماد عبيد

"على ذمّة الرّاوي" هو كتابٌ مهمٌّ وجريءٌ صدر مؤخّراً، للأديب عماد عبيد، عن دار بعل في مئةٍ وخمسٍ وثمانين صفحةٍ من القطع المتوسط، وهو ليس كتاباً بقدر ما هو بابٌ ينفتح على عوالم الأدب السحريّة المستخفية وميدانُ معركةٍ يحتدم فيها الاقتحام والتحليق والنّبش وهدم التابوهات وإضرام الأسئلة، ومهما امتلك القارئ من ثقافةٍ؛ فإنه لابدّ وأن يخرج بجديدٍ منه.
وهذا الكتاب اللّامهادنُ؛ ليس بحثاً أكاديمياً مستنداً إلى مساطر النّظريّات وتتبع المصادر والمناهل، وإنّما هو مؤلَّفٌ معرفيٌّ مشتملٌ على مقالاتٍ فكريّةٍ مجمّعةٍ، وهذه الإشكالية تطال غالباً التّحقيقات الأدبيّة الصحفيّة والدّراسات القصيرة؛ التي غالباً ما يطالها الغبن؛ لكونها وحداتٍ مستقلّةٍ بذاتها؛ إذ أنّ مشقّة صهرها في كتابٍ معرفيٍّ واحدٍ تكاد تعادل تأليف كتابٍ، وهنا تتبدّى مقدرة الكاتب في استنباط الرّوابط الخفيّة لخلق وحدةٍ روحيّةٍ عضويّةٍ يمكن إجمالها هنا... بأسئلة الحداثة.
وأبحاث هذا الكتاب السّبعة عشر كلُّها، تمتاز بفرادةٍ ومسؤوليّةٍ، إذ تحتفي بالكتابة كمادّةٍ جماليّةٍ صافيةٍ لهذا تغربلها ممّا يخدش نقاءها، وجميع موضوعاتِها تساؤلاتٌ جدليّة وإشكاليّة مهمّة؛ تثير شهيّة القارئ الذوّاقة المنهوم؛ حتى ليشعر بأنّه مهجوسٌ بالاستزادة في زمن الرّداءة والهرولة وعجيج الثقافة الفارغة، كما تتراءى للمتبصّر إمكانيّات الباحث القصصيّة والشّعريّة التي استثمرها في غير موضعٍ أيّما استثمارٍ، ومن نافل القول إنّ غياب الهوامش والإسناد قد حرم البحث الرّصين الثرّ من تصدّره كمرجعٍ أكاديميّ على الرّغم من أفكاره الموسوعيّة ومن مبرّرات الكاتب المنطقية.
وفي مقدّمته المهمّة التي عتّبت لهذا الكتاب؛ يؤكّد الصّحفي والمفكّر البارز الدكتور نزار العاني على أهميّة هذا الاشتغال البحثيّ بقوله:
"يَبسُط عماد عبيد مشروعَه الكتابيَّ هذا ويقدّمُه ويختزله للقارئ قائلاً للمتأدّبين والأدباء وطلّاب المعرفة: تفضّلوا إلى رحاب الشعر والرواية والفكر والثقافة والفن، لنسعى نحو مجد الإنسان وإنقاذه من الانزلاق نحو الحيوانيّة والجنون"
البحث الأوّل: رحلوا قبل الظّهيرة-أدباء ماتوا شباباً:
في بحثه الأوّل يقدّم الكاتب أنثروبولوجيا أدبيّة لمبدعين خطفهم الموت؛ وهم في ذروة العمر وأقصى التأجّج بعد أن استَحْصَدت قدراتهم الكتابيّة؛ غطّى الباحث في دراسته طيفاً واسعاً من الأدباء من جنسيّاتٍ مختلفةٍ، من أولئك الذين غادروا العالم في ريعان الشّباب، قبل أن يستعرضُ بإيجازٍ بعض الأسماء النسائيّة في صفحةٍ أو نصف الصّفحة، ثمّ لينتقل بعد ذلك إلى أسماءٍ عربيّة غيّبها الموت في ميعة الصبا قديماً وحديثاً.
نلمس بيسرٍ العمقَ التحليليّ الفلسفيّ الجليّ؛ إذ لم يقتصر العرض على السّرد البيوغرافي، وإنّما تخطّاه نحو بحث دور الرّاحلين في تأسيس تيّاراتٍ أدبيّةٍ، وتأثيرهم في الأجيال اللاحقة، لكن يمكن هنا تسجيل ملاحظةٍ حول غياب معايير الاختيار؛ فنلاحظ غزارة النّماذج من الأدباء الفرنسيين كإشارةٍ موحيةٍ بمركزيّةٍ ثقافيّةٍ، في حين نلحظ إغفال أدباء ثّقافاتٍ وازنةٍ؛ كما الأدبين الياباني واللاتيني مثلاً، بيد أنّه وبشكلٍ ما فقد حافظ على توازنٍ ذكيٍّ بين الشّرق والغرب من خلال التّوسّع في نماذجه العربيّةٍ.
وفي المقابل فقد كان بالإمكان التّوسّع في النّماذج النسائيّة؛ فالأمثلة كثيرةٌ ليست أوّلها سيلفيا بلاث ولا آخرها نازك الملائكة، وكنت أنتظر التطرّق لانتحار المبدعين كفقرةٍ متّصلةٍ يجلّلها اكتمال المعنى، لا كنماذج متفرّقة وإنّما كعرضٍ لعقدة المبدع وحساسيتِه؛ وهو ظاهرةٌ منتشرةٌ عبر التّاريخ الثّقافيّ الإنسانيّ؛ خاصّةً وأنّ في العنوان متّسعٌ من المرونة، كما منحت الدراسة أديبَنا فرصةً ذهبيّةً تمّ تفويتها لدحض ارتباط الإبداع بالكمّ الذي قد تتيحه سنوات العمر الطّويل، وذلك من خلال أمثلتِه الفريدة لأدباء غيّروا شكل الأدب في سنٍّ صغيرةٍ (كافكا- تشيخوف_ غوغول-إدغار آلان بو...إلخ)، لكنّ عبيد سيعرّفنا في الأبحاث اللاحقة إلى أسلوبه الخاصّ هذا في ترك الأسئلة معلّقةً كجراحٍ مفتوحةٍ بعيداً عن الاستنتاجات والإجابات الشّافية المريحة.
البحث الثاني: "السّرقات الأدبيّة؛ تاريخٌ حافلٌ وأسماءٌ مشبوهةٌ":
يعدّ هذا المبحث من أصعب الموضوعات التي يخوّض فيها الباحث؛ إذ أنّ لصوص الأدب المتمرّسين غالباً ما لا يتركون خلفهم أيّة دلائلٍ، ومع ذلك اختار الكاتب أن يقدّم أركيولوجيا معرفية مدعّمةً بالأمثلة لتطور مفهوم القرصنة الثقافية والسرقة الأدبية من اتهامٍ أخلاقيٍّ إلى تناصٍّ إبداعيٍّ.
فبعيد تعريفٍ قانونيّ مقتضبٍ للسّرقة؛ يصنّف الباحث ظاهرة الاختلاس الأدبيّ كإشكاليّةٍ قديمةٍ؛ مستحضراً نماذجَ من الكلاسيكيّات العالميّة، ليستعرض بعدها في متنه النّقديّ الممتدّ من عصر النهضة إلى الحداثة حالاتَ اتّهامٍ بارزةً في الأدبين العربيّ والغربيّ، وليؤطّر هذه الإشكالية ضمن مفاهيم النّقد الحديث كالتّناص والتضمين، ومن الإشكاليّات الذكيّة التي اشتمل عليها البحث تلميحاً لا تصريحاً تساؤلاتٌ من قبيل:
"أين ينتهي التأثّر وأين يبدأ الانتحال؟"
"هل سرقة العباقرة تختلف عن سرقة المقلّدين المتواضعين؟!"
"هل الأفكار ملكٌ للجميع أم هي ملكيّةٌ فرديّةٌ؟!"
"كيف يميّز النّقد الحديث بين التناصّ والسّرقة؟!"
أمّا العطفة الحاسمة في الدّراسة فهي بيان تطوّر موقف النّقد الأدبيّ في القرن العشرين من هذه القضيّة والتي عكست نقلةً معرفيّةً بين مرحلتين؛ وفي المحصّلة فإنّها لا تمنح إجاباتٍ قاطعةً وإنّما تكتفي بطرح الأسئلة؛ لتترك الباب موارباً كما أسلفنا بين حجّتين ممّا جنّبها الوقوع في الانحياز وأكسبها سعةً في الأفق.
ويستحيل لقارئ هذه الدّراسة ألّا يتذكّر مثلي مقولتين شهيرتين؛ الأولى لبول فاليري:
"ليس هناك عملٌ جديد تماماً، بل هناك عملٌ يخفي آثاره جيداً"
والمقولة الثانية لبورخيس:
"لا أحدٌ بوسعه أن يدّعي الأصالة في الأدب فكلُّ الكتّاب ناسخون ومترجمون ومفسّرون لما سبق"

البحث الثالث: "الرّواية العربية؛ صراع التقليد والهوية":
في استقراءٍ مكثّفٍ يقودنا الكاتب في رحلة الرواية العربيّة من التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستيراد الثقافي إلى الأصالة؛ فيواكبُ ولادتها عالمياً وعربياً، ويقسّم الروائيين الأوائل إلى ثلاثة أجيال، الأوّل الحائر مع رواية زينب أمثال توفيق الحكيم وجبران خليل جبران، والثاني المؤسّس في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات أمثال نجيب محفوظ والطيب صالح وحنا مينه وجبرا إبراهيم جبرا والثالث ما بعد نكسة حزيران وظهور التيارات الحداثية ومن ثم تتوالى الأجيال الحديثة بعدهم، ولكن كنت أفضّل شخصيّاً تمييز جيلٍ أوّليٍّ أقدم كسليم البستانيّ وفرانسيس المرّاش ويعقوب صروف وغيرهم ممّن تجرّؤا على فتح هذا الباب وإن لم يكتمل لديهم الشرط الروائيّ كالبناء العضويّ والشخصيّة المركّبة والحبكة المتقنة وإن بلغوا أيضاً من فرط تأُثّرهم بالغرب أن استعان بعضُهم ببيئاتٍ غربيّةٍ وأسماء أجنبيّةٍ، لكنّي أميل حيث يميل الناقد الدكتور صلاح فضل لرفض إنكار أبوّتهم الشّرعيّة وهذا ما سيشير إليه الكاتب نفسُه في أبحاثٍ تاليةٍ.
أعتقدُ شخصياً أنّ الرواية العربية الجادّة اليوم، في أهمّ تجلياتها، إذ لم تعد محض محاكاةٍ، بل صوت راهن يبحث عن خلاصه الذاتي في عولمة متوحشة، وكنت أتمنى أخيراً -ولكيلا نقع في عقدة الخواجة_أن أقرأ في هذا البحث نماذج من قراءات الكاتب من رواياتٍ معاصرةٍ "وهي كثيرة" يتجلّى فيها هذا التّقليد والاستنساخ الذي يحسمه ويعمّمه بقوله:
"إلّا أنّ الأسلوبيّة البنائيّة لهذا الفنّ مازالت منقادةً من دون وعيٍ لنهج الرواية العالميّة"
البحث الرابع: "الحداثة الشعرية؛ مخاض عسير ونسب حائر":
تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركّباً وإشكالياً وهو:
"هل الحداثة الشعرية مرتبطة بالزمن، أم أنها حالة فكرية تتجاوزُه؟!"
يرى أمثالُ أدونيس وزوجه خالدة سعيد_ بحسب الكاتب_ أنها ثورة فكرية لا ترتبط بالشكل وحسب، بل بمنظومة تفكير متحررة من المألوف، بينما يعتبرها آخرون أمثال أنطون مقدسي ومحمد برادة نتاجاً زمنياً جاء نتيجة الانفتاح على الغرب والترجمات، ليعكس هذا التباين أزمة هوية مستمرة في المشهد الثقافي العربي.
وفي هذا الإطار يدرس الكاتب قصيدة النثر والتفعيلة والهايكو ليكشف عن نمط متكرر في الثقافة العربية؛ كلُّ شكل حداثي يواجه اتهاماتٍ قاسيةٍ في البداية بيد أنّ الزمن لا يلبث أن يثبت شرعيتَه تدريجياً، مما يعني أنّ الحداثة هي صراعٌ مستمرٌ لإثبات الجدارة، وفي المحصّلة تبقى العبرة في قدرة هذه الأشكال على تجديد الذائقة الشعرية، لا في نسبها الشرعي.

البحث الخامس: "عن أهواء الكتاب وطقوس الكتابة":
يتضمن هذا البحث قراءةً تنقيبيّةً في سيكولوجية الإبداع الأدبي؛ فيصوغ الكاتب أفكاره كما دوماً بسردٍ قصصيِّ جاذبٍ، ثمّ يمضي في عرض حالاتٍ دراميةٍ طريفةٍ لأدباء وموسيقيين، ليظلّ أسير الحكاية من دون أن يتخطّاها إلى التحليل، على سبيل المثال:
· - ييتس صاحب نوبل يؤمن بالسحر والأشباح، ويتزوج شابة ساحرة، ويعيش في برج مسكون، وينتج أدباً خالداً...
· - عزرا باوند مؤيد للفاشية، مهووس بموسوليني، ويُعتبر "مريضاً نفسياً"، لكنه يظل من أعظم شعراء الحداثة
· - أجاثا كريستي تستلهم أفكار جرائمها في حوض الاستحمام، وتكتب 80 رواية، مع أن مظهرها كان رزيناً وهادئاً.
· - سيمينون يكتب رواية كل 15 يوماً، ويكتب رواية متسلسلة في 3 أيام، ثم يصاب بصدمة نفسية بعد انتحار ابنته تقليداً لحدثٍ في روايته.
· - هوغو يخلع ملابسه ويكتب عارياً ليُنهي أحدب نوتردام في 3 أيام
هذه الحالات وغيرها تمثل تنوعاً مذهلاً في طقوس الإبداع، لكن البحث يكتفي بـإبهارنا بالغرائبية، من دون المغامرة بتقديم نظريةٍ مرجعيّةٍ أو تفسيرٍ سيكولوجيٍّ وفقاً لفرويد أو يونغ أو تشومسكي مثلاً.
البحث السادس: الكاتب كريماً:
تحسب للكاتب جرأتُه في اختيار هذا الموضوع الفريد الفَكه، حيث يرتكز إلى صفة الكرم لدى الأدباء بوصفها مؤثراً نفسياً وسيكولوجياً في الإبداع؛ فيستهل بحثه بنظرية رولان بارت الشهيرة (موت المؤلف)، التي تدعو إلى التعامل مع النص ككيان مستقل عن شخصية كاتبه ومعتقداته؛ لكن البحث الذي عولج بإمتاعٍ حكائيٍّ معتادٍ سرعان ما يخلص إلى نقض هذه النظرية عملياً، إذ يرى أن القارئ والناقد بعيد معرفتهما بسيرة الكاتب لا يستطيعان تجاهل السيرة والفصل بين الشخصية والنص، خاصة في عصر وسائل التواصل التي تحوّل الكاتب فيها إلى "ماركة" إعلامية، ويقدّم لنا في هذا الإطار نماذجَ متنوعةً كانت غايةً في الكرم (نيكوس كازانتزاكيس- عزرا باوند- محمود درويش- يوسف الخال- أحمد فؤاد نجم)، ويرى بنظريّة استنتجها أنّ الكرم يُغدق الإبداع الكتابيّ على الأديب الكريم.
· ينجح الكاتب في إثبات أنّ شخصية الكاتب لا تموت، مهما حاول النقاد إعلان ذلك، ولكنّه يؤكّد على انعكاس الكرم على المنجزّ الأدبيّ بلا استنادٍ مرجعيٍّ يوضح لنا مثلاً ارتباط العطاء بالتفريغ الانفعالي أو الجود الإبداعيّ كتعويضٍ عن الجود الماديّ، ومن ثمّ يستعرض بعض الحالات الفاذّة من ذوات البخل المجلجل كالمتنبي والحطيئة وأبو الأسود الدؤليّ ومحمد الماغوط، غير أنّه وفي لغة الرّياضيّات قد نكتفي بمثالٍ واحدٍ لنقد النظريّة... ويبدو أنّ الكاتب قد فعلها من حيث لا يدري!.
البحث السابع: الشهرة الأدبية بين المصادفة والاستحقاق:
تعدُّ هذه الدراسة قراءةً موجزةً في مفارقات النجاح، وتأكيداً دامغاً على أنّ الشهرة ليست دائماً مقياساً للجودة الأدبيّة، إذ تغزل اشتغالاتها بأناةٍ حول سؤالٍ محيّرٍ هو:
"لماذا يحقق بعض الأدباء شهرة خالدة بينما يظل آخرون _ربما أكثر عمقاً_ في الظل؟!. ولماذا ينجح كتابٌ "ساذجون" في المبيعات بينما يتهمهم النقاد بـشحٍّ فنيٍّ أدبيٍّ؟!"
في القصص الشّائقة التي انتقاها الكاتب؛ نجدُ أنّ المنع أو الفضيحة أو الشتائم قد تكون أسباباً _من ضمن أسبابٍ لا تعدّ ليس من بينها الاستحقاق على أيّةِ حالٍ_ لانتشار العمل الأدبيّ أو شهرة صاحبه، وهنا أيضاً ينأى الكاتب عن تحليل الظاهرة المعقّدة؛ فلا يربطها بالتّسويق أو الذائقة العامة أو المصادفة ويكتفي بفتح بوّابة الأسئلة على مرتقيات التفكّر.
البحث الثامن: "جائزة نوبل من يسوسها؟!:"
تعدّ هذه المقالة قراءةً موجزةً في هندسة الجوائز العالمية، حيث تكمن الإشكاليّة في تسخيرها كأدواتٍ سياسيّةٍ، ويطرح الكاتب سؤالاً محرجاً بسردٍ حافلٍ بالمقارنات: "هل جائزة نوبل للأدب معيارٌ حقّاً للنبوغ، أم أنها خاضعة لأهواء السياسة والتجاذبات الأيديولوجية؟!"، فينطلق من قصة تأسيسها كـتكفيرٍ عن اختراع الديناميت، لينتهي إلى فضائحها المتكررة.
ومن بعض أدلة البحث على التسييس؛ فوز جيفاغو على تولستوي، واختيار اللجان أورهان باموق المعادي للعلمانية فيما تجاهلت ناظم حكمت، كما يسجّل الباحث استغرابه من أن يكون الروائي المصري العربي الوحيد الفائز بها هو نجيب محفوظ (1988)، بينما الأدب العربي يزخر بعمالقةٍ أمثال: (طه حسين، أحمد شوقي، جبران، درويش، أدونيس)، ويطرح احتمالاً يرجّحه الكثيرون:
"هل كان موقف محفوظ من السلام مع إسرائيل عاملاً مهمّاً في ترشيحه؟!"
البحث التاسع: الريادات الأدبية من صحة النّسب إلى جدارة اللقب:
يتناول هذا البحث إشكالية الريادة في الفنون الأدبية، إذ هل يكفي أن تكون أول من اقتحم مجالاً لتستحق اللقب، أم أن الريادة تتطلب القصدية، والدّيمومة، والتأثير، والقيمة الفنية؟!، يطرح الكاتب التناقض القائم بين المنظور التاريخي (السبق الزمني) والمنظور الجمالي (جدارة الإبداع)، ويستعرض النزاع الرّياديّ في نماذج من الشعر( قصيدة النثر، الشعر الحر)، والرواية، والقصة ليمسي بحثه وثيقةً تأريخيةً للخلافات الريادية، كما يمكن للمستبصر أن يلمس فكرته الأعمق التي يلمّح إليها وهي أن الريادة ليست حدثاً لحظياً، بل بناءً تراكمياً يتشكل بفعل عوامل متعددة كمثل: الجودة، والاستمرار، والانتشار، والأهمّ قدرة صاحبها على فرض رؤيته في وعي الجماعة النقدية، وكما قال الباحث نفسُه في توصيف حمّى الأسبقيّة الزّمنية:
"فأحياناً من لا يملك يمنح من لا يستحق"
البحث العاشر: "من يدفع للزمار يختر اللحن، العقل المخابراتي في مواجهة الأدب":
يكشف هذا البحث عن واحدة من أكثر فصول التاريخ الثقافي إيلاماً؛ وهي توظيف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للأدب والثقافة كسلاحٍ في الحرب الباردة، تحت شعار "الحرية" و"الديمقراطية"، ولكن بهدف خفي هو مواجهة المد الشيوعي، مستنداً إلى كتاب الصحفية البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز (من يدفع للزمار؟)؛ الذي فضح شبكة معقدة من المنظمات الوهمية؛ التي مولتها المخابرات الأمريكية لنشر ثقافة معادية للشيوعية، ولقد عزّز الكتاب حجّته بالكثير من الأدلّة على التسييس، وهنا أكتفي بمثالٍ واحدٍ طاغٍ:
جورج أورويل وروايتا مزرعة الحيوانات و1984: اشترت المنظمة حقوق الطبع، وترجمتهما إلى لغات عدة، ووزعتهما مجاناً مع رسومٍ توحي بشخصية ستالين وكأنّها ـ"الأخ الأكبر"، ومن ثمّ استُثمرت الروايتان أيما استثمار لإدانة الشمولية.
وعلى الرّغم من أنّ الكتاب كان موجّهاً لدراسة دور المخابرات الأميريكيّة إلّا أنّنا لا نستطيع أن ننفي التّهمة عن المخابرات السّوفيتية آنذاك، ولا عن المخابرات الدّوليّة في وقتنا الحالي بعد أن تحول الأدب إلى سلاحٍ دعائيٍّ، وتحوّل مبدعون كثرٌ -عن علم أو عن جهل- إلى أدواتٍ في صراع الأيديولوجيات والقوى الكبرى.
