ألقي جسدي الخائر على مقعدٍ رخاميّ، اكتسى بالتّراب، ألصق خدّي بجذع الشّجرة العتيق الملاصق للمقعد من جهة اليمين، تنزلق نظراتي المشوّشة إلى العشب المُصفرّ.. ألمحها بعينيَّ الكليلتين، حين سقطتْ سقطتُ معها، أو هكذا شعرتُ، لم تكن سوى ورقةٍ يابسةٍ هشَّةٍ، لفظتها شجرتها كساقطةٍ تتخلَّص من فضيحةٍ، تحرّكها الرّيح في اتجاهي، بُنّيّةٌ انزوت الحياة داخلها بلا أيّ اخضرارٍ يشي بنضارةٍ كانت، يخيّم عليها وجهٌ شاحبٌ، تحتلُّ عيناه الجاحظتان ثلاثة أرباع السّطح المتغضّن، يثبّت نظراته علىَّ، أقرأ في عينيه رسالةً، يقشعرّ لها بدني، تهبُّ دفقة ريحٍ محمّلة بالغبار، تطير الورقة، تلتصق بساقي؛ يملأ الرّعب قلبي، ويملأ الغبار أنفي، أنتفض، وأسعل بشدّة، أبصر الورقة وقد نفث الوجه في أوصلها دخانًا أسود، تلاشى بعدها واختفى، في حين تحوّلت الورقة إلى حيّة قبيحة المنظر تثير الاشمئزاز، سرعان ما غرست نابيها في القماش، الذي اخترقاه في لمح البصر، ووصلا إلى لحمي، وراحا يضغطان بقوّة؛ ورحت أنا أصرخ من شدّة الألم، في حين صدرت عن يديّ حركاتٍ لا إرادية، أبعدت الحيَّة عن ساقي؛ فسقطت أرضًا، وما إن لامستها حتّى عادت إلى سيرتها الأولى ورقةً ووجهًا ممسوخًا، شرع يلتهمني بعينيه القاسيتين.. موضع العضّة يؤلمني، أحاول النُّهوض، ولكنَّ ساقي تخذلني، والسمّ يسري في عروقي المتيّبسة، أتحسّس اللّفافات المشدودة على جسدي بإحكامٍ؛ يخامرني الشَّكُّ، يبدو أن كلَّ ما مرَّ بي، ما هو إلا أضغاث أحلام.. أغلبني نومٌ طويلٌ، أم أصابتني لوثةٌ، اختلط على إثرها الوهم بالحقيقة؟ منذ متى وأنا قابع في تلك الحديقة المهجورة؟! أمشّطها حينًا، وأتناول من خرائبها ثمرًا متحجّرًا تكسّرت أسناني من كثرة مضغه، وكلَّما أرغمت نفسي على بلعه لسدّ جوعٍ لا يزول، امتلأ حلقي بالمرارة.. ثمّة غرابٌ أخرجني نعيقه من شرودي، يحطُّ الآن على أحد أغصان الشّجرة العارية، يفرد جناحيه، فيبدوان من الضخامة بمكانٍ، يسدّان الأفق؛ فيخفت الضّوء الّذي صار ينير الحديقة بالكاد.. أرهف السّمع، يتنامى إليه موسيقى شجيّة تأتي من بعيدٍ، لا أتبين على وجه اليقين أهي موسيقى طازجةٌ يعزفها أحدهم للتّوّ، أم مجرد لحنٍ مُخزّنٍ على آلة تسجيلٍ تشبه ذكرى قديمةٍ تحيي بهجةً عابرةً في قلبٍ مثقلٍ بالأحزان؟ الموسيقى تتلاشى، ويحلّ محلّها دبيب أقدامٍ، تتحرّك بالجوار وهمهمات رجالٍ ونساء وخرير ماءٍ، يتساقط على وجهي كزخات مطرٍ باغتت يومي الصّائف؛ أتلفت حوليّ؛ لعلّي أرى أحدهم، لكنني أنتفض من جديدٍ، وأكتشف أنّ العتمة قد أطبقت على المكان من كلّ جانبٍ، وحجبت عن ناظريَّ الحديقة والشّجرة والورقة والغراب، حتّى المقعد تحتي، لم أعد أراه، فأتحَّسسه بأصابعي الواهنة التي تغوص في التّشققات التي أصابت الرّخام الصّلد، وقبل أن أستوعب حقيقة الأمر يتفتّت المقعد تمامًا، وينهار من تحتي كبيتٍ من رملٍ، أهوي لانهياره إلى أرضٍ رخوةٍ، وأغوص لأسفل، وأحاول التَّشبُّث بالجذع، الذي تتلمّسه يدي في الظّلمة الحالكة؛ فلا تصل إليه، لكنَّها تعود بشيءٍ يابسٍ، يتكسّر في قبضتي، خشنٌ كورقة شجر محطّمة.. تضيق أنفاسي، يصيبني دوارٌ حادٌّ، أفقد الإحساس بجسدي شيئًا فشيئًا؛ فعلى ما يبدو أن السمّ تمكّن من دمي، ونفذ إلى خلاياي.. أقنع نفسي بوجاهة الاستنتاج؛ أتمدّد على التّراب النّاعم الرّطب متخشّبًا بلا حراكٍ، يلتهمني صمتٌ مطبقٌ، يقطعه أنين جذعٍ عتيقٍ نخره السّوس، تمامًا مثل ساعاتٍ بلا عقارب نخرت عظامي البالية.