في طريقه إلى العمل، تزاحمت أمثال جدّته في رأسه كما يتدافع الركّاب على باب الحافلة. وحين صعدت تلك المرأة، مدّ السائق يده قائلاً:
ـ تذكرة يا مدام؟
رأى في ملامحها حدّة، وفي كتفيها اتساع، وفي مشيتها صلابة رجلٍ يعرف طريقه.
مدّت إليه الأجرة، فالتقطها بأطراف أصابعه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تفضّلي الباقي يا جميلة الجميلات.
انتفضت كمن لسعته نحلة:
ـ آه لو سمعك زوجي! رجل ميري، ربّته الأيام على الضبط والربط، يغار عليّ من الهواء، ولا يقبل أن يغازلني أحد ولو بحرف. ولو سمع كلمتك هذه لجعلك تندم بقية عمرك!
تجمّد السائق في مقعده. رفع عينيه إلى المرآة، ثم أدار رأسه ببطء، وحدّق في الفراغ خلفها، لعلّ امرأة أخرى تقف هناك فتكون هي المقصودة.
لم تكن هناك امرأة أخرى.
تلعثم بكلمات الاعتذار، ثم صمت حتى اقترب من موضع نزولها. همّت بالنزول، ثم توقفت عند الباب، ونظرت إلى اللوحة الملصقة خلف مقعده، ودوّنت رقم السيارة، والتقطت صورة للسائق.
زاد قلقه؛ فقد خطر له أن في المدينة رجلاً ميرياً، ربّته الأيام على الضبط والربط، سيسمع هذا المساء عن «جميلة الجميلات».
هزّ رأسه وهمس لنفسه بصوت جدّته: «نعمل خير ينقلب علينا شر».
أحمد عبدالله إسماعيل
أكتوبر ٢٠٢٦
ـ تذكرة يا مدام؟
رأى في ملامحها حدّة، وفي كتفيها اتساع، وفي مشيتها صلابة رجلٍ يعرف طريقه.
مدّت إليه الأجرة، فالتقطها بأطراف أصابعه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تفضّلي الباقي يا جميلة الجميلات.
انتفضت كمن لسعته نحلة:
ـ آه لو سمعك زوجي! رجل ميري، ربّته الأيام على الضبط والربط، يغار عليّ من الهواء، ولا يقبل أن يغازلني أحد ولو بحرف. ولو سمع كلمتك هذه لجعلك تندم بقية عمرك!
تجمّد السائق في مقعده. رفع عينيه إلى المرآة، ثم أدار رأسه ببطء، وحدّق في الفراغ خلفها، لعلّ امرأة أخرى تقف هناك فتكون هي المقصودة.
لم تكن هناك امرأة أخرى.
تلعثم بكلمات الاعتذار، ثم صمت حتى اقترب من موضع نزولها. همّت بالنزول، ثم توقفت عند الباب، ونظرت إلى اللوحة الملصقة خلف مقعده، ودوّنت رقم السيارة، والتقطت صورة للسائق.
زاد قلقه؛ فقد خطر له أن في المدينة رجلاً ميرياً، ربّته الأيام على الضبط والربط، سيسمع هذا المساء عن «جميلة الجميلات».
هزّ رأسه وهمس لنفسه بصوت جدّته: «نعمل خير ينقلب علينا شر».
أحمد عبدالله إسماعيل
أكتوبر ٢٠٢٦