د. عاطف سلامة - أمر إخلاء

كان يزن يرسم بيتهم للمرة الثالثة؛ عمارةً من خمسة طوابق، نوافذها زرقاء، وشرفة أمّه مليئة بأصص الريحان. رسم أباه واقفًا عند الباب، وأمّه في الشرفة، ثم رسم نفسه أمام البيت بسيارة حمراء صغيرة في يده.
رفعت أمّه رأسها من المطبخ وسألته: ليش بترسم البيت كل مرة يا يزن؟
ـ عشان لما أكبر وأصير مهندس، أبني زيه، بس أكبر.
ضحكت، وعادت إلى قدر العدس.
في تلك اللحظة، رنّ هاتف أبيه.
كان أبو العبد يصلح مقبض النافذة حين سمع صوت جاره المذعور: أبو العبد، اسمعني منيح! اتصلوا فيّ وطلبوا أبلّغكم إن العمارة مستهدفة. لازم تخلوا فورًا!
ظلّ الهاتف ملتصقًا بأذنه، كأن الصوت لم ينتهِ بعد.
نادته زوجته: مين كان؟
التفت إليها وقال: بدهم يقصفوا العمارة.
سقطت الملعقة من يدها.
ـ شو يعني يقصفوها؟ طيب وين نروح؟
لم يجب. نظر حوله إلى الأثاث والجدران والصور، كأن أحدًا طلب منه أن يختار، في دقيقة واحدة، ما يستحق أن يبقى من سبع عشرة سنة.
ثم صرخ: يزن! لينا! يلا، بدنا نطلع!
انقلبت العمارة إلى خلية نحل مذعورة.
أبو ناصر يبحث عن جوازات السفر، وزوجته تصرخ طالبةً أدوية الضغط. أم سامر فرشت مصلّاها قرب الباب، ووقفت تصلي بينما ابنتها تشدّها من ذراعها: ماما، خلص! بدنا نمشي!
ـ دقيقة يا بنتي... دقيقة.
على الدرج، تعثّر رجل بطفل يحمل حقيبة أكبر منه، واصطدمت امرأة بجارتها، فيما ظلّ أحد السكان يركض صعودًا إلى شقته بعدما نزل منها، لأنه تذكّر أنه نسي أوراق أولاده.
صرخ أحدهم: يا جماعة، اطلعوا! ما في وقت!
ردّ آخر: نطلع على وين؟!
لم يجد أحد جوابًا.
أخذ أبو العبد جوازات السفر وبعض الأوراق، بينما حملت أم العبد حقيبة صغيرة وحشرت فيها الأدوية وثياب الأطفال. أما يزن، فقد بقي يفتش عن دفتر الرسم.
ـ يزن، خلص! اترك الدفتر!
ـ بس رسمة البيت يا بابا!
ـ بنرسم غيرها!
ضمّ الصبي دفتره إلى صدره، ثم ركض خلف أبيه.
في الخارج، تدفقت العائلات إلى الشارع، تحمل ما استطاعت التقاطه، وتترك وراءها ما عجزت عن حمله. تفرّقت النساء والأطفال إلى حارة مجاورة، حيث استضافتهم أم خالد في بيتها المتصدع، الذي أصابت غارة سابقة جزءًا من جدرانه.
قالت أم خالد وهي تفسح لهن المكان: ادخلوا، يا جماعة. البيت بيتكم.
نظرت أم العبد إلى السقف المتشقق: يا أم خالد، بيتك أصلًا مش آمن.
ابتسمت المرأة بمرارة: وين البيت الآمن يا أختي؟
أما أبو العبد، فبقي مع يزن في الشارع، على بُعد نحو مئتي متر من العمارة.
تجمّع رجال الحارة، وانضم إليهم آخرون من الأحياء المجاورة. حضر صحفي يحمل كاميرته، وراح شبان يثبتون هواتفهم استعدادًا لتصوير القصف.
كان أبو العبد يتصل بمعارفه، يسأل عن موعد الضربة، بينما أخذ يزن يحرك سيارته الحمراء فوق الرصيف.
ـ بابا؟
ـ نعم.
ـ إذا وقع البيت، وين بدنا ننام؟
نظر إليه أبوه، ثم إلى العمارة.
ـ بنلاقي مكان يا حبيبي.
ـ طيب، ورسمتي؟
ـ شو فيها؟
ـ رسمت البيت قبل ما أعرف إنهم بدهم يقصفوه.
فتح يزن دفتره، وأراه الرسم. كان قد أضاف إلى الشرفة أصيص ريحان آخر، ورسم عند النافذة قطة صغيرة لم تكن تملكها العائلة.
ابتسم أبو العبد رغمًا عنه.
ـ حلوة كثير.
ـ لما نرجع، بكملها.
طوى الصبي الدفتر ووضعه في حقيبته.
مرّت عشر دقائق، ثم نصف ساعة، ثم ساعة. لم يحدث شيء.
بدأ القلق يتحول إلى ملل، والملل إلى حركة بلا هدف. راح الرجال يمشون ذهابًا وإيابًا، والأطفال يركضون بين السيارات، بينما تعالت أصواتهم: اقعد يا ولد!
ـ اهجع شوي!
ـ إنت مش شايف حالك؟!
ثم انفتح الحديث على الحرب وأسبابها والمسؤولين عنها.
قال رجل خمسيني: لو ما دخلوا في سبعة أكتوبر، ما كان وصلنا لهيك حالة.
ردّ شاب غاضب: والاحتلال برئ يعني ! قبل سبعة أكتوبر، كان تاركنا نعيش؟!
ـ أنا بحكي عن النتيجة، يا ابني! شوف الناس وين صارت!
ـ يعني الحق على اللي استشهدوا؟!
ارتفعت الأصوات، ودفع أحدهما الآخر بكتفه. تدخل الرجال، وكاد النقاش يتحول إلى عراك بالأيدي.
صرخ أبو العبد: يا جماعة، إحنا بنستنى قصف العمارة! مش ناقصنا نتقاتل مع بعض!
لكن أحدهم ردّ: وإحنا من متى بنعرف نحكي من غير ما نتخانق؟!
انسحب بعض الرجال إلى الجهة الأخرى، فيما واصل شاب تصوير المشادة.
كان سامر الصحفي يراقب المشهد، ثم وجّه كاميرته نحو العمارة. لم يكن يريد أن يفوّت اللحظة، لكنه كان يتمنى، في سرّه، ألا تأتي تلك اللحظة أبدًا.
رنّت الهواتف فجأة.
رسالة جديدة تأمر السكان الابتعاد أكثر عن المنطقة.
صرخ أحدهم: بدهم يضربوها! ابعدوا!
تدافع الناس نحو الشوارع المتفرعة. سقطت حقيبة، وتبعثرت منها ملابس الأطفال. ركضت امرأة لتجمعها، فصاح زوجها: اتركيها! بدنا ننجو!
وفي الفوضى، أفلت يزن من يد أبيه.
التفت أبو العبد فلم يجده.
ـ يزن!
لم يجبه أحد.
ركض بين الرجال والسيارات، يصيح باسمه، حتى سمع صوتًا خلفه: بابا!
التفت. كان يزن واقفًا قرب الرصيف، يحمل دفتره وسيارته الحمراء.
أمسكه أبوه من كتفيه، وهزّه غاضبًا ومذعورًا: وين كنت؟! بدك تجنني؟!
قال الصبي وهو يلهث: وقعت مني السيارة.
ثم أضاف، كأنه يعتذر عن أمر أكبر: ما بدي أخسرها كمان.
احتضنه أبوه بقوة، وأغمض عينيه لحظة.
وفي اللحظة نفسها، صرخ سامر: ابعدوا عن الشارع! ابعدوا!
جاء الانفجار، بووووم، كأن الأرض انشقت تحت أقدامهم.
ارتجّ الهواء، وتطاير الزجاج، وانقلبت السماء إلى غبار. ارتفعت العمارة لحظةً وسط الدخان، ثم انهارت طوابقها فوق بعضها، وسقطت الشرفات والنوافذ في كتلة واحدة من الإسمنت والحديد.
اختفى البيت وتحطمت البيوت مجاورة في لحظات وسط غمامة كبيرة من الغبار، اختفى الريحان، والستائر، وصورة الزفاف، ومقبض النافذة الذي كان أبو العبد يصلحه.
لم يبقَ سوى الركام.
نهض الناس من الأرض مذعورين. كانت الصرخات تتعالى، والدماء تختلط بالغبار، فيما هرع الرجال إلى الأنقاض. نسي المتخاصمون خلافهم، وانحنى الجميع يرفعون الحجارة بأيديهم.
ـ في مصاب هان!
ـ جيبوا النقالة!
ـ في حدا تحت الركام!
كان أبو العبد يرفع الحجارة بيدين تنزفان، وينادي: يزن! يا يزن!
أما أم العبد، فقد خرجت من البيت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى