صعدتُ إلى قمّة جبل
ووجدتُني أمام كوخ صغير مُتداع
ذاك كان مسكنَ البرد
وهو يأوي إليه متى يشاء
منذ ما لا عدّ له من القرون
في مرّة قادمة
سأرسمُ لوحة وأعلّقها على بابه
البردُ على عِلّاته يستحقّ منّي
هديّة صغيرة
وها أنا الآن في هذا العلوّ
غير متوجّس من شيء
رغم أنّ أسرابَ عصافير
بدأتْ تُبرق
وجِلدَ هذه...
حديثُ العهد أنا بهذه المدينة
وعلى شاطِئِها، أرى جرّاحين
يُخْرِجون من جُمْجمةِ غريقٍ جِيءَ بِه من عُمْق اليَمّ
طحالبَ وقواقع
وبِمُجرَّد ما يُعيدونَها إلى البحر
يَقِفُ ذلك الغريق وبيديه يُصلح وضع جُمجمته
ويُحَيِّي الحُضُورَ بإشارة من جبينه.
بَعْدَها يأتي مُمَرِّضُونَ بغريقٍ جديد ويُمَدِّدُونه
في...
الغابة في بَلْطة
ثمّة مَن مات للتّو لكنّي حَيّ ومع ذلك لمْ تعدْ لي روح لم يعدْ لي سوى جسد شفّاف بداخله ترتمي حمائم شفّافة على خَنجر شفّاف تُمسك به يدُ شفّافة. أُعاين الجهد في منتهى جماله، الجهد الواقعيّ الذي لا إمكان لتقييمه بالأرقام، قبل ظهور النّجمة الأخيرة. الجسم الذي أسكنه مثلما كوخ وبمقابل...
لم أكن قد بدأتُ أراكِ كنتِ أُوبْ
لم يكن شيءٌ قد كُشِف
كانت كلّ القوارب تترجّح على السّاحل
فاكّةً الأشرطة الحرير (تعرفين) عن عُلب حبّات المُلَبّس
الورديّة والبيضاء التي يتنزّه فيما بينها
مكّوك من فضّة
وأنا أسميتُكِ أُوبْ مرتعشاً
بعدها بسنوات عَشر
أعثر عليك من جديد في الزهرة المداريّة
التي تتفتّح...
تُزْعِجُني قَصَّةُ شَعْرك يا نجمة
إنّ لها رائحةَ نعجة مُبلَّلة
لا أحبُّكَ يا قمرَ هذه الليلة
فأنت لا تتفوّه إلا
بكلماتٍ نابية
ومِنْ حُسْنِ الحظِّ أن الذين يحشِمُون بِشِدّة
هُمْ إِمَّا صُمّ أو يَغُطّون في نَوْمِهِمْ
أمّا أنتِ يا مُقَشَّرةَ الدِّهان
يا ذاتَ الجدرانِ المُصابة بِالهذيان الرُّعاشيّ...
كان ثمّة خفْقُ أجنحة يتناهى
إليّ من حديقة تتمدّد فيها فتاة
على مصطبة
الفتاة كانت رفيقةً لي في قسم ما
بالابتدائيّ
وفي تلك الأيّام البعيدة، كانت قد أُصِيبتْ
بالنّحول بسبب أوراق ميّتة
سقطت من شجرة
على ركبتيها
ثُمّ التقيتُها بعد ذلك بزمن
في محطّة قِطار
وكانتْ تدخّن كثيرا
قالت يومَها إنّها في طور...
أنا الآن في قرية جدّي
أقتعد كرسيّاً صغيراً تحت حائط الجامع القديم
الذي يتدلّى حواليه صبّار كثير
وثمّة كلاب تقضي قيلولتها في ظلّ كومة تبن
فيما تتحادث جماعة المقامرين تحت شجرة
خلف الجامع
بأصوات خافتة ومتوتّرة
عن عبد السّلام بائع الكيف
وكيف اعتقله الدّرك في الصّباح
وكيف كانت الومضات تنثالُ من شَيب...
