كان المساء قد انحنى على المدينة مثل شيخٍ متعب، يجرُّ عباءته الرمادية فوق الأرصفة الباردة. كنا نجلس في المقهى الصغير عند زاوية شارعٍ نسيه الضوء، حيث المصابيح تكتفي بالارتعاش بدل أن تُنير، وحيث الكراسي تحفظ أسرار الذين تعبوا من حمل أنفسهم.
كنتُ أمامك، أراقبك بصمت، بينما أصابعك تحيط بفنجان القهوة...
عرض /محمد عباس محمد عرابي
ما أكثر ما عبر به الشعراء عن رثاء الأب ،وبيان الآثار النفسية المعبرة عن آلام الفقد ،بالكلمات المعبرة ،والأساليب البينة ،والصور الموضحة ،ومن روائع الشعر في رثاء الأب نقف مع قصيدة "أحقًا مات أبي؟؟! "للشاعرة " آمال يحيى "
والتي ابدعت فيها أيما إبداع في بيان مشاعرها...
إلى روح أبي د. أحمد الباسوسي
كُنتُ أظنّ—يا أبي—أنّ الوقت كفيل بترميم الشقوق، وأن قُرابة سبعة أشهر كافية لأستعيد جلدي القديم، لأرتّب روحي كما رتبتُ كُتبكَ على رفوفها، صامتة، مطواعة، لا تئنّ ولا تحكي...
كنتُ أظن أنّني والآن مستعدّة لقراءتها من جديد، كنت أظن أنني أقوى من تلك اللحظة الأولى، أقوى...
بعد موت أمي، لم يعد الموت يخيفني.
صار وجهه مألوفًا،
كجارٍ قديمٍ يطرق الباب كل حينٍ دون اعتذار.
أدركتُ أن الفقد لا يحدث دفعةً واحدة،
بل يتسلّل مثل الليل إلى النوافذ،
حتى تستيقظ ذات صباحٍ لتجد العالم رمادًا بلا نار.
كانت أمي أول وطنٍ أسكنه،
وأول رحيلٍ علّمني أن الأرض تدور،
لكنها لا تعيد الذين...
(6)
زفاف فالة والمسّادنات
من ذا الذي لا يعرف السويقة؟ تلك الحارة الضيقة التي تختبئ فيها أسرار قسنطينة، وتشهد جدرانها على ضحكات الجدات وزغاريد النساء… وهناك، في ديار عرب العتيقة ، بدأت حكاية المسّادنة ، تلك الكلمة الغريبة على من لم يسكن قسنطينة في زمن مضى ، في الحقيقة الكلمة حكر على سكان...
رايتك يا أبي... لم أختر يوماً أن أكون وريثتها ووريثة حروفها، لم أكن على إستعداد لحمل الشعلة التي سقطت منك فجأة وعلى غفلة، دون أن تهمس لي بكلمة وداعٍ أخيرة، دون أن تضع يدك على كتفي وتقول: "اقتربي، خذي مكاني إن غبت!"
وها أنت ذا رحلت... وغبت واخذت معك أمان الروح، وأنا استيقظت على وقع الأسماء التي...
والآن، بعد أن عاد كلُّ شيءٍ إلى حيثُ كان، الشوارع تعجُّ بالضجيج، الأكواب تصطف على الرفوف، جرس باب المنزل يُدق كأن شيئاً لم ينكسر. عادت الكراسي تُصفُّ كما اعتادت، والمائدة تنوء بحمولتها من الصمت، والساعة تُعلن الوقت بلا اكتراث، مضى كلُّ منّا في دربِه، وكأن الحياةُ قررت أن تنسى… إلّا أنا!!
ما زلتُ...
أشعر كل وقت بقوة تدفعني إلى الذهاب عندهما، أشتم رائحة قبريهما العاطرين، وأحس بهاتف يخاطرني بأني سأذهب عندهما قريبا، وأقول: مرحبا .. مرحبا.. مرحبا بالموت :
أنا الموت الذي آتي عليكم فليس لهارب مني نجاة.
كلما ذهبت إلى القبور أظل أترنم بالشعر :
الموت آخر علة يعتلها البدن العليل.
صاح هذى...
ولدت أمي في حي السويقة بدار عرب اسمها دار "العطرة" والعطرة سيدة أرملة كانت تملك تلك الدار التي ورثتها عن زوجها المتوفى ... أقيم حفل عقب
ميلاد أمي التي اقترحت اللاّ العطرة على جدتي أن تسميها "فلة" على اسم الفل... احتفت كل النسوة في الدار وحتى في الحواري المجاورة ... حارة المهارسي وحارة الرود...
ليس غريبا أو عجيبا سحر الامومة ، فالأم تحمل الطفل وتغذيه ، اثناء الحمل ، بأولوية أولى تسبق احتياجها البدني فهو يحصل على ما يريد أولا ويترك الباقي لها ، فتتشكل اثناء الحمل علاقة نفسية وطيدة بين الام والجنين ، علاقة نفسية وارتباط بين الام وجنينها تتدعم أثناء الفترات الاولى من حياة الجنين بعد خروجه...
عرض/محمد عباس محمد عرابي
صدر كتاب رثاء الأسرة آلام الفقد وآمال الحياة "ابن حمديس الصقلي نموذجًا " للدكتور مصلح بن بركات المالكي عام 1443هـ-2022معندار الانتشار العربي ببيروتبالتعاون مع النادي الأدبي بالطائف سابقا (جميعة أدبي الطائف)حاليا برئاسة الأديب والكاتب الأستاذ عطا الله الجعيد،والكتاب...
يومٌ عالمي للشعر وعيدٌ للأم قبل ثمانية أيام لذكرى رحيلها
يا التي أتْعَبْتُ الشعرَ في مديح اسمها
فأتعبَني المرثى' في التشاعر لها
كلُّ القصائد عصماواتٌ عن تناولكِ
المُخيّلة التي أيتمتِها سرّحَتْ قُطعانَ القوافي إلى نهر الدموع
والكتفُ الثاكلُ منذ خَسِرَ الدفءَ بعدكِ
مازال يقتفي العناقَ
في إثر...
كانت تَسعَد كثيراً لمّا آتي لهَا بسَمطَة جلدية مزركشَة من مرّاكش تتحزّم بها وتتَباهىٰ بفخر واعتزَاز على نساء الدوّار ، ولسَان حَالها يقول :
شوفُوا آش جَاب ليَ ولدي الحَسَن اللّه يرضي عليه من جَامَع لفنا !
وفي الأعرَاس يعجبها كثيراً المَايَة أو لوجيبَة التي كانت تتغنّى بها المرحُومة زهرَة بنت...
(3)
سلكت طريقا بين الأزقة ، اختصرت فيها الوقت ، حتّى أسترق بعضا منه لأعبر على طريق السوابط (لفظة تركية مفردها ساباط وهي ممرات مغطاة على شكل أقواس) كانت الطريق الوحيدة التي توصلني إلى الملعب حيث سيحضر العندليب ، لم يكن يعنيني آنذاك صوته وغناؤه ولا شكله ، بالقدر الذي كان يشدّني المنظر المهيب...
2-
كلّ النسوة متأهّبات ، فقد كان يوما ليس كبقيّة الأيّام ، لم يكن الإبكار لإشعال مجامر الفحم في وسط الدار ، وجلب الماء من سيدي الجليس إلاّ عادة يومية لنساء الحارة والدّار ولرجالها على حدّ سواء ، لكنّ ما رافقها من شغف محمّل بجرعة من الوطنية و الفخار هو ما جعل ذاك اليوم مختلفا ، أشرقت شمسه...