قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛ آلة عملاقة تحرث النهر، تمسك بي زوجتي، يصرخ أولادي، هذه كارثة، فتحت جهاز التلفاز، مذيعة تنشر شعرها وتضع أصباغا على خديها، حمالة ثدييها تضج من ضيق، تلمع شفتاها حمرة، تلتهب غريزتي،إنهم يفلحون في إثارة...
تأنقت في ثيابها وضعت عطرها النفاذ، وقفت قبالة المرآة، خطت خطوة أو خطوتين، تمايلت يمينا ويسارا، وضعت يدها على خصرها النحيل، داعب هواء النافذة خصلات شعرها الأصفر، تخلصت من بعض شحوب في وجهها؛ وضعت بعضا من مسحوق مرطب، إنه ينتظرها، دارت بها الفرحة في أرجاء الغرفة، آن لها أن تغادر ذلك البيت متخلصة من...
بداية أعلن حقيقة نقدية: أحمد شوقي أميرا للشعراء!
انتظرت حتى يبين الفجر لذي عينين ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، حتى يحمد القول عند قوم أتعبهم السرى في ليل داج.
ما فتئ الزمان يدور بنا حتى صارت قوتنا الناعمة منتهبا لكل طامع ناهب، أكتب هذه المقالة وعيني ينسكب دمعها على واقع مر وحال أشد...
يمر العرب في حاضرهم بعدة أزمات، تنتهبهم وتحاول أن تنال من وجودهم، ومما ابتلي به العرب أن قل معين الإبداع، وتسنم زمام الثقافة العربية قوم غير رصناء، يديرونها لغير وجهة سوية، يقسرونها على نبعة هجين. ومما عمت به البلوى أن سادت بضع كلمات يسطرها مدع للشعر فيخالها من هوى ويميل بها طرباً؛ أن يقال له...
سرى نبأ في كفرنا انزلق من لسان هنومة الداية تلك التي تدب في الحواري وتتسمع الوشايات، يقولون عنها: أذنها ملقاط وفمها الذي به ناب من فضة وآخر من ذهب يشبه الإذاعة ترغي من راديو فتوح القهوجي؛ وإن ماء سبيل أم عباس مبارك؛ تأتى به جنية من سحابة تنتظرها أعلى جبل المقطم من جهة قلعة الجبل، على أية حال...
تأنقه في ثيابه،العطر الذي يحرص أن يكون رسوله إليها،يبدو في زينته مثل عروس في يوم زفافها،الشعر الأبيض أمعن في إخفائه،حتى تجاعيد وجهه شدت في عيادات التجميل،تراه عين الناظر فتخاله شابا في العشرين من عمره أو ناهزها قليلا،كل هذا لأجلها؟
ولم لا ؟
عاش منكبا على كتابه،اختطفه الزمن من عالم يمور بالحياة...
الليلة الرابعة!
ترددت أقاويل بأن ابنة ملك الجن الأحمر وقد تبخطرت في شرفات القصر الأنور، تحمل ذيل ثوبها وصيفات وتطعمها مؤنسات، أن الرشيد وقد علا رأيه السديد، وطالع عهده الحديد، أن يبني قلعة في بلاد واسط ويجعل على بابه حاجب غير قاسط، يأخذ من العامة الخراج ويزين واجهته والمزلاج، يحضر أفيال الهند...
الليلة الثالثة!
حين كان زمان جاء الغراب بنبأ عجيب؛ أن آلة بحجم كف اليد؛ تخاطب الناس وتختزن الكتب والأفكار؛ يسألونها في فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان فترد بأقوال أبي يوسف صاحبه في كتابه الخراج، وقد تزيد عللا من المبسوط؛ تعرج على فقه مالك في الموطأ وتشرح مراميه في المدونة؛ ليس هذا محل العجب...
حارتنا محاطة بأسوار قديمة، كل الذين تركوا بصمتهم في التاريخ هدموا من أحجارها الكثير؛ والآن بوابة المتولي مصابة بداء جديد عجز الجميع عن معرفة أسبابه، سكن أبو النوام درب الجماميز على حين غفلة من أهله، جعلهم يتثاءبون كل لحظة، سرى النعاس إلى درب سعادة والسراجين وقلعة الكبش ودرب الهوى وحارة...
الليلة الأولى!
أمسكت بي أميرة الجن، أخدت تتقرب إلي، تميس دلالا وترجو محالا؛ وما كان ذلك إلا أن أشمر عن ساعدي وأجهز على مأمون سياف الرشيد، انتابتني الشكوك فيما تريده، هل حلا في عينيها المقام في قصر السلام؟
أما تراه شغفت بالملك وبهرها العز في بلاط بني العباس، صاحت البومة الحكيمة قائلة:
مسكين أيها...
بدأت الوشايات تتناقلها شفاه الناس في كفرنا، فهم في زمن الخواء يقتاتونها بدل أرغفة الخبز الشهية؛ يسكنون علبا مميكنة، يدبون على الأرض بأحذية مرصودة؛ يعبثون مع نسائهم في ليال محددة، يدعون أن الجنون بلغ منتهاه، ربما أكون الوحيد في هذا البيت، الذي لم يصب بعد بتلك الحالة، سيذهبون بي إلى السرايا...
حين انتصف الليل صعدت إلى سطح منزلنا الحجري، ذلك الكائن وسط الصحراء تحفه هضاب وتحوطه كثبان رملية، ثمة هاتف دعاني إلى ذلك الصعود، تخفيت عن عيون زوجتي فقد اعتادت منذ فترة أن تغلق باب البيت الكبير بالمزلاج والقفل، تخشى علي من هؤلاء الذين يطوفون بالليل والناس نيام، مرة تربط قدمي في حجر، أخرى تطعمني...
تحية تقدير للناقد البارع عمرو الزيات حيث حرك رغبتي؛ لمطالعة هذه القصة عندما قرأت تعليقه، ولاسيما أنها عمل مغاير لكل ما سبق من أعمال للدكتور سيد شعبان.
تتجلى عبقرية القاص في مدى قدرته على انتقاء، واختيار بدائل أسلوبية بعينها، وتشكيلها وتوجيهها وجهة بذاتها؛ لتعبر عن مشاعره، ومدى قدرته على التأليف...
مرت أيام لست أحصيها؛ فقد أصابني داء النسيان، لاأدري ما الذي جاء بهذه المرأة إلى ذاكرتي؟
حين كنت أبحث في ديوان العبر؛ وجدت صورتها كما أوردها لسان الدين ابن الخطيب، هل تراه ذكرها في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة؟
يقال إنهم أحرقوه حيا، لعلهم جاءوا بأشيائه من كتب وأوراق وجعلوها وقودا لناره؛ لكم...
ولأن السيد(م) دائما يلتفت حواليه، كل نظرة من العابرين الذين يقابلهم في طريقه إنما هي تلصص عليه، يظن أن الجميع يشيرون إليه ومن ثم يعدون عليه خطواته،يحصون كلماته،ثيابه موضع انتقادهم،كلماته تثير سخرياتهم،لون حذائه الباهت ونعله المنكسر،الجميع لاهم لهم إلا السيد(م) وأحواله، هكذا ظن بنفسه الظنون...