غيوم داكنة تسري في الأعالي متجهمة
كأنما هي بدورها متعبة وضجرة
هذا ما قلته لنفسي وأنا أسير في هذا الاتجاه
ثم في ذاك
إني حائر، وهذا يجعلني أضحك وأعزف على
هارمونيكا خيالية
حقا كانت هنالك سهرة على شاطئ المدينة الهادئ
لكن ذاك كان البارحة
وحقا كان هنالك تمثال
ينحت فلاحين وأبقارا في قرة
لكنها قرية تنأى...
كان يَمْضي عبر شارع العظام
تحت مطرٍ من ابْتسامات الأشباح
يُخفي جيّداً صرختَه السّرّية
لا يحبّ الحياة كثيراً
لكنّه لا يكرهها
لقد وُلِد ذات يوم اشتدّ فيه الحرُّ
على المجانين
وهو يعيش الآن قرب بركةٍ
يسمعها، أحيانا،ً تحكي القصص
لجراداتٍ من حَوْلِها
له ذاكرة حيّة: رأى مرّة سيجارةً في
فم عابر بقربه...
(...)
كانت السيّارات التي تمرّ قريباً منها تبدو لها، حين تُحاذيها، كأنّها تسير بسرعة مفرطة جِدّاً. لذا فقد ابتعدَت أكثر من جهة الشارع واقتربت من صَفّ البيوت الممتدّ إلى يسارها. عرفتْ في قرارة نفسها أنّ سرعة السّيّارات في الشّارع لم تكن شديدة فِعلاً، لكنْ لِمَ كان شعورها عكسَ الواقع؟ قالت في...
قصائد:
1- أين أنت ؟
أين أنتَ يا صوتيَ البعيد
أنت الذي تتكلّم كما روحي
مطمور تحت ضوء النهار والضّوضاء
تحت الذّهب والفصول
تحت تشكّيات الشارع
وتململ المدن
في قبر هواجسي
وضحكي الأشقر
بأيّ عُرْيٍ يجب أن أَلُفَّ جسدي
ليجيء الصّوت
الذي يتكلّم مثلما روحي؟
2- الآبار
وضعتُ حبّة البَخور تحت...
من آثار إدمان القراءة في الطّفولة الشّحنُ القويّ للخيال وشَحذه،
بحيثُ يُصبِح وارداً عند الطفل القارئ بشغف أن يخرج ناسٌ من الكتب
ليتجسّدوا في الواقع، وأن يدخل آخرون من الواقع ليلتحقوا بمواقعهم
كأبطال في روايات مثلاً... وفي هذا الصّدد، لا أنْسى أنّي، في زمن
الصِّبا - وقدكنتُ من محبّي الشعر...
نُنزِل قِرْميداً من العربة فيما
على كُومَةِ الرَّمل القريبة
نَحلةٌ عَطُوف تُزْجِي لنا نصائحَ بالأزيز
إنْ نُطبِّقْها تَتقوَّ عضلاتُنا بالتّأكيد
فنحنُ نريدُ أنْ نبنيَ مأوىً للعجوز
الَّتِي مرَّتْ بنا مترنّحةً في الشّتاء الماضي
واختفتْ في حَقْل العَدَس
مرّتْ بنا آهِ مرْرْرْ...رَتْ
مرّت بنا...
أربعةٌ وثلاثون من الرّماح المُتشابكة، أيُمكنُها أنْ تُشَكِّل كائناً؟ نعم، واحِداً
من المَيْدُوزيمْ. مَيْدوزيماً مُضَعْضَعاً، مَيْدوزيماً ما عاد يعرف أين يتّخذ له
مكانًا، ولا أيَّ وضْعٍ يتّخذ، ولا
كيفَ يُجابِه، ما عاد يعرفُ سوى أنْ يكونَ مَيْدوزيماً.
لقد دمّروا «الواحد» الذي هُو من مُقَوّماته...