موسى مليح

حاصرتني ابنتي زينب داخل وردة، فألهمتني الصورة العبارات التالية: اقطفْ منَ الأغصانِ سرًّا خافيًا ندى المعاني، وارتعاشَ السُّحْرِ في الألوانِ وابتسمْ… لا لأنَّ الكونَ مُكتملُ الرؤى بل لأنَّ بصدركَ طفلًا يعشقُ الأوطانِ طفلٌ يُغنّي للحياةِ ببراءةٍ ويعدُّ أزهارَ الربيعِ بلا توانِ الحياةُ...
اكتشف مبكرا سحر السؤال. كان يضع أسئلة غير مألوفة. كانت جمله الاستفهامية يتصدرها دائما لو. " لو أن البحر بيسارة فكم يحتاج من زيت الزيتون؟ لو أملك جهازا يتعقب الظلام لأجبت عن السؤال: أين يختفي الظلام عندما نوقد شمعة؟ من أين لك هذا الاسم العجيب لولو؟.. لم يكن يعرف السيد لولو متى انقلبت صورته...
لَبِسَ الشاعرُ اللُّغةَ… فاستفاقَ العالَمُ حديقةً خلفَ قلبِه. كلّما ضاقَ المسارُ اقتطفَ لفظًا، ففاضَ العطرُ في دربِه. قال...
شُكرًا لفلسفةٍ لم تضعْ للسؤالِ أقفالَا وشُكرًا لأسطورةٍ أطلقتْ في الخيالِ آمالَا وشُكرًا لدينٍ هوَّنَ في دروبِ الحياةِ مِحالَا وأخرجَ الإنسانَ من ليلِه حينَ كانَ المُحالَا وشُكرًا لعلمٍ جعلَ من تجربةِ العقلِ دَلالَا كلُّ شكٍّ صارَ نورًا وبرهانَا وشُكرًا لشِعرٍ لم يُقَيِّدْ نبضَ قولٍ أو مَقالَا...
في داخلي/داخلك يسكنُ شخصٌ يعرفُ كلَّ شيء، حكيمٌ حدَّ القسوة، صامتٌ حين أحتاجه، فصيحٌ حين أسقط. أين كنتَ وأنا أتعثّرُ في أوّلِ الدروب؟ لماذا اختبأتَ حين ضاقَ بي الطريق، وتركتني أفاوضُ الخوفَ وحدي؟ لا تظهرُ إلّا بعد الهزيمة، تأتي متأخّرًا، مرتديًا قناعَ الموبِّخ، تحملُ دفترَ الأخطاء، وتقرؤه عليّ...
يُحكى ـ والله أعلم ـ أنّ قبائل الزوزو، في زمنٍ كانت فيه الشمسُ تُستشار قبل أن تشرق، كانت تُقدِّس المرآة كما يُقدَّس النبعُ الأول. لم تكن المرآة عندهم سطحًا يعكس الوجوه، بل روحًا صامتة؛ إن نظرتَ فيها رأيتَ ظلَّك لا ملامحك، لأنّ الوجه ـ كما يقول حكماؤهم ـ قد يخون، أمّا الظل فلا يكذب. وكانت نبوءةٌ...
في البدءِ كانتِ الريحُ، وكان بحرٌ يتقاطعُ فيه ظلامُ اللُّجَّة ببياضِ الإشراق. وكانت أمشاجٌ من رطبٍ ويابس تُصاغُ في رحمِ الأفق. وكان الماءُ / البحر، وكان الطينُ / البرّ. أمرتِ الريحُ البحرَ أن يمدَّها بالنوارس، وأمرتِ البرَّ أن يُفتّت الصخر حتى يصيرَ رمالًا. ثم أمرتِ النوارس أن تبيضَ على الشاطئ...
يدخل المجالس كما تدخل الموسيقى المفاجئة: بابتسامة لا تُغلق، وضحكة تعرف مفاتيح القلوب. ما إن يجلس حتى تبدأ النكات بالتطاير من فمه كالعصافير، وتتعاقب جمله الإيحائية فتوقظ الضحك في زوايا الوجوه النائمة. كان يصنع من الصمت عدوًّا صغيرًا ويهزمه كل مرة بقَهقهة عالية. كان الناس ينظرون إليه بإعجاب: يا...
كان يعرف أن للرقص جسدًا، وللموسيقى صوتًا، وللرسم ألوانًا. وحين دخل الأدب، لم يجد مادةً جاهزة؛ فأمسك الكلمات، جعلها ترقص، تغنّي، ثم علّقها لوحةً على جدار المعنى. ٠
كان ال؛ رجلاً نحيلًا من حبر، يقف دائمًا بين جملتين لا تصافحان بعضهما، يتلقى ما قبلَه كوجعٍ قديم، ويستقبل ما بعدَه كرجفةٍ مقبلة. لم يكن فاصلةً للراحة فقط، ولا نقطةً للنهاية، بل ممرًّا ضيقًا تعبره الذاكرة نحو ما يسببه الغموض من قلق. خلفه الماضي، مزدحمٌ بعلامات التعجّب!!!!!! تصرخ في وجهه كلما حاول...
إنّ قراءة قصيدةٍ شعرية، أو ديوانٍ كامل، ليست فعلًا تلقّيًا ساذجًا ولا انطباعًا عابرًا تُمليه اللحظة الوجدانية وحدها، بل هي ممارسة ثقافية وجمالية تستلزم قدرًا من الوعي المنهجي، حتى لا تتحوّل القراءة إلى تذوّق غائم أو إعجاب لا يستند إلى أسس واضحة. وقد عبّر الناقد الفرنسي رولان بارت عن هذه الفكرة...
أمشي على طريقٍ لا يتذكّرُ نفسه، طريقٍ يُعيدني إلى خطوي، ويُبعد خطوي عني، كأنني أثرٌ يكتبه الزَّبَدُ ويُلغيه الزَّبَدُ، ليعرفَ كم أحتملُ...
إلى من لم يحسم أمره بعد:قرية أم مدينة؟ إليكَ، أيّها المخلوقُ الذي صاغته الريحُ من ثلجٍ مرتجف، ومن رمادٍ خائفٍ لم يكتمل احتراقه. إليكَ، يا من غسلتَ يديكَ من الوجع،...
إهداء إلى عاشق المقامات المهدي ناقوس لم أكن أرى الشماعية بلداً، بل سؤالاً خرج من فم الأرض ولم يجد من يجيبه. ذات سنةٍ من الجفاف، شعرتُ أن هذا المكان لا يسكن الناس، بل الناس هم الذين يسكنون في رحِمِه مثل أجِنّةٍ معلّقة بين الولادة والعدم. فكّرت: أيمكن أن تكون الشماعية تجلّياً؟ لا بلداً… بل...
كان على كل مولودٍ في القرية أن يتعلّم كلمةً واحدة قبل الكلام: "بَعْ". لم تكن الكلمةُ لفظًا عابرًا، بل سِرّ الانتماء، وختم الطاعة، ورمز الدخول في حضرة الجماعة. بها يُفتتح الحديث ويُختتم، وبين أنفاس المتكلمين تتردّد كفواصل للدهشة والتفسير، حتى غدت ميزان الطلب والعرض، ومفتاح القبول والرفض. بل إن...

هذا الملف

نصوص
35
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى