محمد محمود غدية

مع آخر رشفة من فنجان القهوة إستكانت كآبته وهدأت، خمسيني خرج فى معاش مبكر زمن الخصخصة أو المصمصة، متزوج لم يرزق بالأبناء، رفض الزواج بآخرى حين طالبته أمه لرغبتها فى رؤية أبنائه قبل أن تموت، قائلا : ماذا لو أصابني العقم هل تتزوج زوجتي بآخر ؟ عمل ساع فى فى إحدى المؤسسات، أحبه الجميع يقرأ الصحف...
الأضواء المنعكسة على صفحة النيل تشكل لوحة من الفن التشكيلي الجميل، تصنعها الطبيعة أفضل من ريشة فنان، فى صدره شجون من أحلام وصداقات تباعدت وأحدثت شرخ موجع، صدره حقيبة مغلقة، يغمس قلمه فى محبرة الآسى، يكتب قصص قصيرة لا تفلح فى إزاحة ركام الأحزان، يرى فى نشر قصصه فى بعض الصحف والمجلات عزاء يفتت...
عجز عن إسعاد نفسه وهو الدودة التى لا تكف عن إلتهام الكتب وحفظ الأشعار، حاول أن يتخلص من الهموم المثقلة برأسه فلم يفلح، الجمال يتقلص ويسود القبح فى كل شيء حوله، التلوث السمعي والبصري، حتى المرأة النضرة كالثمر الطازج، التى أحبها أصبحت كالورد الصناعي لا طعم ولا رائحة، مصبوغة بالألوان منفوخة...
فى السوق لابد أن تكون لك عين صقر، ترى كل شىء واللاشىء، وأذنان كبريتان لتسمع نداءات الباعة، على أشياء ذات قيمة وأشياء لاقيمة لها، كتب ومجلات قديمة وملابس جديدة وقديمة، السوق على مساحة من الأرض الواسعة، تتسع لكل الأغراض، أغلب المشترين من أصحاب الدخول المتواضعة، بائعة الجبنة القديمة جاءت السوق...
ألقى بنفسه فى بحر الحب بطريقة الذوبان فى أول نهر يصادفه وهو لم يتعلم بعد العوم، مستخدما عواطفه بطريقة مائة فى المائة وعقله صفر فى المائة فكان الغرق، بعدها إلتقى باإحدى العرافات وضاربات الودع، قالت : الحب مكتوب على كل البشر، لاينجو منه سوى القليل كاد أن يشطرك نصفين لكنك نجوت، العمر لديك هو...
كل القطط فى الظلام رمادية اللون، بغتها هذا الخاطر وهى تحدق فى الظلام ساهمة، بعد ماأغلقت عينيها غرقى فى ليل ماطرلمدينة باردة، تتزاحم فى رأسها الأسئلة التى راحت تناطح بعضها البعض فى عراك لايهدأ، هل خلق الحب لإسعاد القليلين وشقاء الكثيرين، الموسيقى حولها تمنح الدفء والسكينة وبراح الأحلام، كستارة...
رفقة الزمن تحويشة العمر نور الأيام شديدة الحلكة، خضرة الروح وطراوتها، يجترهم اذا ألمت به وعكة المرض فيشفى، يجاهد فى سد ثقوب خيبات العمر، يضمد جراحات الأيام ويصارع الوحشة، بداخله خراب بحجم الكون، الوحدة مروعة تنهشه طول الوقت، مئات الحشرات الصغيرة تلتهم روحه اللينة الأشبه بنسيم رائق شفيف، إبتلعته...
منصور أجل فرحه لبعد عودته من الجبهة، كان لديه يقين أنه سينتصر، كيف آتاه هذا اليقين لا يدرى، فى الثلث الأول من رمضان عام 73 وعلى الجبهة وقبل الحرب بساعة، صدرت الأوامر بعبور القناة وتسلقت القوات الساتر الترابي، حاملين فوق ظهورهم الصواريخ وكامل المعدات القتالية والطعام والشراب، ونجحت القوات المصرية...
بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، تشابكت الأفكار وأمسك بعضها برقاب البعض وتناطحت فى رأسه، وهو يسأل الأبناء والأحفاد عن معنى ثورة اليكترونية والفيس بوك، بعد أن كان الجد هو الدليل والمرجع فى كل نواحي المعرفة، أصبح هو من يستجدى السؤال، قالت الحفيدة : الفيس بوك عالم رحب، يقرب المسافات بين الناس...
امتلأ ميدان التحرير عن آخره، شباب وشابات شيوخ وأمهات وأطفال، لافتات تحمل عناق الصليب والهلال، سيمفونيات من التآخى والحب، مكبرات الصوت تذيع أغنيات الشيخ امام واحمد فؤاد نجم : مصر يامه يابهية يام طرحه وجلابيه، الزمن شاب وانت شابه،هو رايح وانت جايه، هرج وتدافع كأنهم فى ساحة معركة، خيول وجمال...
الأقدار رتبت لقاءهما أثناء فرارهما من موقعة الجمل فى ميدان التحرير، هو طبيب من المنصورة أخذ أجازة للمشاركة فى ثورة الخامس والعشرين، وهى خريجة أداب قاهرية، تساقط العديد من الجرحى والقتلى، الثورة المضادة التى تضخمت ثرواتها فى عصر الفساد، تحاول إجهاض ثورة الشباب، عادا للميدان شاركته إسعاف الجرحى،...
إمشي علشان أمشي وإمشي علشان إيديا اللى شايلة اليافطة تعبت وإمشي كفاية عليك كده، لافتات إرتفعت فى الخامس والعشرين من يناير سنة الف وتسعمائة وإحدى عشر، سقف المطالب إرتفع من عيش وحرية وكرامة إنسانية الى الرحيل، ورحل .. حكايات وثرثرات طريفة فى محيط الأسرة، الجد يقول : حزب الكنبة نزل الميدان...
قمحية فى عينيها حزن غير معلن، فواحة الحضور، تشبه اللوحات القديمة فى الزمن الجميل، شاركت فى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومنذ ذلك الحين والسياسة طبقها المفضل على كل الموائد، أصيبت بجرح قطعي فى يدها اليسرى أثناء موقعة الجمل، عندما أفاقت وجدت نفسها فى مستشفى ميداني، لم تنسى قط إبتسامة الطبيب...
قرص الشمس فى كبد السماء يرسل حمما، نال منها التعب وهى تبحث عن بقع الظل الشحيحة بين زحام الباعة والناس والمركبات، بعد جهد وجدت فى آخر السوق ثمر البامية التى تحبها حماتها، لدى بائعة وحيدة والذى كان شحيحا لانه فى غير موسمه، الحياة لا تسير هادئة مع أم الزوج التى لا تكف عن الشكوى من زوجة إبنها،...
ورقة أولى : أعمارنا قصيرة كما الزهور ماتلبث أن تذبل، لذا نلجأ للكتابة تعبيرا عن الآلام التى لا يخفف من وطأتها سوى البوح، بدلا من الصمت أو الجنون، الكتابة الورقية لها مذاق خاص، حروفها حية تتحرك على الورق، لغتها مصقولة مغسولة فى نهر يشع بالأضواء والظلال، تتهادى مع النسيم تلثم الشاطيء وتعود الى...

هذا الملف

نصوص
521
آخر تحديث
أعلى