كان أبي يأتي في المنام.
أحيانًا أشعر أنه أراد أن يأتي إليّ، لا لأنني كنت أناديه، بل لأنه كان يعرف أنني أحتاج إليه.
يأتي مرة، فيجلس إلى جواري، فأشعر بيده وهي تربت على كتفي، كما كان يفعل قديمًا.
وتارة أخرى لا يقول شيئًا.
فقط يطبطب عليّ.
تلك الطبطبة التي كانت تكفيني يومًا عن ألف كلمة.
كنت أستيقظ من نومي وأنا أبحث عنه.
أمد يدي إلى المكان الذي كان يجلس فيه، فلا أجد إلا فراغًا باردًا.
وأظل للحظات لا أعرف:
هل كان أبي هنا حقًا؟
أم أن قلبي هو الذي استدعاه لأنه لم يحتمل الغياب؟
وفي إحدى تلك الليالي، رأيته أمامي، فشعرت أن لدي أشياء كثيرة أريد أن أخبره بها.
قلت له:
سأخبرك عن الطريق...
عن الوجه الغائب،
ومرساه العصيّ على ضفتي الأمينة.
سأخبرك عن تحالف الأغاني مع السهاد المديد، عن تلك الليالي التي لم يعد فيها النوم صديقًا لي، وعن بصمة خذلان استقرت على شفة الليل، وعن أرجوان وجهي الذي صقلته الأيام حتى لم أعد أعرف ملامحي القديمة.
سأخبرك...
عن خيزران الغياب،
وصهره الأمازونيّ المزاج،
وعن أطرافه النحيلة،
كيف تسلّق وجه البسملات
وشقائقه الترفة.
ثم سكتُّ قليلًا.
كنت أعرف أن أبي ربما لن يفهم كل ما أقول، لكنه كان يفهمني أنا.
وهذا كان يكفيني.
قلت له:
وسأخبر الورق...
عن ندرة الصرف التي لا تطيع اتقادي، وعن حرفية الراوي الذي عتّق الحكاية بأناشيد سلام كوفئت بالأمس، ثم تمثلت على هيئة شرّ اليوم.
سأخبره عن كل شيء.
عن الأشياء التي لم أستطع قولها لأحد.
عن الكلمات التي ظلت عالقة في حلقي.
عن الحب الذي أخفته امرأة خلف كبريائها.
وعن الفقد الذي لم تستطع الأيام أن تعالجه.
وعن أبي الذي غاب، لكنه ظل حاضرًا في كل خطوة أخطوها.
ثم نظرت إليه وقلت:
وسأخبر القضاة...
كيف اعتُقل صوتي، بعد مداهمة التنوين لآخر أسطر الشعور، بسجع الشعر العاصي في حضرة مولاه، وسربلة شقيقات الحرف.
وكيف...
عادت دونك
ناجياتٍ بأصابع حليمة،
تسطر الحكمة المراقة
بعد عثرتي الوحيدة.
كان أبي ينظر إليّ.
لم يسألني شيئًا.
ولم أحتج منه إلى إجابة.
فبعض الأحبة حين يرحلون، لا يعودون إلينا بالكلمات.
يعودون في المنام.
في لمسة.
في رائحة.
في صوت يشبه أصواتهم.
في جملة عابرة يقولها أحدهم فنشعر أن الميت هو الذي قالها.
وربما لهذا كنت أحب أحلامي بأبي رغم قسوتها.
ففي الحلم فقط...
كنت أستطيع أن أكون ابنته من جديد.
أضع رأسي على كتفه.
وأترك كل ما حملته سنوات طويلة يسقط عني.
وفي كل مرة كان يهم بالرحيل، كنت أريد أن أصرخ:
لا تذهب يا أبي...
انتظر.
لدي أشياء كثيرة لم أخبرك بها.
لكنني كنت أستيقظ قبل أن أكمل الجملة.
وأظل وحدي في الظلام.
أتحسس وجهي.
فأجد الدموع.
وأدرك أن أبي رحل مرة أخرى...
وأنني، حتى في الحلم، لم أستطع أن أحتفظ به.
أحيانًا أشعر أنه أراد أن يأتي إليّ، لا لأنني كنت أناديه، بل لأنه كان يعرف أنني أحتاج إليه.
يأتي مرة، فيجلس إلى جواري، فأشعر بيده وهي تربت على كتفي، كما كان يفعل قديمًا.
وتارة أخرى لا يقول شيئًا.
فقط يطبطب عليّ.
تلك الطبطبة التي كانت تكفيني يومًا عن ألف كلمة.
كنت أستيقظ من نومي وأنا أبحث عنه.
أمد يدي إلى المكان الذي كان يجلس فيه، فلا أجد إلا فراغًا باردًا.
وأظل للحظات لا أعرف:
هل كان أبي هنا حقًا؟
أم أن قلبي هو الذي استدعاه لأنه لم يحتمل الغياب؟
وفي إحدى تلك الليالي، رأيته أمامي، فشعرت أن لدي أشياء كثيرة أريد أن أخبره بها.
قلت له:
سأخبرك عن الطريق...
عن الوجه الغائب،
ومرساه العصيّ على ضفتي الأمينة.
سأخبرك عن تحالف الأغاني مع السهاد المديد، عن تلك الليالي التي لم يعد فيها النوم صديقًا لي، وعن بصمة خذلان استقرت على شفة الليل، وعن أرجوان وجهي الذي صقلته الأيام حتى لم أعد أعرف ملامحي القديمة.
سأخبرك...
عن خيزران الغياب،
وصهره الأمازونيّ المزاج،
وعن أطرافه النحيلة،
كيف تسلّق وجه البسملات
وشقائقه الترفة.
ثم سكتُّ قليلًا.
كنت أعرف أن أبي ربما لن يفهم كل ما أقول، لكنه كان يفهمني أنا.
وهذا كان يكفيني.
قلت له:
وسأخبر الورق...
عن ندرة الصرف التي لا تطيع اتقادي، وعن حرفية الراوي الذي عتّق الحكاية بأناشيد سلام كوفئت بالأمس، ثم تمثلت على هيئة شرّ اليوم.
سأخبره عن كل شيء.
عن الأشياء التي لم أستطع قولها لأحد.
عن الكلمات التي ظلت عالقة في حلقي.
عن الحب الذي أخفته امرأة خلف كبريائها.
وعن الفقد الذي لم تستطع الأيام أن تعالجه.
وعن أبي الذي غاب، لكنه ظل حاضرًا في كل خطوة أخطوها.
ثم نظرت إليه وقلت:
وسأخبر القضاة...
كيف اعتُقل صوتي، بعد مداهمة التنوين لآخر أسطر الشعور، بسجع الشعر العاصي في حضرة مولاه، وسربلة شقيقات الحرف.
وكيف...
عادت دونك
ناجياتٍ بأصابع حليمة،
تسطر الحكمة المراقة
بعد عثرتي الوحيدة.
كان أبي ينظر إليّ.
لم يسألني شيئًا.
ولم أحتج منه إلى إجابة.
فبعض الأحبة حين يرحلون، لا يعودون إلينا بالكلمات.
يعودون في المنام.
في لمسة.
في رائحة.
في صوت يشبه أصواتهم.
في جملة عابرة يقولها أحدهم فنشعر أن الميت هو الذي قالها.
وربما لهذا كنت أحب أحلامي بأبي رغم قسوتها.
ففي الحلم فقط...
كنت أستطيع أن أكون ابنته من جديد.
أضع رأسي على كتفه.
وأترك كل ما حملته سنوات طويلة يسقط عني.
وفي كل مرة كان يهم بالرحيل، كنت أريد أن أصرخ:
لا تذهب يا أبي...
انتظر.
لدي أشياء كثيرة لم أخبرك بها.
لكنني كنت أستيقظ قبل أن أكمل الجملة.
وأظل وحدي في الظلام.
أتحسس وجهي.
فأجد الدموع.
وأدرك أن أبي رحل مرة أخرى...
وأنني، حتى في الحلم، لم أستطع أن أحتفظ به.