إبراهيم محمود - الحنين إلى المكبوت " قراءة أولية لما بين الداخل والخارج في مسيرة قرن ونصف "

كل الثورات في المنطقة، ودون استثناء فشلت في تحقيق الحد الأدنى من التنمية وفي المجالات كافة، وبقيت، وما زالت مفاهيم ذات صلة بالمثار: الوطن، الشعب، القومية، الدولة من بين أكثر المفاهيم استهجاناً واغتراباً عن حقيقتها واتجاراً بها داخلاً- خارجاً.
إن تحدثنا عما يُسمى بـ" الثورة العربية الكبرى " وضلالة التسمية رقعة وزماناً وتفعيل أثر واعتباراً، نجد أن المحقَّق هو المزيد من ظهور الطغاة والمستبدين في السلطة، والذين لا يتوانون عن ممارسة كل صور العنف ضد بعضهم بعضاً وضد شعوبهم وفيما بينها " ضمن بطانة السلطة الواحدة "، فلا هناك ما يُسمى- أيضاً- بـ" الوطن العربي " تحقق، بالعكس، جرت صراعات ذات خلفية تاريخية ومؤثرات اثنية، ومازالت أوهام " الماضي المجيد، وعظمة الأجداد، وخرافة المنجز الحضاري تتملك الذين يتزعمون ثورة كهذه، وكل الثورات المحلية التي أعقبتها، لتكون القومية مضحى بها مضموناً، ولتبرز المسماة بـ" الثورات الوطنية " ضد المستعمرين امتداداً للوهم الأول، فهي لم تطرد الاستعمار، إنما جاء الاستعمار وبعد فقْسه لكم كبير من البيوض الفاسدة وفي بيئة مهيئة، خرج منها أذنابه ومن يمشون في ركابه، ودائماً باسم الوطن والشعب والقومية والدين، وأودعهم الاستعمار ما يلزم ليكونوا ألد عداء، وأكثر سمّية في النفوس والرؤوس، وتهيئة لتخريج أجيال من القادرين على تفتيت المزيد في المجتمع، فلا الذين يبارَكون باعتبارهم زعماء، أو بوصفهم أبطال الثورات التحررية وحربهم المزعومة على المستعمرين، والفساد في المجتمع، ولا الذين ادَّعوا أنهم خرجوا من أوساط الشعب ليكونوا من خلال مكبوتاتهم السياسية في بعض الحالات أكثر إيذاء لمن كانوا وراء صعودهم قادة وأبطالاً، ولا الذين نتابعهم الآن هنا وهناك، وباسم " ثورات الربيع العربي " كانوا في مستوى الحد الأدنى مما يشهّرون به، إذ كيف يمكن الحديث الآن عن الأوطان وقد أصبحت قاعاً صفصفاً، وكيف يكون هناك أمان وسط انفجار الأحقاء الوبائية ؟ ولا كان هناك ذلك المدد المدروس والذي ينطلق من سوية النفوس وسلامة تفاعلها مع محيطها، والارتقاء إلى مستوى المنشود.
طبعاً، حتى بالنسبة لدول الجوار، كما في حال تركيا، التي تعيش وباء البارونايا السياسية والنسَبية المبتدعة، وتشهد يومياً مذابح بالجملة والمفرق، ليكون تاريخها وبامتداد أكثر من قرن تاريخ التصفيات، ودائماً باسم " نظرية اللغة- الشمس " التي اختلقها مصطفى كمال أتاتورك، وليكون التالون عليه، أحفاداً، ومن يسعون لخطف صفة " السلف " من السابق، متحمسين لتطبيق الطرق التي تفتت في المفتَّت هنا وهناك، وكما في حال إيران بدورها، إذ ما الذي يمكن أن يُرى في الجغرافيا السياسية الإيرانية غير اللون الأحمر وأعواد المشانق ضد المعارضين، وليمتد هذا الداء المفترس إلى دول الجوار وأبعد، وليضطرد خراب البلد أكثر فأكثر.
آتي على نقطة مفصلية أخرى، وأراها أكثر مدعاة للنظر فيها ودراستها في بنيانها الحركي، القيمي والتاريخي، وهي التي تخص ما شهدته المنطقة " سأقتصر على العربية، وما في نطاقها " من تيارات ومذاهب أدبية وفكرية ومرجعياتها، وكيف أنها فيما أفصحت عنه، لم تستطع تأكيد هويتها الفردية، أو إبراز تلك الحرية الواعية والتي يتقابل فيها الداخل والخارج، إنما كان للمكبوت ذي العائد السلطوي، البطرياركي ذلك المردود المريع جهة التمثيل اللغوي .
وربما كان الذي نتلمسه في السنوات الأخيرة وعبر المسمى بـ" وسائل التواصل الاجتماعي " وصفحات الفيسبوكات العائمة على بحيرات الرغبات المستنقعية، وهي تدفع بالقار فيها إلى السطح لتنشر رائحتها الخانقة في الجهات الأربع، ودائماً باسم حرية التعبير، وفي الوقت الذي نجد أن الكثير من الداخلين حديثاً في ميادين الكتابة، موزعين في أوطان ليست أوطانهم، وينطلقون من تصورات ومواقع متشكلة، تعبيراً عن زعاماتية من نوع آخر، ليكونوا الوجه الثالث للمجتمع: مجتمعهم/ مجتمعاتهم، حيث نشهد وبشكل لافت ورهيب بروز موجة مفخخي الأجساد، والحرية من دون حدود، والوعي المقلوب على أمره، انتقاماً من كل شيء، لقول كل شيء، وما فيه من ريبة المفهوم، وأعني بذلك بالنسبة للمرأة والرجل، إطلاق العنان للتعابير الأكثر سفوراً، وضخ صور هائلة، ومن دون ضبط أو بلا هوادة، لتلك المكبوتات في باب التجديد والإبداع والتحرر واللحاق بالآخرين ممن عاشوا أطوار أزمانهم والتصقوا بأمكنتهم " في الغرب طبعاً "، سواء في أفواج من الروايات وهي تأتيك من " فجاج " عميقة، بطباعة أنيقة، أو تجارية، أو بصيغة الكتاب الالكتروني، أو عبر صفحات فيسبوكية، أومواقع خاصة عامة، وما في ذلك من انفجار" ذرّي- نووي " للمكبوت والسوء الأعظمي لمعناه ومبناه، فنقرأ ليس جملاً أو عبارات أو مقاطع أوصفحات وإنما ما يشغل كتباً، وبأسماء مباشرة ومشتقاتها، كما في حال: اقضيب، الفرج، الإير، الكس، البظر، الدبر، الطيز، الأست، المؤخرة، النيك، المني، تمجيد اللواط بدعوى الحرية الموازية للجاري في الغرب، والسحاق، والتجلي بذلك، والاستحمام بالمني، وتفخيم دس اللسان في الكس ولعقه، وتعظيم الخير من خلال إحالة الفم إلى فرج، ولحسه، فلا يعود هناك من تحديد موقع للدبر أو الفرج أو القضيب، لا يعود هناك من إمكان تحديد نوع الجنس بالذات، عندما يغدو فم الناكح والمنكوح فرجاً، ويصبح لسان الفحل المستحدث قضيباً، ويغد فم المرأة " المتحررة " فرجاً خصماً لفرجها الرئيس، وربما هجرانه،ربما أيضاً، بدعوى أنه يذكّر بالتاريخ الطويل للإستبداد الذكوري، إلا في الحالة التي ينقلب فيها لسان " المتحرر " إلى قضيب، ويهجَّر قضيبه هو الآخر، أو يكون هناك وصل بين اللسان المتحوَّل مهاماً والقضيب المتنحى وظيفة، وما في ذلك من تغيير كلي لأدوار الأعضاء ذات الصلة بكل من الذكر والأنثى، ولتتدفق نصوص تحت مسمى الشعر الإباحي- الإيروسي، الفضائحي والتهليل لها، وتحت عناوين مباشرة: نيكية، دبرية، فرجية، كُسّية، منوية...الخ، تأكيداً على أن مجرد تهجئة أحدهم لاسم " إيره " أمام ملأ معين، أو إيداع اسمه كلاماً صيغ نصاً ماً، ليؤمّم شخصية اعتبارية في ذاته، وهذا ينطبق على المرأة وهي تزاحم نظيرها الآخر في التنظير والتكبير لبنات جنسها، وقد رفِع الغطاء عن المكبوت، وبنوع من التنافس مع بنات جنسها لإثبات ريادية" سفلية " من نوع آخر، والتكبير الفرجي لجسدها، أو للمسار الانعطافي الذي سلكته وتسلكه، بوضعية سَيلية، وبالتالي، فإن كلمة " مَنْيَك " التي كانت تستخدم لذم أحدهم والنيل منه، باتت فضيلة، و" منيوكة " باتت " فضيلة " هي الأخرى، ليختلط " كس الأم "، مع " إير الأب "، وربما سيجري قريباً التقدم بدفعة ثانية من هذه " الثورات السفلية " أعني بذلك: تعظيم سفاح القربى، حيث يشهِر أحدهم طريقته وهو يتلذذ بأخته، أو بأمه، أو بأبيه، أو بأخيه، أو بالعكس، وهكذا تتصرف المرأة، أو الأنثى، في محاولة مزعومة بالتخلص من الفروقات، فتطلب اللذة من أبيها وتواقع أخاها أو عمها، أو ابنها، فلا يكون ثورياً إلا حين " يتأير- يتكسس، يتمنيك، يستمني في الهواء الطلق، وفي أمكنة مختلفة.
...هل هذا جنون أم تجنٍّ، أم خروج عن " الأدب "؟ إن استمر الوضع على هذا الحال، فانتظروا سوء المآل!
نعم، هؤلاء في الحالتين لا يختلفون قطعاً عن أولئك الذين يصنَّفون بقادة الثورات، والزعامات المحلية، والأشراف في جماعتهم أو الأعيان في طوائفهم...الخ، بمقدار ما يفصحون عن هدْر المعنى إجمالاً فيما اختاروه وفيما انخرطوا فيه، وهم بصورهم ذات الدلالة: الاستعراضية، وطابعهم الدعوي المريع، وكما يبدأون سريعاً سينتهون سريعاً، سوى أن الفارق الوحيد ربما هو ما أسهم أولئك، وكما يسهم نظراؤهم المعاصرون في تخريب البلاد والعباد خارجاً، وما يسهم هؤلاء : ثوريو الإباحية في تخريب الجسد وتفجيره، ذلك من شأنه التأكيد على ما نوَّهت إليه وهو: الحنين إلى ما كان، لنكون أكثر أهلية لما نحن فيه، قبل مجيء الطوفان .


إبراهيم محمود

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى