د. سيد شعبان

على غير عادة انتابت عم مخلوف حالة من شجاعة عارمة، فابتدر زوجته أم الخير وقد تثاقلت في نومها، اليوم سوق ويوم يسبتون تأتيهم مطالب الأطفال مشرعة على أسنة من الحاجة التي لا يصلح معها التعلل بضيق اليد، وليتخلص من كثرة مطالبهم ببعض فاكهة، باع أمس نصف إردب من خزين القمح؛ الحصاد على الأبواب فلا يمنع من...
حين أمسكت بالقلم لأكتب، كنت أشاغب به، تماديت في تلك اللعبة حتى خلتني ساحرا! غير أنني لطول ملازمتي للكتاب واطلاعي على فنون السرد سرت أشتاته في ثنايا عباراتي، ربما كان القلم حلمي يوم درجت في دروب قريتي الأثيرة، حين تفتحت عيناي على الحقول تترامى والحيوانات تتهادى غدوة وعشية، كان أبي رحمة الله عليه...
يركب أتانه صباح كل يوم متوجها بها إلى البندر، فلديه مهام لايعلم بها أحد، تجري به في زهو، يفرد رجليه يتدلى منهما نعل أشبه بمركب العربي منسي الذي انفرد قلعه تضربه الريح كل مكان، في كفر مجر أحلام تبخرت مطلع الشمس، عدلان حظه عاثر، تناطح طاقيته السحاب؛ في جيب صداره مليم وخمسة صاغ، لاعمل له غير أن...
أما سر ما أخفيته والذي تساءل بعضكم عنه، حاولت تكتمه صعب علي أن أظل هكذا معنى بما أنطوي عليه من خفايا، لدي أوراق ومحبرة، أحتفظ بفرشاة ألوان أرسم بها لوحات جميلة؛ فتاة ذات شعر منسدل تعابث وجه القمر ؛ أنا رجل آخر، لي هوية مزدوجة؛ تستطيعون أن تقولوا خفاش أو وطواط أو حتى عنكبوت؛ أجيد الشيء وضده، أضحك...
يبدو السارد راقصا فوق صفحات كتبه؛ يرواح في ثنايا الحروف والمفردات يضع نصب عينيه قارئا يتتبعه وينتظر لحظة ما يمسك به متلبسا، فالكتابة كما هي إبداع وتميز تبدو في مجملها حالة ترصد مع سبق الاتهام! ولايلزم الكاتب أن يصرح بكل ما في ثنايا ضميره؛ يغدو مكشوفا فجا؛ كما أن عليه ألا يلغز حتى يعسر فهمه؛ وهو...
اللف وراء لقمة العيش أتعب جسدي، متى أرتاح من الطريق؟ كل الناس تنام سعيدة وسط أهلها إلا أنا، تب علي يا كريم من البهدلة، بياعة حلوى شعر البنات وأمشاط العرايس وفلايات للصبايا؛ خمسة وخميسة وسبح وعقود خرز، أدب في الشوارع وأنط من حارة لحارة قرد بهلوان، من زمان وهذه مهنتي، حفيت واتعميت وظهرى انحنى،...
سؤال حاولت كثيرا الإجابة عليه، في كل مرة أراوغ وأقدم غير مافي نفسي؛ فالبوح اتهام وتجن، كتبت مقالة عن السرد عند المنحنى الخطر، تبلعت حبوب الشجاعة وأبنت عن بعض الدلائل من حياتي بله من آرائي، تراجعت بعد؛ لأن السرد لابد له من غموض شفيف يغلف الجمل والعبارات، لو وضح لصار مملا، ثمة فرق بين السرد...
حينما كنت صغيرا - وما أزال هذا الطفل الذي خرج إلى الدنيا عاريا وضعيفا وأسود الوجه، وقل ما شئت فيه من البلايا- حلمت بأن الجنة بها جمال وخيول، وأنني قرد يقفز فوق سلالم خشبية ويركب أرجوحة تطير به إلى سور جهنم، لكنني وهذا في الحلم أعود مسرعا؛ فجسدي لا يقوى على النار! ظل هذا الخاطر يدفعني بعيدا، مضت...
بكل تأكيد هذا العالم مثقل بالأحزان التي غطت جميع جوانبه، لست معنيا بكل هذا فلدي هوايتي المفضلة؛ أن أرتشف قطرات الشاي وأحيانا أطالع وجوه المارين من أسفل نافذة حجرتي المنزوية في تلك البناية القديمة والتي تزكم رائحة الرطوبة الخارجة-من بين شقوق جدرها- أنفي، أعايش الخيال كل ليلة، فلدي ما أفعله سخرية...
دقت الساعة معلنة منتصف الليل؛ تتحرك الوساوس والخيالات محدثة صخبا لايدري به إلا من تلبسته الظنون، ثمة حفيف لأوراق الشجر يترك فزعا، تموء في تلك اللحظات القطط الثلاث التي رزقنا بها؛ انضم جرو صغير إلى الكلبين الذين ضربهما العجز، عله يفلح في أن يأتينا بجديد، كل شيء هنا اعتاد الرتابة، يمضى النهار دون...
لعل بعضكم يتساءل: لماذا أكتب وأدون على حائط صفحتي كل هذه الكتابات؛ هل أنا مجنون؟ أم تراني أقضى على وقتي ومن ثم أشغله بسرد قد يمله القراء؟ مؤكد أن هذا في جملته صحيح؛ لكنني أكتب لأوجد معنى مغايرا؛ دفء مفرداتي يرتبط بوهج مشاعري، حلمت أن أغير العالم؛ وجدتها فرصة مناسبة لأنطلق من صفحتي؛ أن أكون معبرا...
أنت لن تضع قدمك مرتين في النهر، حاولت فهم تلك الحقيقة-سيما وأنا أسكن جواره- منذ جئت الدنيا، في ظني أنها مقولة خاطئة؛ فما زال النهر يجري وها أنا أسبح فيه، أدرت تلك الذكريات حين انتحيت جانبا، الآن بدت الحقيقة واضحة، فعلا الماء يتغير وكذلك أنا، انتابتني حالة من الخوف الشديد؛ دلسوا علينا في قاعات...
ثمة تفاصيل لم أعد أحيط بها؛ تدور في الزمن رحى الطاحونة، الصمت والقهر يتعاقبان في مشهد يتكرر في تلك النواحي، هل هو القدر فرض سطوته مثلما فعل بنا المرض؟ ربما تلك أشياء تظل عالقة في ذاكرة الآباء، نحن الصغار نتناساها لا نهتم بها، لدينا رغبات لما نشبعها بعد! متاهة ندخلها، لم يعد طعم للفرح بل نتشح...
بعد مرور هذه الأعوام، لا يزال بي حنين إلى التسكع في ممرات المدينة التى أحببتها، دونما وجهة أدع قدمي تتحرك في أي اتجاه، فالمسافات تلتقي أبعادها، كل ما علي أن أعاود السير، هاتف في داخلي (ابحث عنها في تلك المدينة، ربما تجدها وربما لا، كل ذلك مرتهن بقدر) أضعت عمري ولم أنل منه ما تمنيت، حياتي مثل...

هذا الملف

نصوص
582
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى