محمد محمود غدية

البرد شديد الشوارع والبيوت .. ترتدى معطف الجليد الفنارة تضئ البحر ببقايا مصباح شحيح .. أحسبه سراب عاصفة ريح تبتلع المركب الوحيد وجوه البحارة .. والباعة الصيادين موجعة الإرهاق .. لا تبين يتدفئون باأحطاب .. الليالى الثلجية يلعبون النرد .. ويحتسون القهوة المرة بعد رحلة صيد بعيد وغرق المركب...
جميلة فى ثوبها الأصفر وضفائر شعرها الأشقر قرأت تلهفى .. وتعثرى من خلف عدساتها الزجاجية فأغلقت الجريدة ولم تكمل فنجان قهوتها ولم تعبأ بالعيون التى ترقبها وصلصلة الأقلام وضجيج الهاتف إبتسمت .. فتبعثرت الأوراق .. والأسئلة مدت كفها للمصافحة فتوقفت الأرض عن الدوران وإنخلع القلب .. وكف عن الخفقان...
أحمل فى كفى وجهى وأدور فى الطرقات وفى الحانات ألمح من ثقبا فى خيمات الظلمة وجه منكفئ بصدر الأرض .. منطفئ العينين مهترئ الشفتين يفترش الريح الشتوية يصرخ .. يتألم لاأتبين غير حفيف الظلمة .. والآهات فتحسس وجهك إنى المح كل الأوجه تتدحرج من فوق الأعناق موجعة الإرهاق تتسع دائرة الجرح ودائرة الظلمة...
أفتش عنك فى الطرقات فى واجهة الإعلانات وخلف كل نافذة وباب فى كل وجوه الحلوات ولأنى مسكون بعشقك .. والجمرات فقد تبدد فى غيابك الإبتسام وضاعت الكلمات ........... حملت حقائب الأشواق ولملمت فى كفى النهار وباقة الأزهار ودفتر الأشعار وصفعني بابك بالغياب وعدت ياحبيبتي .. بخفى حنين والأشواق المذبوحة...
قبلما نلتقى ياحمامة السلام فى رحلة الآمال والأحلام كنت أجهل المسير كنت أخط الوجه البائس للعمر كنت صغير حين أغنى .. يرتاع الطير تنساب الآنات .. فى المزامير .......... وحين التقينا ياحمامة السلام ياغصنا زيتونا اخضر ياقطعة سكر تعلمت الأسفار وتخطى مدن الاحزان .. والإبحار تعلمت كتابة الأشعار...
لا تسافر .. صديقى ذوب المسك .. واللوز والبرتقال لك العمر المديد لا تسافر .. لبلاد الصقيع والجليد والنساء المصبوغات .. بألوان صارخة .. رخيصة الملتصقات خلف الفاترينات .. وفى الحانات يتضرعن للمارة .. بالغواية ......... إفتح حقائب الأشواق يطالعك وجه حبيبتك .. المضفورة بخصلات القمح ...
معذرة ياحبيبتى فلست فارسك الذى يجىء فى الأحلام ناعم البشرة .. وضاء الجبين يمتطى صهوة جواد أبيض .. ويطير محلى بالذهب الأصفر .. ويسابق الأثير مختبئة كفاه .. وجسده المتخم خلف قفاز .. وعباءة من حرير ........ لست ذلك الأمير لكننى فقير لا أملك غير حشو فم وبعض ثمار توت وأوتار عود وقلب مغني ...
إعتادت أن تمطره باابتسامة واسعة أثناء ركوبه سيارته الفارهة، أرمل خمسيني ورجل أعمال مايزال محافظا على نضارته، يبدو أصغر كثيرا من سنه، المسافة العمرية بينهما كبيرة والمادية أيضا، قليلا ماتجده يبادلها الإبتسام ثم يغيب، هى قادمة من ليل طويل معتم، تريد التطهر من كل المرارات التى تجرعتها كل يوم بعد...
فى الثلث الأخير من الليل لم أجد الزوجة فى البيت لم أجد فى الثلاجة .. لبن أو بيض لم أجد آنية الزهر وبقايا الخبز ومصروف الشهر لا شئ .. غير الشوق الفاتر .. والجمر ....... فى المقهى .. الوجوه .. متشابهة الملامح موجعة الإرهاق .. لا تبين تتبادل صحف الأمس والدخان .. والسباب النادل .. يطارد...
لأننى أجهل لغة التملق .. وألعاب البهلوانات .. ونفخ الغاب هاجرنى الفرح .. والأحباب ذاهلة مني الخطوات فوق أرصفة الطرقات من مقهى لحارة وواجهة الفاترينات والإعلانات أحدق فى وجوه الباعة .. والحلوات ألملم بقايا الشوق .. والأمنيات أبحث عن شاعر لا يعرف المراوغة وزخرفة الكلمات قالوا : تعثر يوما...
مفتتح للبكاء .......... من أغضب السماء وعطل هطول المطر .. والفصل شتاء من صادرالحقائب وجواز السفر .. وإغتال القمر وذبح حنجرة المغنى .. وبدد الرجاء مفتتح للحلم .......... جئتك يامدينة السحر .. والدخان فى رئة عصفور .. من مدن لا تعرف الزيف . والبهتان جئتك من بلاد لا تعرف .. غير الحب...
(الرقص فوق ركام الاحلام) وحدى .. اتجرع وجع الأيام الممرورة وأحطم كل مرايا الأمس المسحورة أحلم ان يأتى .. من يقطلع الحزن الجاثم .. فوق الصدر وآلام العمر لكن النجم الليلي .. الراقد خلف التيه يرفض أن يأتى .. كى لا يبصر موتى .. وجفاف الزهر كى لا تلمس كفه .. وجهى المنكفئ .. بصدر...
سألوه عن طفولته ؟ قال : آى طفولة المغتالة البراءة .. والبكارة أم المغتالة الدهشة .. والفجاءة .......... قالوا : إضحك قبل أن يداهمك الحزن قال : كيف ؟ والحزن منذ هاجرنى الود محفور تحت الجلد ......... فى الصباح .. تبادلا النظرات .. والبسمات وإقتسما اللقمات فى المساء .. تبادلا...
آه مااقسى الجدار فرق بين عاشقين وحجب عنهما النهار آه مااقسى الفراق بعدما كانت الأشواق تذوب فى حرارة العناق آه عندما يغيب القمر ويتجمد المساء .. فى العيون كالحجر آه .. ثم آه لقلب .. ضل فى عتمة المساء سلواه ......... وكان يوما .. حين صارت الجموع فى مواكب الإحتضار .. والدموع وفى الشفاه...
لم تتغير بعد عتبات الدار والشارع والعنوان والحشرات الزاحفة .. على الجدران الشيخ حسان .. فوق حصير باهت الألوان يبسمل ويحوقل ويعلم الصغار .. قراءة القرآن وأم الخير الخاطبة مازالت تخفف قهوتها بالماء وتقرأ الفنجان وتنادى الأحفاد .. بالصوت الرنان من نصف شباك مكسور يتدلى غسيل الأولاد الذين يلعبون...

هذا الملف

نصوص
429
آخر تحديث
أعلى