شريف محيي الدين إبراهيم - شيطان الأسرار

حين ظهر الجني أمامه، لم يشعر بالرعب، فقط أربكته المفاجأة.
انطفأت أنوار الغرفة دفعة واحدة. لم ينقطع التيار؛ ظل ضوء الشارع يتسلل من النافذة، لكن شيئًا أسود كثيفًا ظهر في منتصف الغرفة، كأنه انتُزع من قلب الليل.

تراجع سمير حتى اصطدم ظهره بالحائط. ارتفع الشيء أمامه ببطء؛ رأس طويل، وعينان حمراوان، وجسد لا تستقر له ملامح.

قال الجني:
— شبيك لبيك... عبدك بين يديك.

سقط الكتاب من يد سمير، كان قد اشتراه بثمن بخس مع مجموعة كتب قديمة من بائع للروبابيكيا.
لم يكن يقرأه بجدية؛ كان يعبث ويسخر، وهو لا يدري أن الكلمات التي نطق بها هي تعاويذ وعزائم قديمة، تعود إلى عهد النبي سليمان.

نظر إلى الجني، ثم انفجر في ضحكة طويلة مهزوزة، أقرب إلى ضحكة رجل لا يصدق ما يحدث له.
قال الجني في ملل : اطلب ما تريد ؟
— أي طلب؟
— أي طلب.

قفز سمير واقفًا.

— أريد مالًا.

هز الجني رأسه.

— إلا المال.

توقفت ابتسامة سمير.

— إذن أريد ألا أمرض أبدًا.

— إلا الصحة.

— الشباب؟

— لا.

— أن أعيش طويلًا؟

— لا.

— أن أموت حين أريد؟

— لا.

صمت سمير لحظة، ثم قال:

— إذن ماذا تستطيع أن تفعل؟

ابتسم الجني.

— أستطيع أن أجعلك تعرف ما لا يعرفه إنسان.

اقترب حتى صار وجهه أمام وجه سمير.

— أسرار الناس.
***
في البداية لم يأخذ سمير الأمر بجدية.
لكن حين نظر إلى أمه، انفتح أمامه ما أخفته لسنوات؛ عرف من هو الابن الأقرب إلى قلبها، و تلك الأشياء التي تغفرها له ولا تغفرها لغيره.
عرف أخطاءها ونزواتها، رأى المرأة العادية خلف الصورة المثالية التي صنعها لها في قلبه.

ثم نظر إلى أبيه؛ الرجل الذي ظل يراه صلبًا لا ينكسر. فشاهد خوفًا قديمًا، وسر لم يعترف به لأحد، وامرأة تخلى عنها بعدما أخطأ معها في شبابه، وليلة بكى فيها وحده ومسح عينيه قبل أن يراه أحد.

شعر سمير بغصة، ولأول مرة أدرك أن معرفة السر ليست قوة دائمًا، بل أحيانًا تكون جرحًا.

عرف أسرار إخوته؛ غيرة هنا، ومحبة هناك، وحسدًا لا يعترف به صاحبه، وأشياء كثيرة ظلت مدفونة سنوات.
عرف من أخذ مالًا من محفظة أبيه صغيرًا، ومن كسر شيئًا وألقى التهمة على غيره.
بات يعرف كل شيء.

ثم اكتشف أن الأسرار يمكن أن تصنع مالًا.
سر رجل أعمال عن صفقة قادمة.
معلومة عن شريك يخون شريكه.
موظف يخفي اختلاسًا.
رجل يخشى فضيحة.
أضحى لكل سر ثمن.
أقنع نفسه بأنه لا يسرق أحدًا، هو لم يصنع الأسرار، ولم يجبر أصحابها عليها، كان فقط يأخذ ثمنًا لمعرفة منحت له.
سدد كل ديونه.
اشترى ما حُرم منه طويلًا.
لكن كلما امتلأت يده، فرغ شيء آخر في داخله.

نظر إلى زوجته، فعلم ما لم تقله له؛و ما أزعجها منه، وما أحبته فيه ثم افتقدته، عرف أن ثمة رجلًا أعجبت به يومًا، وكلمات قالتها في لحظات غضب ولم تكن تجرؤ على قولها في وجهه.

ظل يحدق فيها طويلًا في غضب وكأن نيران تحرق صدره.
سألته:
— ما بك؟
قال في صعوبة :
— لا شيء.
لكنه كان يعرف كل شيء.
***
وفي عمله صار يرى الناس من الداخل...
الموظف الذي يمدحه و هو يكرهه، من يخشاه، ومن يتظاهر بالولاء وهو يبحث عن مصلحته.
من يحسد، ومن يحقد، ومن يتمنى له الموت، من يبتسم له، وهو في الحقيقة لا يطيق رؤيته.

وعرف أن أقرب أصدقائه يخفي عنه أشياء كثيرة ، وأن آخر لا يحبه، وأن ثالثًا يتحدث عنه بعد أن يغادر.
لكن ما لم يتوقعه أن عم كرم ذلك العجوز كان هو أكثرهم صدقا واخلاصا له ،على الرغم من أنه كان يعتبره رفيق مقهى.
مجرد شخص ساذج؛ يُخدع ويخسر كثيرا ، ويمنح دائما ثقته لمن لا يستحقها.
***

صار كلما جلس إلى أحد ، بحث عقله تلقائيًا عن سره، حتى بات يخاف أن يعرف، بل يكره أن يعرف،
فهو لم يعد يرى أحدًا كما كان يراه من قبل.
كل إنسان صار كتابًا مفتوحًا أمامه، وكل صفحة فيه تؤلمه.
وطفق كل من حوله يخشونه،،بعد أن
شعروا أنه يعرف عنهم أكثر مما ينبغي، فتحفظوا في حضوره، وكذبوا، وأخفوا، وحذروا، وابتعدوا.
الصديق نافقه، والجار الذي كان يضحك معه صار يتجنبه.

***

استدعى سمير الجني، وحين ظهر له قال في ألم :
لا أريد تلك الهبة.
ظل الجني صامتا.
خذ كل مالي، وارجع لي حياتي كما كانت قبل ظهورك.
ابتسم الجني همس في هدوء : لا يمكن.
— لماذا؟
— لأن ما عرفته صار جزءًا منك.

***
في المساء ذهب سمير إلى المقهى.
كان صديقه العجوز عم كرم جالسًا يضحك ويتحدث مع صبي القهوة كعادته.
أثارت سكينته،و ضحكته الساذجة حفيظته،
جلس إلى جواره، صاح به:
— إنهم يضحكون عليك حين تنصرف.
— أعرف.
— ويقولون إنك ساذج، أحمق، وإنك تصدق كل شيء.
— أعرف.
وأشار إلى صبي القهوة.
— وهذا الصبي يخدعك في الحساب، ويعطيك بنًّا مغشوشًا.
ابتسم العجوز :
— أعرف.
نظر إليه سمير بدهشة.
— وتتركه يفعل ذلك؟
هز عم كرم كتفيه.
— كبر دماغك...
أتعلم يا سمير أنني، قضيت عمري كله أتعلم كيف أتظاهر بأنني لا أعرف.
جعل سمير ينظر إليه متعجبا، ثم قال :
— هناك أشياء أخرى لو عرفتها...
قاطعه :
— لا تقلها.
— لماذا؟
للمرة الأولى اختفت ابتسامة عم كرم ، همس :
لأنني أعرفها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى