فتحت ليلى عينيها فجأة...
شعرت كأنها انتُزعت من قاع بئر سحيق، وصعدت بها يد خفية من عتمة لا قرار لها إلى ضوء جارح.
شهقت، وتعلقت أنفاسها بصدرها، بينما راحت عيناها تتلمسان المكان في خوف ودهشة.
لم تعرف أين هي، ولا كيف وصلت إلى هذا السقف الأبيض الذي يحدق بها في صمت.
حاولت أن تتحرك، لكن جسدها بدا بعيدًا عنها، كأنه لم يعد يعرفها.
أحست بأسلاك تمتد من صدرها وذراعها، وأنبوبًا يمر عند أنفها، بينما طفقت أجهزة حولها تطلق صفيرًا متقطعًا، وتومض أضواؤها الصغيرة في صمت الغرفة. كانت رائحة المطهر النفاذة تملأ المكان، وصوت جهاز مراقبة القلب يقطع السكون بإيقاع منتظم.
جعلت تحدق حولها، تبحث عن وجه تعرفه، عن صوت يطمئنها، ثم همست:
ـ أين أنا؟
اقتربت منها ممرضة المستشفى، وانحنت فوقها مبتسمة:
ـ حمدًا لله على السلامة.
استدعت الطبيب على عجل، وهي تصيح:
ـ ليلى فاقت... المريضة التي كانت في غيبوبة قاربت الشهر استعادت وعيها.
همست ليلى:
ـ ماذا حدث؟
قالت الممرضة:
ـ صدمتك سيارة أثناء عبورك الطريق.
حدقت فيها بدهشة، ثم سألت:
ـ أين زوجي؟
تبادل الطبيب والممرضة نظرة سريعة.
قال الطبيب:
ـ زوجك؟
ـ نعم... ممدوح. أين ممدوح؟
نظر الطبيب إلى ملفها الموضوع على الطاولة، ثم عاد بعينيه إليها.
ـ أنسة ليلى... أنتِ أنسة، غير متزوجة.
حدقت فيه كأنها لم تسمع جيدًا.
ـ ماذا تقول؟
ـ هذا ما هو مدوّن في ملفك.
قالت بإصرار:
ـ أنا متزوجة من ممدوح.
ظل الطبيب صامتًا لحظة، ثم سأل:
ـ هل تتذكرين أين كنتِ قبل أن تأتي إلى المستشفى؟
ـ في بيتي.
ـ ومن كان معك؟
ـ ممدوح... زوجي.
قال الطبيب:
ـ لا تجهدي نفسك الآن. تدريجيًا ستنتظم ذاكرتك.
قالت الممرضة:
ـ والداكِ في الخارج.
تجمد وجه ليلى.
ـ لا... لا يمكن.
ثم ارتفع صوتها:
ـ أبي مات!
نظر الطبيب إليها مذهولًا.
انفتح الباب.
كان أبوها يقف أمامها.
الوجه نفسه، والعينان نفسهما.
اقترب منها ببطء ومد يده إليها. حدقت فيها لحظة، ثم لمستها. كانت دافئة، فسحبت يدها بسرعة.
ـ أنت ميت!
قال الأب وهو يبكي:
ـ أنا حي يا ليلى... لم أمت.
ظهرت أمها عند الباب.
وحين التقت عيناها بعينيها، انهارت تمامًا. دفنت وجهها في صدرها وراحت تبكي.
***
هدأت ليلى قليلًا، لكنها لم تتوقف عن السؤال عن زوجها وابنيها.
قالت للممرضة:
ـ اتصلي به.
وأملت عليها رقم هاتفه من ذاكرتها.
ـ قولي لممدوح إنني استيقظت.
ترددت الممرضة ونظرت إلى الطبيب.
همس الطبيب:
ـ لن نخسر شيئًا إذا حاولنا.
مرت برهة قصيرة، ثم عادت الممرضة. كان وجهها يحمل دهشة واضحة.
ـ الرقم الذي اتصلتِ به صاحبه فعلًا اسمه ممدوح.
نظر إليها الطبيب:
ـ هل أنتِ متأكدة؟
ـ نعم. وهو في الطريق الآن إلى المستشفى.
قال الأب:
ـ لكن ابنتي لم تتزوج أصلًا!
سألت الأم الطبيب:
ـ ألا يمكن أن يكون هذا مجرد أثر للغيبوبة؟
قال:
ـ قد تختلط على المريض الذاكرة والزمن، لكن ما يحدث مع ليلى أكثر تعقيدًا.
ـ كيف؟
ـ هي لا تتحدث عن حلم. تتحدث كما لو أنها عاشت تلك السنوات فعلًا.
قالت الأم:
ـ لكنها تعرف رقم هاتف رجل لا تعرفه، وتعرف أشياء عنه وعن طفليه.
***
حين أخبرت الممرضة ممدوح أن مريضة تدعى ليلى تطلب رؤيته وتقول إنه زوجها، لم يستوعب ما سمعه.
ـ ماذا قلتِ؟
أعادت الممرضة كلامها:
ـ ليلى تقول إنك زوجها وتريد رؤيتك.
توقف ممدوح عن الكلام.
ليلى...
زوجته التي لم تبرد نار فراقها في قلبه.
ليلى ماتت منذ شهر، في هذا المستشفى نفسه.
تذكّر أيامها الأخيرة، ومرضها، ولحظة موتها، ثم خروج جثمانها ودفنها.
قال بسرعة:
ـ هل أنتِ متأكدة من اسمها؟
ـ ليلى.
ـ هل تعرفين أن زوجتي ماتت؟
ـ أنا أنقل لك ما قالته المريضة.
ـ ليلى ماتت عندكم.
صمتت الممرضة لحظة، ثم قالت:
ـ أنا أعرف فقط أن لدينا مريضة أعطتنا رقمك وقالت إنك زوجها.
شعر ممدوح ببرودة تسري في جسده.
ثم قال:
ـ أنا قادم.
***
دخل ممدوح الغرفة وإلى جواره طفلان.
رفع عينيه نحو ليلى
لم يكن التشابه عابرًا.
كانت أمامه ملامح زوجته نفسها: العينان، والفم، وشكل الوجه.
لكنها بدت أصغر من زوجته التي دفنها.
ما إن رأته حتى أشرقت ملامحها، ومدت ذراعيها نحو الطفلين:
ـ تامر... عمر.
توقف الطفلان ونظر كل منهما إلى الآخر، ثم إلى أبيهما.
تقدم أحدهما خطوة:
ـ ماما؟
شهقت ليلى:
ـ نعم... تعال يا عمر.
اندفع نحوها، لكنه توقف قبل أن يصل إليها.
ظل الطفلان قريبين من أبيهما.
بدأت ابتسامتها تنطفئ.
ـ لماذا يخافان مني؟
ظل ممدوح صامتًا.
ـ قربهما مني.
لم يتحرك.
رفعت عينيها إليه:
ـ ممدوح... ماذا بك؟
كان يبحث عن زوجته في وجهها.
قال بصوت مرتجف:
ـ من أنتِ؟
حدقت فيه غير مصدقة:
ـ أنا ليلى، زوجتك.
ـ زوجتي ماتت منذ شهر.
توقفت أنفاسها.
ـ ماذا تقول؟
ـ أنا دفنتها.
ارتجفت.
قال أبوها:
ـ ليلى... أنتِ لم تتزوجي أصلًا.
هزت رأسها بعنف.
قال ممدوح:
ـ أنا لا أعرفك.
نظرت إليه طويلًا.
ـ كيف تنكر معرفتك بي؟
خفض عينيه.
قالت ليلى في انفعال، وهي تتطلع إلى الطفلين:
ـ أنتما ابناي. أعرفكما أكثر مما أعرف نفسي. أعرف ضحكاتكما، وخوفكما.
نظرت ليلى إليهما طويلًا، وارتجفت شفتاها
ـ عمر... تامر...
فتحت ذراعيها.
ـ تعالوا يا حبايبي.
ظل الطفلان في مكانهما.
مدّت ذراعيها أكثر.
نظر عمر إلى أبيه ، ثم تشبث بيده، أما تامر فتراجع خطوة إلى الخلف.
تجمدت ليلى.
نظرت إلى أمها، ثم إليهما.
ـ كيف لا تعرفاني؟!
هزّ تامر رأسه.
صاحت :
ـ أنا أمكما... أنا ليلى.
ظل الطفلان صامتين.
راحت تنظر إليهما، ثم وضعت يديها على وجهها، وانفجرت في البكاء.
أسرعت أمها إليها، وأحاطتها بذراعيها.
ـ اهدئي يا ليلى.
دفنت ليلى وجهها في صدر أمها، وتشبثت بها كطفلة.
ـ إنهما يرفضان احتضاني يا أمي.
ضمّتها أمها بقوة، ومسحت على شعرها.
ـ دعيهما يا ليلى... إنهما لا يفهمان بعد.
ـ لكنني أفهمهما...
ـ أعرف يا ابنتي... أعرف.
ظلت أمها تهدهدها في صمت، بينما كان عمر وتامر يراقبانها من بعيد، عاجزين عن فهم ما يحدث.
نظر ممدوح إلى الطبيب، ثم قال بعصبية:
ـ لقد دفنت زوجتي بنفسي منذ شهر... بالتأكيد أنتم من أعطيتموها هذه المعلومات... سأبلغ الشرطة
قال الطبيب:
ـ وهل ما ذكرته المريضة لك من تفاصيل موجود في سجلات المستشفى؟
ـ إذن قل لي... كيف عرفت هي كل هذه الأشياء؟
قال الطبيب:
ـ ليلى فاقت اليوم من غيبوبة استمرت شهرًا.
قال ممدوح:
ـ وزوجتي ماتت منذ شهر.
في نفس اليوم الذي دخلت هي فيه إلى المستشفى
***
دخل مدير المستشفى الغرفة
وقف قليلًا يتابع حديث الطبيب مع ليلى، ثم سألها:
ـ كم سنة عشتِ مع السيد : ممدوح؟
أجابته دون تردد:
ـ ثماني سنوات.
فتح مدير المستشفى ملفًا ، ثم قال:
ـ غريب.
التفت إليه الطبيب:
ـ ماذا؟
أخرج ورقة من الملف، وقال:
ـ هناك شيء لافت.
غير الاسم المشترك، والتشابه الكبير بينهما
اقترب ممدوح منه.
قال مدير المستشفى:
ـ تاريخ ميلاد المريضة هو نفس تاريخ ميلاد زوجتك نفس اليوم... نفس الشهر، ولكنها أصغر من زوجتك بثماني سنوات ، وهي نفس الفترة التي شعرت المريضة أنها عاشتها في الغيبوبة التي استمرت في الحقيقة لمدة شهر واحد،.... علما بأن بداية هذا الشهر أي اليوم الذي دخلت فيه المريضة في غيبوبة كان هو نفس اليوم الذي توفت فيه زوجتك.
ساد الصمت.
رفع ممدوح عينيه إليه.
ـ ماذا يعني هذا؟
ـ هذا تطابق يصعب تجاهله.
ظل مدير المستشفى صامتًا لبرهة،ثم أغلق الملف، وقال لليلى بعد أن لاحظ توترها الشديد :
ـ حاولي أن تهدئي.
ـ لا أريد أن أهدأ... أريد أن أفهم.
أغمضت عينيها.
وللحظة، عادت إليها صور البيت الآخر: المطبخ، النافذة، سرير الطفلين، صوت ممدوح، ضحكة أحدهما، وبكاء الآخر.
وضعت يدها على رأسها.
ـ مستحيل أن يكون كل هذا وهمًا.
مدير المستشفى :
ـ ما تشعرين به هو حقيقي.
للحظة هدأت ليلى، نظر جميع الحاضرين إليه في دهشة، بيد أن مدير المستشفى أردف:
ولكنه حقيقي بالنسبة إليك أنت وحدك.
ـ إذن أنا عشت أكثر من عمري الحقيقي.
ـ في إحساسك بالزمن، نعم
ـ وهل هناك فرق؟
ظل السؤال معلقًا في الغرفة، ثم خطر لليلى سؤال آخر:
ـ إذا كان عقلي قادرًا على أن يمنحني زوجًا وطفلين وبيتًا وثماني سنوات كاملة... فما الذي يضمن لي أن هذه الغرفة حقيقية؟ وأنكم حقيقيون؟ بل وأنني أنا نفسها التي كانت قبل الغيبوبة؟
ـ عقل الإنسان مذهل... رهيب ،ما زالت هناك أشياء كثيرة في الدماغ البشري لا نفهمها،وما نعرفه هو شيء يسير جدا.
نظرت ليلى إليه،ثم همست في حيرة :
ـ هل أنا فعلًا أنا؟
وإذا كان عقلي قد منحني حياة أخرى كاملة ... فمن يضمن لي أن هذه الحياة نفسها ليست مجرد غيبوبة أخرى؟
أغمضت ليلى عينيها، وللمرة الأولى، لم تكن تعرف:هل كانت تغفو...أم تستيقظ؟
شعرت كأنها انتُزعت من قاع بئر سحيق، وصعدت بها يد خفية من عتمة لا قرار لها إلى ضوء جارح.
شهقت، وتعلقت أنفاسها بصدرها، بينما راحت عيناها تتلمسان المكان في خوف ودهشة.
لم تعرف أين هي، ولا كيف وصلت إلى هذا السقف الأبيض الذي يحدق بها في صمت.
حاولت أن تتحرك، لكن جسدها بدا بعيدًا عنها، كأنه لم يعد يعرفها.
أحست بأسلاك تمتد من صدرها وذراعها، وأنبوبًا يمر عند أنفها، بينما طفقت أجهزة حولها تطلق صفيرًا متقطعًا، وتومض أضواؤها الصغيرة في صمت الغرفة. كانت رائحة المطهر النفاذة تملأ المكان، وصوت جهاز مراقبة القلب يقطع السكون بإيقاع منتظم.
جعلت تحدق حولها، تبحث عن وجه تعرفه، عن صوت يطمئنها، ثم همست:
ـ أين أنا؟
اقتربت منها ممرضة المستشفى، وانحنت فوقها مبتسمة:
ـ حمدًا لله على السلامة.
استدعت الطبيب على عجل، وهي تصيح:
ـ ليلى فاقت... المريضة التي كانت في غيبوبة قاربت الشهر استعادت وعيها.
همست ليلى:
ـ ماذا حدث؟
قالت الممرضة:
ـ صدمتك سيارة أثناء عبورك الطريق.
حدقت فيها بدهشة، ثم سألت:
ـ أين زوجي؟
تبادل الطبيب والممرضة نظرة سريعة.
قال الطبيب:
ـ زوجك؟
ـ نعم... ممدوح. أين ممدوح؟
نظر الطبيب إلى ملفها الموضوع على الطاولة، ثم عاد بعينيه إليها.
ـ أنسة ليلى... أنتِ أنسة، غير متزوجة.
حدقت فيه كأنها لم تسمع جيدًا.
ـ ماذا تقول؟
ـ هذا ما هو مدوّن في ملفك.
قالت بإصرار:
ـ أنا متزوجة من ممدوح.
ظل الطبيب صامتًا لحظة، ثم سأل:
ـ هل تتذكرين أين كنتِ قبل أن تأتي إلى المستشفى؟
ـ في بيتي.
ـ ومن كان معك؟
ـ ممدوح... زوجي.
قال الطبيب:
ـ لا تجهدي نفسك الآن. تدريجيًا ستنتظم ذاكرتك.
قالت الممرضة:
ـ والداكِ في الخارج.
تجمد وجه ليلى.
ـ لا... لا يمكن.
ثم ارتفع صوتها:
ـ أبي مات!
نظر الطبيب إليها مذهولًا.
انفتح الباب.
كان أبوها يقف أمامها.
الوجه نفسه، والعينان نفسهما.
اقترب منها ببطء ومد يده إليها. حدقت فيها لحظة، ثم لمستها. كانت دافئة، فسحبت يدها بسرعة.
ـ أنت ميت!
قال الأب وهو يبكي:
ـ أنا حي يا ليلى... لم أمت.
ظهرت أمها عند الباب.
وحين التقت عيناها بعينيها، انهارت تمامًا. دفنت وجهها في صدرها وراحت تبكي.
***
هدأت ليلى قليلًا، لكنها لم تتوقف عن السؤال عن زوجها وابنيها.
قالت للممرضة:
ـ اتصلي به.
وأملت عليها رقم هاتفه من ذاكرتها.
ـ قولي لممدوح إنني استيقظت.
ترددت الممرضة ونظرت إلى الطبيب.
همس الطبيب:
ـ لن نخسر شيئًا إذا حاولنا.
مرت برهة قصيرة، ثم عادت الممرضة. كان وجهها يحمل دهشة واضحة.
ـ الرقم الذي اتصلتِ به صاحبه فعلًا اسمه ممدوح.
نظر إليها الطبيب:
ـ هل أنتِ متأكدة؟
ـ نعم. وهو في الطريق الآن إلى المستشفى.
قال الأب:
ـ لكن ابنتي لم تتزوج أصلًا!
سألت الأم الطبيب:
ـ ألا يمكن أن يكون هذا مجرد أثر للغيبوبة؟
قال:
ـ قد تختلط على المريض الذاكرة والزمن، لكن ما يحدث مع ليلى أكثر تعقيدًا.
ـ كيف؟
ـ هي لا تتحدث عن حلم. تتحدث كما لو أنها عاشت تلك السنوات فعلًا.
قالت الأم:
ـ لكنها تعرف رقم هاتف رجل لا تعرفه، وتعرف أشياء عنه وعن طفليه.
***
حين أخبرت الممرضة ممدوح أن مريضة تدعى ليلى تطلب رؤيته وتقول إنه زوجها، لم يستوعب ما سمعه.
ـ ماذا قلتِ؟
أعادت الممرضة كلامها:
ـ ليلى تقول إنك زوجها وتريد رؤيتك.
توقف ممدوح عن الكلام.
ليلى...
زوجته التي لم تبرد نار فراقها في قلبه.
ليلى ماتت منذ شهر، في هذا المستشفى نفسه.
تذكّر أيامها الأخيرة، ومرضها، ولحظة موتها، ثم خروج جثمانها ودفنها.
قال بسرعة:
ـ هل أنتِ متأكدة من اسمها؟
ـ ليلى.
ـ هل تعرفين أن زوجتي ماتت؟
ـ أنا أنقل لك ما قالته المريضة.
ـ ليلى ماتت عندكم.
صمتت الممرضة لحظة، ثم قالت:
ـ أنا أعرف فقط أن لدينا مريضة أعطتنا رقمك وقالت إنك زوجها.
شعر ممدوح ببرودة تسري في جسده.
ثم قال:
ـ أنا قادم.
***
دخل ممدوح الغرفة وإلى جواره طفلان.
رفع عينيه نحو ليلى
لم يكن التشابه عابرًا.
كانت أمامه ملامح زوجته نفسها: العينان، والفم، وشكل الوجه.
لكنها بدت أصغر من زوجته التي دفنها.
ما إن رأته حتى أشرقت ملامحها، ومدت ذراعيها نحو الطفلين:
ـ تامر... عمر.
توقف الطفلان ونظر كل منهما إلى الآخر، ثم إلى أبيهما.
تقدم أحدهما خطوة:
ـ ماما؟
شهقت ليلى:
ـ نعم... تعال يا عمر.
اندفع نحوها، لكنه توقف قبل أن يصل إليها.
ظل الطفلان قريبين من أبيهما.
بدأت ابتسامتها تنطفئ.
ـ لماذا يخافان مني؟
ظل ممدوح صامتًا.
ـ قربهما مني.
لم يتحرك.
رفعت عينيها إليه:
ـ ممدوح... ماذا بك؟
كان يبحث عن زوجته في وجهها.
قال بصوت مرتجف:
ـ من أنتِ؟
حدقت فيه غير مصدقة:
ـ أنا ليلى، زوجتك.
ـ زوجتي ماتت منذ شهر.
توقفت أنفاسها.
ـ ماذا تقول؟
ـ أنا دفنتها.
ارتجفت.
قال أبوها:
ـ ليلى... أنتِ لم تتزوجي أصلًا.
هزت رأسها بعنف.
قال ممدوح:
ـ أنا لا أعرفك.
نظرت إليه طويلًا.
ـ كيف تنكر معرفتك بي؟
خفض عينيه.
قالت ليلى في انفعال، وهي تتطلع إلى الطفلين:
ـ أنتما ابناي. أعرفكما أكثر مما أعرف نفسي. أعرف ضحكاتكما، وخوفكما.
نظرت ليلى إليهما طويلًا، وارتجفت شفتاها
ـ عمر... تامر...
فتحت ذراعيها.
ـ تعالوا يا حبايبي.
ظل الطفلان في مكانهما.
مدّت ذراعيها أكثر.
نظر عمر إلى أبيه ، ثم تشبث بيده، أما تامر فتراجع خطوة إلى الخلف.
تجمدت ليلى.
نظرت إلى أمها، ثم إليهما.
ـ كيف لا تعرفاني؟!
هزّ تامر رأسه.
صاحت :
ـ أنا أمكما... أنا ليلى.
ظل الطفلان صامتين.
راحت تنظر إليهما، ثم وضعت يديها على وجهها، وانفجرت في البكاء.
أسرعت أمها إليها، وأحاطتها بذراعيها.
ـ اهدئي يا ليلى.
دفنت ليلى وجهها في صدر أمها، وتشبثت بها كطفلة.
ـ إنهما يرفضان احتضاني يا أمي.
ضمّتها أمها بقوة، ومسحت على شعرها.
ـ دعيهما يا ليلى... إنهما لا يفهمان بعد.
ـ لكنني أفهمهما...
ـ أعرف يا ابنتي... أعرف.
ظلت أمها تهدهدها في صمت، بينما كان عمر وتامر يراقبانها من بعيد، عاجزين عن فهم ما يحدث.
نظر ممدوح إلى الطبيب، ثم قال بعصبية:
ـ لقد دفنت زوجتي بنفسي منذ شهر... بالتأكيد أنتم من أعطيتموها هذه المعلومات... سأبلغ الشرطة
قال الطبيب:
ـ وهل ما ذكرته المريضة لك من تفاصيل موجود في سجلات المستشفى؟
ـ إذن قل لي... كيف عرفت هي كل هذه الأشياء؟
قال الطبيب:
ـ ليلى فاقت اليوم من غيبوبة استمرت شهرًا.
قال ممدوح:
ـ وزوجتي ماتت منذ شهر.
في نفس اليوم الذي دخلت هي فيه إلى المستشفى
***
دخل مدير المستشفى الغرفة
وقف قليلًا يتابع حديث الطبيب مع ليلى، ثم سألها:
ـ كم سنة عشتِ مع السيد : ممدوح؟
أجابته دون تردد:
ـ ثماني سنوات.
فتح مدير المستشفى ملفًا ، ثم قال:
ـ غريب.
التفت إليه الطبيب:
ـ ماذا؟
أخرج ورقة من الملف، وقال:
ـ هناك شيء لافت.
غير الاسم المشترك، والتشابه الكبير بينهما
اقترب ممدوح منه.
قال مدير المستشفى:
ـ تاريخ ميلاد المريضة هو نفس تاريخ ميلاد زوجتك نفس اليوم... نفس الشهر، ولكنها أصغر من زوجتك بثماني سنوات ، وهي نفس الفترة التي شعرت المريضة أنها عاشتها في الغيبوبة التي استمرت في الحقيقة لمدة شهر واحد،.... علما بأن بداية هذا الشهر أي اليوم الذي دخلت فيه المريضة في غيبوبة كان هو نفس اليوم الذي توفت فيه زوجتك.
ساد الصمت.
رفع ممدوح عينيه إليه.
ـ ماذا يعني هذا؟
ـ هذا تطابق يصعب تجاهله.
ظل مدير المستشفى صامتًا لبرهة،ثم أغلق الملف، وقال لليلى بعد أن لاحظ توترها الشديد :
ـ حاولي أن تهدئي.
ـ لا أريد أن أهدأ... أريد أن أفهم.
أغمضت عينيها.
وللحظة، عادت إليها صور البيت الآخر: المطبخ، النافذة، سرير الطفلين، صوت ممدوح، ضحكة أحدهما، وبكاء الآخر.
وضعت يدها على رأسها.
ـ مستحيل أن يكون كل هذا وهمًا.
مدير المستشفى :
ـ ما تشعرين به هو حقيقي.
للحظة هدأت ليلى، نظر جميع الحاضرين إليه في دهشة، بيد أن مدير المستشفى أردف:
ولكنه حقيقي بالنسبة إليك أنت وحدك.
ـ إذن أنا عشت أكثر من عمري الحقيقي.
ـ في إحساسك بالزمن، نعم
ـ وهل هناك فرق؟
ظل السؤال معلقًا في الغرفة، ثم خطر لليلى سؤال آخر:
ـ إذا كان عقلي قادرًا على أن يمنحني زوجًا وطفلين وبيتًا وثماني سنوات كاملة... فما الذي يضمن لي أن هذه الغرفة حقيقية؟ وأنكم حقيقيون؟ بل وأنني أنا نفسها التي كانت قبل الغيبوبة؟
ـ عقل الإنسان مذهل... رهيب ،ما زالت هناك أشياء كثيرة في الدماغ البشري لا نفهمها،وما نعرفه هو شيء يسير جدا.
نظرت ليلى إليه،ثم همست في حيرة :
ـ هل أنا فعلًا أنا؟
وإذا كان عقلي قد منحني حياة أخرى كاملة ... فمن يضمن لي أن هذه الحياة نفسها ليست مجرد غيبوبة أخرى؟
أغمضت ليلى عينيها، وللمرة الأولى، لم تكن تعرف:هل كانت تغفو...أم تستيقظ؟