موسى مليح - الشماعية… مقام العطش

إهداء إلى عاشق المقامات المهدي ناقوس


لم أكن أرى الشماعية بلداً، بل سؤالاً خرج من فم الأرض ولم يجد من يجيبه.
ذات سنةٍ من الجفاف، شعرتُ أن هذا المكان لا يسكن الناس، بل الناس هم الذين يسكنون في رحِمِه مثل أجِنّةٍ معلّقة بين الولادة والعدم. فكّرت:
أيمكن أن تكون الشماعية تجلّياً؟
لا بلداً… بل مقامًا من مقامات السير إلى الحقيقة،
هنا جيكور أخرى؛
غير أنّ النهر لا يجري ماءً بل سرّاً مالحاً اسمه العطش.
ومن لم يُقم قدّاسه على ضفاف زيما الظمأ،
لن يفهم يوماً كيف يتكلم هذا البلد.
الشماعية سرّ من أسرار العطش.
من لا يفهم العطش، لا يفهم البلد.
ومن لا يفهم البلد، لا يفهم نفسه.
قلت: هنا يجتمع ما تفرّق في الخرائط،
فالمكان ليس بيتًا… بل معنى،
وليس أطلالاً… بل ابتلاءًا.
الشماعية ليست هامشًا، بل مرآة تُظهر أن كل المدن الأخرى مجرد أقنعة تُخفي الهامش الأكبر:
الإنسان الناقص الوجود.
وقف شاب حمري بجانبي فقال:
– إن كنت تراها مقامًا… فافتح باب الولاية.
فجلستُ كما يجلس المريد حين يسمع نداء البدايات،
ومددت بصري في الوجوه كمن يبحث عن أثر الطريق لا عن رفقاء الدرب.
قلت:
قبل الدخول إلى السرّ… علينا أن نسمع صوته.
مضيت نحو حارسة الأسرار الباشوية فوجدت لوحة تقول: وسط المدينة.
بحثت عن الوسط… فدلّني الغياب على نفسه.
المدينة لم تكن في المكان،
كانت في ما لا يُرى.
الوسط هنا قلب مستتر،
لا يراه إلا من ذاق أول جرعة من العطش.
رفعت صوتي:
«شماعية».
فأجابتني الطيور كالمؤذّنين من سماء أخرى:
«شماعية… شماعية…»
لم ترتفع الكلمة…
بل تجسّدت.
الاسم لم يعد نطقًا، بل كشفًا.
الطيور لم تطِر هاربة…
بل صارت رسلاً تنقل سرّ البلدة إلى الجهات الأربع:
أن هنا، في هذا الموضع المنسيّ،
يتجلّى الامتحان الأعظم:
كيف تكون إنسانًا، حين لا يراك أحد؟
وفي كل ربيع، لا تعود الطيور فقط،
بل يعود الامتحان.
تبيض الكلمة من جديد،
كأنها آية:
«من فهم المكان… فهم نفسه».
ومن لم يفهم، مكث في العطش وهو يظن نفسه يشرب.
الشماعية ليست مدينة،
إنها زاوية بلا شيخ،
وطريق بلا خرائط،
وتربية بالصمت لا بالكلام.
من دخلها طاف حول نقصه،
ومن خرج منها حمل رماد الحلم في جيبه دون أن يدري.
ازدادت قِبلته اقتراباً منه،
فيقيم صلاته على محراب غيابها،
يوقد شموع العشق،
ويبلغ بأشواقه أعلى تجليات التعبّد.


* مقهى ميلانو /الشماعية.



1761126323367.png


1761126783249.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى