د. سيد شعبان

حين فتحت التلفاز وجدتها مضرجة في دمها؛ انتابتني الشكوك: هل هي؟ تعلن القناة النبأ العاجل! في الزاوية أعلى الشاشة شريط أسود! دارت بي الأرض؛ أمس كانت تكشف زيف المحتل، كما الغربان تطارد أفراخ الحمام؛ بل قل قمر أربعة عشر؛ في الحقيقة أجدها فارسة تصول في الميدان لا تمتلك غير لسانها والقلم الرصاص؛...
البعد يورث في القلب جفاء وفي العقل مسارب للنسيان، اتسع الجرح وابتعد الأهل، إنه الزمن يفعل ما يحلو له، تاهت الحكايات في زحمة الحياة المغلفة بالأنين والوجع، جاءت النهاية مبكرا، لقد صارت الأشياء معكوسة، انفلت عقال النساء، شاخت ظهور الرجال، كأن القيامة على بعد خطوة، حاولت مرارا أن أكتب عن الأحلام...
يربض في مغارة تحفها أشجار كثيفة، يخرج منتصف الليل عند الدقيقة العاشرة؛ يفتح كتابا أصفر بليت حواشيه؛ يمسك بسبع حصوات ويتمتم بكلمات غريبة؛ يلقي بها في النهر؛ يدفع الموج بسمكة لا رأس لها، عند الضفة الأخرى عنزة مشقوقة الأذن اليسرى؛ قطة خضراء أعلى النخلة العجوز؛ تأتيه السمكة التي بلا رأس فيمد يده في...
كعادته نام مبكرا؛ فالشتاء يستدعى الخمول؛ يحتاج الطعام والحساء ينفث دخانه فتستدفيء منه بطون الجوعى، كل هذا صعب في زمن الحروب حيث الأسواق تعاني الكساد والباعة يمنعهم المطر من أن يفترشوا الأرض. توسد ذراعه وحاول أن يغمض عينيه، تتابعت مشاهد من حياته مثل شريط سينمائي تعرضه قناة الذكريات، تدوي الريح...
يكتفي بقطعة جبن قديمة ونصف رغيف مقدد، لا يمد رجليه في الظل، تركته حين ضربه خريف العمر، هكذا الأشجار تموت واقفة، دمعت عيناه وابيضت من الحزن، يغلق عليه باب حجرته الطينية، الفقر معرة، والسؤال مذلة! مضت أيامه التى كانت ربيعا، تخيلوا كان يمتص ضرع البقرة صباحا ومساء، لقد صار وجهه أحمر، أمي كانت تقول...
ركب سيدنا حمارته المباركة؛ كل ما مسه تحل عليه فيوضات الرحمن؛ إذ هو وليه صاحب السر الخفي، طاف ببلاد الله؛ يقابل الدراويش في موالد آل البيت، يسكنون البر في تناسق عجيب، سيدي عبدالرحيم القنائي، البدوي ومولانا الحسين والطاهرة أم هاشم وسيدنا الدسوقي، عقد من در تنتظم حباته، يطول به السير أياما وليالي...
التخفي وراء الأبواب المغلقة لن يجلب النور للعينين،تلك حكمة قرأها لأحد حكماء ما وراء النهر الذي يفيض عسلا والذي ينبع من تلك الجبال البعيدة. من يومها بدأ يشتري أغراضه من هؤلاء المارين على الأبواب،أجسادهم النحيفة،عيونهم التى تشبه حبات البازلاء، حتى نساؤهم وشعرهن المنسدل خيوطا سوداء؛ لكنها فيما بعد...
المتابع لكتابات الدكتور سيد شعبان الإبداعية يلحظ فورا وبغير عناء لغة أصيلة ، وعبارات متينة ، ومفردات عجيبة فى مقالاته وفى قصصه القصيرة على حد سواء ، وقد اختط أديبنا لنفسه فى كتابة القصة القصيرة خطا سرديا متفردا لم يأت من فراغ إنما هو نتاج موهبة فطرية تعمقت وتأصلت بالدراسة المتخصصة والقراءة...
حين كنت ذلك الشاب الذي امتلأ قوة؛ اتسعت أحلامي حتى رأيتني أعدو خلف القطار ومن ثم أدركه، ينظر إلي متعجبا السائق؛ مشجعا لي على ذلك يتغافل محصل التذاكر، ومن ثم أشعر أن الفتيات قد انبهرن بي! حالما بأن واحدة أو أكثر سترسل إلي بنظرات إعجاب؛ في إحدى المرات نفذت جنيهاتي؛ فأنا لا أمتلك حافظة...
زمان كانوا يقولون- عن كفرنا حين يتجمع في الزاوية ويحدث صخبا، تتحرك الأقدام ويثور الغبار، تشعر بالفعل أن هذا أمر خارق للعادة- مولد وصاحبه غائب. كبرنا حتى لم يعد يأبه بنا أحد، نمشي غرباء، ثمة أمكنة تتذكرنا، إنها تعرف من تركوا مشاغباتهم على جذوع أشجار الكافور العملاقة التي تقف مثل الحارس الأمين. لا...
لا أظن متابعا لما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي وصحفنا العربية وأبوابها الأدبية أو منتدياتنا الالكترونية إلا وداخله الغثيان وأفضى به إلى البشم؛ قد يراني كثيرون متشائما؛ معاذ الله أن أتبع نفسي هواها أو أنحرف عن موضع الناقد النزيه؛ هي محاولة للرصد والكشف؛ ثمة مبدعون يخطون طريقهم في صبر وأناة؛...
لستُ من المتحمّسين للألقاب التي يُدبّجها الأُدباء والشعراء فيما بينهم بصراحة، لكنّني أرى في اللقب الذي خلعه بعضُ الأدباء على الدكتور سيّد شَعبان حَبلاً متيناً يشدّه بمَن تحمّله، وأقول تحمّله؛ لأنَّ الألقاب برأيي تكليف قبل أن تكون تشريفاً.. «أمير السَّرد» هكذا يُلقّبونه مُذ تعرّفت إليه عبر صفحات...
تعلقت بذيله، يركب حمارا له برذعة مزركشة، الأمهات يتركن صغارهن وراء الرجل المبارك، أنا دائما أتبع خطواته، حيث يدلف في ممرات الحارة الخلفية، مولع هو بأسرار النسوة اللائي يضعن الحناء في شعورهن، لهن عيون تتحرك رموشها سهام ليل لا تخطيء فريستها، تقال عنه العجائب، وفي كل مرة يختمون حديثهم بأنه رجل...
لملم أشياءه؛ ذلك قرار اتخذه بعد عناء، أوصته جدته حين يكبر أن يفتح الباب الخشبي العتيق، كان في بلاد المنفى بلا جذر، عاش تائها، يحمل أوراق هويته الممزقة، عاش في المخيمات، كل شيء فيها مؤقت، حتى الأمكنة أطلقت عليها أسماء بلاد الزعتر والليمون، هذا أبو عائد وذلك ثائر وتلك فدوى، أكثر ما يفكر فيه كيف...
غريب لا أعلم متى سأصل إلى داري، منذ آويت إلى هذه الحارة أعاني من الوحدة، لا أحد يهتم بي؛ تنفر مني النساء يبدو أنني مصاب بالجرب، هل كتب علي التشرد في بلاد الله؟ أشعر بأنني بلا جذر يشدني إليهم، أو على أقل تقدير لم أجد منهم اهتماما، إنه ازدراء بلا سبب، ربما لخلقتي السوداء المتفحمة، رغم أنهم لا...

هذا الملف

نصوص
582
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى