نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبد القادر وساط - اتحاد شعراء نجدان

نشر: نقوس المهدي · ‏3/7/18 ·
  1. أرقَ طاغية ُ نجدان، ذات ليلة، ولم يدر ما يفعل، فجلس على حافة سريره وتناول ورقة وقلماً، وبقي يعبث بالقلم بين شفتيه وهو لا يعرف أي شيء يُخُطّ على الورقة، إلى أن تذكرَ أنه غاضب على فئة خاصة من الشعراء، فكتبَ عندئذ رسالة موجزة إلى وزير الشعر، جاء فيها:
    " وزيرَنا في الشعر، اعلم حفظك الله أننا اتخذنا قرارا باعتقال كل شاعر يرفض الانتماء إلى اتحاد شعراء نجدان. فإذا وصلتْك رسالتُنا هذه، فابعث مناديا في الناس، يحثهم على مطاردة الشعراء الرافضين لهذا الانتماء، ويُخبرهم أنني جعلتُ جائزة بالعملة الرومية، قدرها عشرة آلاف أورو، بالتمام والكمال، لكل مَنْ ألقى القبض على واحد من أولئك المناكيد، الذين أدركتْهم حُرفة الأدب، وغلبَ عليهم حبُّ الفوضى والشغَب. واعلم، رعاك الله، أن هذا القرار الذي اتخذناه في ليلة أرق، كما جرت عليه عادتنا منذ القديم، سيعود على نجدان بالنفع العميم."
    فلما وصلت الرسالةُ، وشاع خبرُ الجائزة بين الناس، حدثَت فوضى كبيرة في مجموع البلاد، من صحراء الكثيب إلى عاصمة نجدان، وصار الشعراء " اللامنتمون للاتحاد " يهربون إلى الأصقاع البعيدة، خوفاً من المجرمين الطامعين في جوائز الطاغية.
    فمما يُحكى عن تلك الفترة العصيبة أنّ جماعة من الأشخاص قبضوا على شاعر جاهلي، بعد أن رشقوه بالسهام، ثم أوثقوه وجاؤوا به إلى ابن علي. فلما رآهم الطاغية، بادَرَهم بالسؤال :
    - من هذا الرجل ومن أين جئتم به؟
    فتقدم أحدهم وحياه بتحية الطغاة، ثم قال:
    - يابن علي، هذا شاعر من الفرسان، يدعى بشْر بن أبي حازم، جئنا به من زمن الجاهلية، حيث كان يختبئ بجبال النسار، غير بعيد عن ديار بني عامر. وهو شديد البطش، لا يقوى عليه أحد، ولكن الله أظفرك وأظفرنا به، بعد أن عرفنا أنه لا يحمل بطاقة الانتماء المطلوبة، وها نحن قد حملناه إليك، فانظر في أمره، ثم افعل به ما تشاء، ولا تحرمنا -أبقاك الله - مما وعدتَنا به، فإنه لم يسبق لنا أن لمسنا عُملة َ( الأورو) بأيدينا هذه ...
    فلما سمع ابنُ علي ذلك الكلام، نظر طويلا إلى الشاعر الأسير، ثم التفت إلى أولئك الذين جاؤوا به وقال لهم:
    - اعلموا أيها الجهلة الأجلاف أنكم لن تنالوا الجائزة الموعودة، لأنكم أخطأتم في اسم هذا الشاعر، حين قلتم " ابن أبي حازم"، وهو تصحيف. والصحيح هو " ابن أبي خازم." وأنتم تعلمون - أو ربما لا تعلمون - أن قانون نجدان يعاقب المصحفين بثلاث سنوات في الكثيب. ومهما يكن، فلا أحد يُعذر بجهله لقانون التصحيف في نجدان.
    ثم إن الطاغية أشار إلى رجاله، فانقضوا على أولئك الأعراب بسرعة البرق، وقيدوهم واقتادوهم إلى الخارج. إثر ذلك، نظر الطاغية إلى بشْر، وخاطبه قائلاً:
    - يا بشر، لَوددتُ أنك لم تركب رأسك ولم ترفض الانضمام إلى اتحاد شعراء نجدان. ولو أنك انضممتَ إلى هذا الاتحاد لفزتَ فوزا عظيما، ولنعمتَ بالأسفار إلى البلدان البعيدة، وبالإقامة في الفنادق الفخمة، ولكنك آثرتَ حياة الوحشة في القفار، بين العيس واليعافير والأبقار. ويشهد الله - يابن أبي خازم - أني أحببت شعرك منذ صباي. بل إني ما زلت حتى يومنا هذا - حين أكون رائق المزاج - أترنم مع نفسي ببيتك الجميل:
    و في الأظْعان آنسة ٌ لَعوبٌ = تَيَمّمَ أهْلُها بلداً فسارُوا
    وهذا البيت من المفضلية التي مطلعها:
    ألَا بانَ الخليطُ و لمْ يُزاروا = و قلبُك في الظعائن مستعارُ
    ومن أبياتها التي تكاد تشفع لك عندي:
    فيا للنّاسِ للِرّجل المُعَنّى = بطُول الدهر إذْ طال الحصارُ
    ومنها:
    لياليَ لا أطاوعُ مَنْ نَهاني = و يضفو فوق كعبَيَّ الإزارُ
    فلما سمع بشر كلام الطاغية، ابتسم و قال له:
    - يا طاغية نجدان، لقد بلغني أن المفضل الضبي - وهو، كما تعلم، كوفيٌّ جاء بعدي بزمن طويل - قد أثبتَ أربع قصائد من شعري في مختاراته المعروفة عندكم بالمفضليات. وأما الأصمعي البصري، فلم يُثبتْ لي ولا واحدة في ما اختاره من قصائد القدماء.
    قال الطاغية:
    - أجل يا بشر، لقد أثبت لك المفضل في كتابه أربع قصائد، وأنا أحفظها كلها، ومنها واحدة ذكرتَ فيها الكثيب، إذْ قلتَ في مطلعها:
    ( عفَتْ منْ سُلَيمى رامةٌ فكَثيبُها = و شطّتْ بها عنك النوى و شُعوبُها )
    وأنا لا أحب هذه القصيدة، بل أفضل عليها ميميتك على الوافر، التي تقول في مطلعها:
    أحَقٌّ ما رأيتُ أمِ احتلامُ = أمِ الأهوال إذْ صحْبي نيامُ ؟
    ومن أبياتها البديعة قولك عن محبوبتك إدام:
    و قدْ تَغْنى بنا حيناً و نَغْنى = بها و الدهرُ ليس لهُ دوامُ
    ومنها قولك في وصف الخيل:
    أثَرْنَ عجاجةً فخرجْنَ منها = كما خرجتْ منَ الغرَض السهامُ
    وقولك عن الأعداء:
    و قالوا : لن تُقيموا إنْ ظَعَنّا = فكان لنا - و قد ظَعَنوا- مُقامُ
    فلما انتهى الطاغية من كلامه، أطرق بشر بن أبي خازم قليلاً، ثم قال:
    - ولي بائية وددتُ لو أن المفضل أثبتها في مختاراته، وهي تلك التي أذكرُ فيها ابنتي عُميرة، وأرثي فيها نفسي، بعد أنْ رشقني الغلام الوائلي بسهم قاتل، وفيها أقول:
    أسائلةٌ عُمَيْرةُ عنْ أبيها = خلال الجيش تعترف الركابا
    تُؤَمّلُ أنْ أؤوبَ لها بنهبٍ = و لم تَعلمْ بأن السهمَ صابا
    فإنّ أباكِ قد لاقى غلاماً = منَ الفتيان يلتهب التهابا
    و إنّ الوائليّ أصابَ قلبي = بسهم لم يكن نكساً لغابا
    فرَجّي الخيرَ و انتظري إيابي= إذا ما القارظ العنزيُّ آبا
    فلما انتهى بشر من إنشاد قصيدته، التفتَ الطاغية إلى صاحب شرطته، وسأله إن كان يعرف من هو هذا القارظ العنزي الذي يتحدث عنه الشاعر، فلما أجابه بالنفي، غضب منه غضبا شديدا وقال:
    - ويلك! كيف تكون صاحبَ شرطتي ولا تعرف هذا الشخص الذي خرج ولم يعد، فصار مثَلا لكل من لا يُرجى إيابُه؟
    ثم إن الطاغية أمرَ بوضع صاحب الشرطة في زنزانة الاعتقال الاحتياطي ريثما يَرى في أمره. وبعد لحظات قليلة، أمر بوضع الشاعر الجاهلي في الزنزانة نفسها، حتى يتسنى لصاحب الشرطة أن يَعرف منه من يكون هذا القارظ العنزي.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..