البحث الحادي عشر: شللية الأدب وعداوة الكار:
يتصدّى هذا البحث لظاهرة التحزبات الأدبية و"عداوة الكار"؛ فيسوق نماذج مهمّة وعديدةً، شهيرةً ومغمورةً، وقد تكون أشهرها القطيعة بين ماريو فارغاس يوسا وغابرييل غارسيا ماركيز، والتي تأجّجت بلكمة يوسا الشهيرة لماركيز، أمّا أطرفها فهي كتاب "فتافيت شاعر" الذي ألّفه الكاتب اللبناني جهاد فاضل عن نزار قباني وكذلك رسالة الدكتوراه للباحث خريستو نجم التي حملت عنوان"النرجسية في أدب نزار قبّاني"، ولم ينس أن يعرّج على الحملة الشّعواء التي شنّت محليّاً ضدّ رواية قصر المطر لممدوح عزام.
وفي هذا السياق كنتُ أتمنى شخصيّاً أن أقرأ شيئاً عن العداء الصامت المستخفي بين تولستوي ودوستويفسكي اللذين لم يلتقيا طوال حياتهما على الرّغم من إنكارهما ذلك.
البحث الثاني عشر: "استشراف الموت لدى الشعراء، حدس الحواس أم هاجس الخوف؟!"
يتضمّن المبحث استعراضاً مثيراً لظاهرةٍ غريبةٍ، وهي استشراف الشعراء للموت في قصائدهم، متسائلاً إن كان الأمر حدساً شعوريّاً خارقاً أم محض هاجسٍ نفسيٍ يتحقق بالمصادفة!، أم أنها تأويلاتٌ لاحقةٌ يستشفّها النقاد من النصوص بعد وقوع الحدث!، وعلى الرّغم من كون هذا الارتباط بحاجةٍ إلى تعمّقٍ نظريٍّ، إلّا أنّه يمكن القول إن هذا الاستشراف قد لا يكون نبوءةً عجيبةً؛، لكنّه حكماً انشغالٌ وجوديٌّ يولد من حساسية الشاعر المفرطة تجاه الحياة والموت، وتحضرني هنا مقولة هايدغر:
"الإنسان كائن نحو الموت".
وبرأيي فإنّ الشّعراء برهافة إحساسهم يدركون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم؛ فيكتبون عنها قبل ميعاد حلولها، لكن الإدهاش الحقيقي ليس في التطابق بين النص والحدث؛ بل في قدرة الشعر على تحويل الموت إلى حالة جمالية، وكأن الشاعر يسبق أجله بإبداعه؛ فيخلّد نفسه قبل أن يَخلد إلى قبره.
البحث الثالث عشر: موقف الأديب بين الانحياز والتحيّز:
يبحث الكاتب هنا الانحياز إلى القضايا الأخلاقيّة العليا في لجّة التناحر الأزليّ بين منظومتي الخير والشّر، ويبيّن لنا كيف رفض أينشتاين مثلاً رئاسة إسرائيل، وانحاز ساراماغو إلى الضحيّة الفلسطينيّة، وكيف وظّفت اليهودية نادين غورديمر رواياتَها لمقاومة الظلم والطغيان والتمييز العنصريّ ضدّ السّود، وكيف وقف جون بول سارتر ضدّ أمريكا، وعلى الضّفة الأخرى يسرد لنا تبجيل خورخي بورخيس للديكتاتوريين وعن عشقه الفضّاح لإسرائيل، ثمّ يختار بعد ذلك (اغتيال الشاعر الإسباني لوركا) حدثاً، ليقارن بين موقف بيكاسو منفطر القلب؛ الذي يمتنع عن الرسم حزناً عليه لسنواتٍ، وموقف سلفادور دالي الموالي للدكتاتور والشامت بموت الشاعر، وينتهي البحث بإدانة المواقف المتخاذلةً المهادنة للظلم والديكتاتورية والعسكرتاريا... أيّاً كان صاحبها.
وهنا لابدّ من التمهّل والتّفكّر قليلاً، فهل يا ترى هنالك علاقة حتميّة بين الإبداع والأخلاق حقّاً؟!، والجواب بتقديري: للأسف... لا، وهذا ما أقرّه الكاتب؛ فلا الانحياز للحقّ زاد من عظمة بيكاسو ولا الانحياز للباطل قلّل من عظمة دالي، إذ علينا مواجهة الحقيقة الصّادمة وهي أن الأخلاقيّات لا تنطبق على الجماليّات، وأنّ العبقريّة الفنيّة لا تعني النّضج الأخلاقي، فالرواية واللوحة والقصيدة هي مخلوقات لغوية وبصرية قائمة بذاتها، ولئن عارض الباحث سابقاً فكرة رولان بارت في موت المؤلّف؛ فإنّي أحسب أنّ هذه المفارقة المخيبة ومثيلاتها كانت إحدى أهم المبرّرات العمليّة التي ساهمت في تقبّل وشهرة فكرة المنظّر الفرنسيّ الشهير.
البحث الرابع عشر:"الرومانسية والرومانسيون بين عقيدة المذهب ومآل الاعتقاد":
يتجلّى عماد عبيد الشاعر في هذه المقالة بشعريّته فكراً وصياغةً؛ ليشكل بحثه وثيقةً حيةً تؤكّد على أن الرومانسية ليست مذهباً جامداً، بل ثورةً مستمرّةً تتجدد مع احتياجات الإنسان الوجدانية؛ فرغم انتهاء عصر الرواد الكبار، تظل الأغاني والقصائد الرومانسية ملاذاً حقيقيّاً ممّا يثبت أن الرومانسية ليست مرحلة تاريخية بقدر ما هي حاجة إنسانية أبدية، تتخذ أشكالاً جديدة مع كلِّ جيلٍ.
يعود الكاتب بجذور الرومانسية إلى فلسفات تنويرية، ويُقر بفكرةٍ لمّاحةٍ وهي أن الرومانسية كحالة إنسانية أقدم من تنظيراتها كونَها جزء من الفطرة البشرية، ويسأل سؤال العارف:" هل الرومانسية التي نتداولها اليوم هي ذاتُها التي ابتدعها روّادها كآليّةِ تفكير؟!ٍ"، ثمّ يستعرض أبرز روّاد المذهب في أوروبا من غوته إلى ألمعهم دي موسيه قبل أن ينتقل إلى العرب حيث تأخر تأثير المذهب.
ويختم الكاتب دراسته الشّائقة بعبارة ملهمةٍ:
"إنّها الرّومانسيّة... الثورة المستدامة"
البحث الخامس عشر: "البَرناسيّة، قداسة الفنّ":
من فوز أحد البرناسيين على تولستوي بجائزة نوبل؛ يبدأ الكاتب تجديفه في هذا المذهب الذي نشأ في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر؛ ناشداً غائيّة المتعة وسموّ الجمال، ليصبح من أبرز التيارات الشعرية التي نادت بـفكرة "الفن للفن"، والتي لاقت انتقادات لاذعة لتحررها من الأفكار المجرّدة والمثُل الأخلاقية والدينية، سوى أنّه على خلاف الرومانسية أو الواقعية مثلاً؛ لم يتبلور في الشعر العربي كمدرسة مستقلة ذات بيانٍ وأتباعٍ، بل ظل حضورُه خجولاً ومتفرّقاً، كما في قَبَسَات من قصائد عمر أبوريشة و خليل شيبوب وإلياس أبوشبكة وسعيد عقل وغيرهم.
ويعود الباحث بالتسمية لجبل بارناس وسط اليونان المسكون _وفق الميثولوجيا القديمة_ بربّات الغناء الملهمات للشعراء والموسيقيين، ويُلاحظ أن حضور البرناسية بقي شبه محصورٍ في الشعر، ولم يتأصل في الأجناس السردية كالرواية والقصة، لأن تلك الأجناس تقوم بطبيعتها، على الفكرة والرسالة والغاية.
السادس عشر: "الدّادائيّة والسّوريالية من اختلاق الفوضى إلى الفوضى الخلّاقة"
يتناول الأديب ظروف نشوء حركتي الدادئية والسوريالية والعلاقة الخفيّة بين الاحتجاج السياسي والابتكار الفني، وينطلق من حقيقة أن أوروبا الخارجة من ويلات الحرب كانت أرضاً خصبة للتمرد على العقلانية التي بررت الدمار؛ فظهرت الدادئية كصرخةٍ فوضويةٍ ثم تصدّرت السريالية كثورة اللاشعور.
ويشير إلى أنّ الدادائية قد اتخذت اسمَها من كلمة فرنسية تعني "حصان الأطفال الخشبي"، إشارةً إلى اللعب والعبث، إذ يطغى على جوهرها اللامنطق والسخرية ونبذ الجمال التقليدي، حيث ابتكر الدادئيون أسلوب الكولاج الكتابيّ؛ قصائد من مبتورات صحفية وفنون بصرية عبثية، أمّا السّوريالية فقد تجاوزت الدادئية إلى مشروع بنّاء؛ إذ رأى السرياليون الجمال التقليدي بارداً، فاستبدلوه بالجمال المستفز والصادم؛ عبر الكتابة التي تطيح بقوانين اللغة والمنطق وتتحرّر من سيطرة الوعي، كما رفعوا المرأة إلى مرتبة القداسة، ودعوا إلى الحب المطلق، وإلى تقويض فكرة العائلة، والوطن، والدين، ويؤّكّد الكاتب على تأثّر الكثير من الظّواهر اللاحقة بهذه الأفكار كالغرائبيّة والكافكاوية ومسرح العبث، وذلك قبل أن يختتم بقصيدةٍ لإيلوار كنموذجٍ تطبيقيٍّ.
وإن كان بودّي التطرّق لتفاعل الجذور العربية مع الحركتين فإنّ البحث قد وفّق في شموليّته، وربطه بين السياق التاريخي لهما وتفاصيلهما الجمالية بعد أن كانتا شاهدتين على قدرة الفن على تحويل الكارثة إلى خلق، فعلى الرّغم من كلّ ما أثارتاه من جدلٍ فإرثهما في تحرير الخيال من عقال المنطق يظل أحد أبرز بصمات الحداثة، ويبقى السؤال الذي نطرحه بدورنا من وحي هذه المقالة:
"هل من الممكن أن تولد اليوم حركات مماثلة من رحم الحروب الدمويّة والرقمية والأزمات الوجودية المعاصرة؟!"
البحث السابع عشر: "قصيدة النثر العربية من التغريب إلى التعريب"
يغوص هذا المبحث في رحلة قصيدة النثر العربية منذ استيرادها من الغرب، مروراً بمرحلة التغريب والتقليد، وصولاً إلى الدعوة لـتعريب الشروط والقواعد التي تناسب السياق العربي، وينطلق من واقع أن قصيدة النثر قد وُلِدت في الغرب (بيرتران، بودلير، رامبو)، واستقرت شروطُها في كتاب سوزان برنار (1958) الذي ظل مرجعاً شبه وحيداً للعرب لأكثر من 75 عاماً؛ لكنه يتساءل ضمنيّاً عمّا إذا كانت تلك الشروط ما تزال صالحة لتقييم إنتاجٍ شعريٍّ عربيٍّ مختلفٍ في سياقاته ومرجعياته، كما ينقّب الكاتب في ظروف انتقال قصيدة النّثر إلى الأدب العربيّ، ويؤكّد اعتماد روّادها العرب على كتاب برنار كمرجعٍ مقدّس الشّروط؛ بيد أنّه يطعن في استمرار سريان هذه الشروط بعد مئة عامٍ، مما يجعلها جموداً تاريخياً لا يواكب تطور الذائقة والمناخات الثقافية المتغيرة.
يتّسم هذا البحث بجرأة الطرح في نقد التبعية، إذ يعدُّ دعوةً جهيرةً لقصيدة نثرٍ عربيةٍ تتشكل من داخلها لا من خارجها، ويكاد يكون في نظري منعطفاً نقدياً مهماً في مسار قصيدة النثر العربية، لأنه ينتقل من مرحلة الدفاع عن شرعية النوع إلى مرحلة نقد شروطه ومطالبتها بالتجدد؛ فالحداثة ليست زمناً فيزيائياً، بل رؤية متجددة في الاجتراحات النصية، والثابت الوحيد هو القيمة الجمالية المنبعثة من الخيال الجامح واللغة المتمردة.
ختاماً:
لم يكن هذا الكتاب مجرّد تأريخٍ لتحوّلات الأدب أو تفكيكٍ للمسلّمات؛ بل كان موقفاً وجوديّاً وجماليّاً، ومحاولةً جادّةً لفكّ طلاسمه، وسؤالاً كبيراً مفتوحاً على غابات الدّهشة والتّمرّد بأنصالها وأحمالها، شكراً لعماد عبيد الذي انتصر لهزّ اليقينيّات؛ بعيداً عن العبث الاستعراضيّ والرّواج التجاريّ الزّائف، واعتصر أعناب الأدب والفلسفة وقطّرها نبيذاً من فكرٍ وسحرٍ وتأمّلاتٍ صافيةٍ.

Messenger_creation_BAB61787-AC8A-44D8-B980-711875CC2D6C.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى