لم يظهر كافكا لي لأنني كنت في براج.
ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي.
طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت أعتقد أن مهمتي هي أن أفهم ما حدث.
لكنني اكتشفت، بعد سنوات طويلة، أنني لم أكن أبحث عن الماضي.
كنت أبحث عن الإنسان الذي اختفى داخله.
ربما لهذا ظهر كافكا.
كان هو الآخر يعمل في الحفر.
لكنه لم يكن يحفر في الأرض.
كان يحفر في الإنسان.
أنا كنت أرفع طبقة من الرمال عن تمثال، فيظهر وجه.
وكان يرفع طبقة من الخوف عن إنسان، فيظهر وجه آخر.
أنا كنت أقرأ نصًا قديمًا لأعرف كيف عاش المصري.
وهو كان يكتب جملة واحدة ليجعل الإنسان يسأل: لماذا أشعر أنني غريب عن العالم الذي أعيش فيه؟
أنا أعمل في المتاحف.
وهو يعيش داخل متحف غير مرئي اسمه الإنسان.
لهذا لم أندهش عندما رأيته.
الذي أدهشني أنني فهمت فورًا لماذا كان ينتظرني.
في تلك الليلة في براج، بعد أن انتهت جولتي، كنت وحدي.
كنت قد قضيت ساعات أرى المدينة كما يرى عالم آثار موقعًا مفتوحًا: طبقة فوق طبقة، وعصر فوق عصر، وكنيسة بجوار قصر، وحجر روماني تحت مبنى حديث، ووجوه تمشي فوق تاريخ لا تعرفه.
كانت براج بالنسبة لي مدينة لا تحتاج إلى متحف.
كانت هي المتحف.
لكنني شعرت بشيء غريب.
كنت أرى كل شيء، ولا أرى نفسي.
وهذه كانت اللحظة التي ظهر فيها.
كان كافكا واقفًا عند آخر الشارع.
لم يأتِ من اتجاه المتحف.
ولم يخرج من زقاق.
كان هناك ببساطة.
كأنه كان جزءًا من المدينة منذ البداية.
قال:
«أنت تعرف كيف تنظر إلى الأشياء.»
قلت:
«أنا عالم آثار.»
قال:
«وهذه هي مشكلتك.»
ضحكت.
لم يضحك.
«أنتم تنظرون إلى الأشياء لكي تصلوا إلى الإنسان.»
توقف لحظة.
«لكن ماذا تفعل عندما يصبح الإنسان نفسه هو الشيء الذي تبحث عنه؟»
لم أجب.
كانت تلك هي المرة الأولى التي شعرت فيها أنني لا أملك إجابة مهنية.
ولا علمية.
ولا تاريخية.
كان السؤال شخصيًا.
قال:
«كم سنة قضيت وأنت تفسر الموتى؟»
قلت:
«سنوات طويلة.»
«وكم سنة قضيت وأنت تحاول أن تفهم نفسك؟»
لم أجب.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«إذن أنت تعرف لماذا جئت.»
قلت:
«أنا جئت لإلقاء محاضرة.»
قال:
«هذا ما تقوله لنفسك.»
ثم بدأ يمشي.
تبعته.
دخلنا شارعًا ضيقًا.
لم أسأله إلى أين.
كنت أعرف أن بعض الأسئلة إذا طُرحت مبكرًا تفسد الحكاية.
وصلنا إلى باب قديم.
فتح الباب.
في الداخل كانت هناك غرفة فارغة.
وفي منتصفها طاولة.
وفوق الطاولة خريطة.
اقتربت.
كانت خريطة حياتي.
القاهرة.
جامعة القاهرة.
جونز هوبكنز.
الجيزة.
المتحف المصري الكبير.
الإسكندرية.
ثم براج.
لكن شيئًا كان ناقصًا.
لم تكن هناك خطوط تصل بين المدن.
كانت هناك مسافات بيضاء.
قلت:
«لماذا لم تصل بينها؟»
قال:
«لأنك لم تفهمها بعد.»
«ماذا؟»
«أن الأماكن لم تكن هي التي غيرتك.»
نظر إليّ طويلًا.
«الأشخاص الذين تركتهم في كل مكان هم الذين غيروك.»
ثم وضع يده على الخريطة.
«أنت كنت تظن أنك تنتقل من مدينة إلى مدينة.»
وتوقف.
«لكن الحقيقة أنك كنت تنتقل من رجل إلى رجل.»
شعرت بقشعريرة.
لم أفهم.
قال:
«الرجل الذي بدأ في القاهرة ليس الرجل الذي غادر إلى جونز هوبكنز.»
ثم أشار إلى النقطة التالية.
«والرجل الذي عاد من أمريكا ليس الرجل الذي دخل مشروع المتحف المصري الكبير.»
ثم أشار إلى الإسكندرية.
«والرجل الذي دخل الإسكندرية ليس الرجل الذي يقف أمامي الآن.»
سألته:
«ومن أنا الآن؟»
للمرة الأولى لم يجب فورًا.
اقترب مني.
وضع إصبعه على صدري.
وقال:
«هذا ما جئتَ إلى براج لتعرفه.»
عندها فهمت لماذا ظهر كافكا.
لم يظهر لي كي يحدثني عن نفسه.
ظهر كي يمنعني من الاستمرار في الحديث عن الماضي بالطريقة نفسها التي كنت أفعلها دائمًا.
كان يريد مني أن أفهم أن عالم الآثار الذي في داخلي لم يمت.
بل تغيّر موضوع حفائره.
لم أعد أحفر في الأرض.
صرت أحفر في الذاكرة.
لم أعد أبحث فقط عن مَن عاشوا منذ آلاف السنين.
صرت أبحث عن الإنسان الذي يعيش الآن، ويخاف، ويحب، ويخسر، ويواصل السير رغم أنه لا يعرف إلى أين.
عندها فقط أدركت أن كافكا لم يكن ضيفًا في قصتي.
كان حارسًا على باب التحول.
وكان ظهوره ضروريًا لأنني كنت أقف أمام باب لم أكن أجرؤ على فتحه وحدي.
باب الكتابة.
لكن خلف ذلك الباب لم يكن ينتظرني الكاتب.
كان ينتظرني الإنسان.
الإنسان الذي ظل عالم الآثار في داخلي يبحث عنه طوال حياته.
وعندما التفتُّ إلى كافكا لأشكره، لم أجده.
لم يكن هناك سوى معطفه الأسود معلّقًا على الكرسي.
وفي جيبه ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوبًا عليها:
«لا تبحث عني.
لقد كنت تبحث عني منذ أن بدأت البحث عنهم.»
عندها فهمت.
لم يكن كافكا هو الذي ظهر لي في براج.
كنت أنا الذي وصلت أخيرًا إلى المكان الذي كان كافكا ينتظرني فيه منذ البداية.
ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي.
طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت أعتقد أن مهمتي هي أن أفهم ما حدث.
لكنني اكتشفت، بعد سنوات طويلة، أنني لم أكن أبحث عن الماضي.
كنت أبحث عن الإنسان الذي اختفى داخله.
ربما لهذا ظهر كافكا.
كان هو الآخر يعمل في الحفر.
لكنه لم يكن يحفر في الأرض.
كان يحفر في الإنسان.
أنا كنت أرفع طبقة من الرمال عن تمثال، فيظهر وجه.
وكان يرفع طبقة من الخوف عن إنسان، فيظهر وجه آخر.
أنا كنت أقرأ نصًا قديمًا لأعرف كيف عاش المصري.
وهو كان يكتب جملة واحدة ليجعل الإنسان يسأل: لماذا أشعر أنني غريب عن العالم الذي أعيش فيه؟
أنا أعمل في المتاحف.
وهو يعيش داخل متحف غير مرئي اسمه الإنسان.
لهذا لم أندهش عندما رأيته.
الذي أدهشني أنني فهمت فورًا لماذا كان ينتظرني.
في تلك الليلة في براج، بعد أن انتهت جولتي، كنت وحدي.
كنت قد قضيت ساعات أرى المدينة كما يرى عالم آثار موقعًا مفتوحًا: طبقة فوق طبقة، وعصر فوق عصر، وكنيسة بجوار قصر، وحجر روماني تحت مبنى حديث، ووجوه تمشي فوق تاريخ لا تعرفه.
كانت براج بالنسبة لي مدينة لا تحتاج إلى متحف.
كانت هي المتحف.
لكنني شعرت بشيء غريب.
كنت أرى كل شيء، ولا أرى نفسي.
وهذه كانت اللحظة التي ظهر فيها.
كان كافكا واقفًا عند آخر الشارع.
لم يأتِ من اتجاه المتحف.
ولم يخرج من زقاق.
كان هناك ببساطة.
كأنه كان جزءًا من المدينة منذ البداية.
قال:
«أنت تعرف كيف تنظر إلى الأشياء.»
قلت:
«أنا عالم آثار.»
قال:
«وهذه هي مشكلتك.»
ضحكت.
لم يضحك.
«أنتم تنظرون إلى الأشياء لكي تصلوا إلى الإنسان.»
توقف لحظة.
«لكن ماذا تفعل عندما يصبح الإنسان نفسه هو الشيء الذي تبحث عنه؟»
لم أجب.
كانت تلك هي المرة الأولى التي شعرت فيها أنني لا أملك إجابة مهنية.
ولا علمية.
ولا تاريخية.
كان السؤال شخصيًا.
قال:
«كم سنة قضيت وأنت تفسر الموتى؟»
قلت:
«سنوات طويلة.»
«وكم سنة قضيت وأنت تحاول أن تفهم نفسك؟»
لم أجب.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«إذن أنت تعرف لماذا جئت.»
قلت:
«أنا جئت لإلقاء محاضرة.»
قال:
«هذا ما تقوله لنفسك.»
ثم بدأ يمشي.
تبعته.
دخلنا شارعًا ضيقًا.
لم أسأله إلى أين.
كنت أعرف أن بعض الأسئلة إذا طُرحت مبكرًا تفسد الحكاية.
وصلنا إلى باب قديم.
فتح الباب.
في الداخل كانت هناك غرفة فارغة.
وفي منتصفها طاولة.
وفوق الطاولة خريطة.
اقتربت.
كانت خريطة حياتي.
القاهرة.
جامعة القاهرة.
جونز هوبكنز.
الجيزة.
المتحف المصري الكبير.
الإسكندرية.
ثم براج.
لكن شيئًا كان ناقصًا.
لم تكن هناك خطوط تصل بين المدن.
كانت هناك مسافات بيضاء.
قلت:
«لماذا لم تصل بينها؟»
قال:
«لأنك لم تفهمها بعد.»
«ماذا؟»
«أن الأماكن لم تكن هي التي غيرتك.»
نظر إليّ طويلًا.
«الأشخاص الذين تركتهم في كل مكان هم الذين غيروك.»
ثم وضع يده على الخريطة.
«أنت كنت تظن أنك تنتقل من مدينة إلى مدينة.»
وتوقف.
«لكن الحقيقة أنك كنت تنتقل من رجل إلى رجل.»
شعرت بقشعريرة.
لم أفهم.
قال:
«الرجل الذي بدأ في القاهرة ليس الرجل الذي غادر إلى جونز هوبكنز.»
ثم أشار إلى النقطة التالية.
«والرجل الذي عاد من أمريكا ليس الرجل الذي دخل مشروع المتحف المصري الكبير.»
ثم أشار إلى الإسكندرية.
«والرجل الذي دخل الإسكندرية ليس الرجل الذي يقف أمامي الآن.»
سألته:
«ومن أنا الآن؟»
للمرة الأولى لم يجب فورًا.
اقترب مني.
وضع إصبعه على صدري.
وقال:
«هذا ما جئتَ إلى براج لتعرفه.»
عندها فهمت لماذا ظهر كافكا.
لم يظهر لي كي يحدثني عن نفسه.
ظهر كي يمنعني من الاستمرار في الحديث عن الماضي بالطريقة نفسها التي كنت أفعلها دائمًا.
كان يريد مني أن أفهم أن عالم الآثار الذي في داخلي لم يمت.
بل تغيّر موضوع حفائره.
لم أعد أحفر في الأرض.
صرت أحفر في الذاكرة.
لم أعد أبحث فقط عن مَن عاشوا منذ آلاف السنين.
صرت أبحث عن الإنسان الذي يعيش الآن، ويخاف، ويحب، ويخسر، ويواصل السير رغم أنه لا يعرف إلى أين.
عندها فقط أدركت أن كافكا لم يكن ضيفًا في قصتي.
كان حارسًا على باب التحول.
وكان ظهوره ضروريًا لأنني كنت أقف أمام باب لم أكن أجرؤ على فتحه وحدي.
باب الكتابة.
لكن خلف ذلك الباب لم يكن ينتظرني الكاتب.
كان ينتظرني الإنسان.
الإنسان الذي ظل عالم الآثار في داخلي يبحث عنه طوال حياته.
وعندما التفتُّ إلى كافكا لأشكره، لم أجده.
لم يكن هناك سوى معطفه الأسود معلّقًا على الكرسي.
وفي جيبه ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوبًا عليها:
«لا تبحث عني.
لقد كنت تبحث عني منذ أن بدأت البحث عنهم.»
عندها فهمت.
لم يكن كافكا هو الذي ظهر لي في براج.
كنت أنا الذي وصلت أخيرًا إلى المكان الذي كان كافكا ينتظرني فيه منذ البداية.