من احمد بوزفور الى عبدالقادر وساط

وبمناسبة أمية بن أبي الصلت الثقفي، فقد قال أبوه: أبو الصلت في معرض حديثه عن سيف بن ذي يزن:
( أتى هِرَقْلَ وقد شالت نعامتُه = فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة = من السنين، لقد أبعدتَ إيغالا )
وقبله كان جساس بن مرة قد قال لمهلهل في حرب البسوس:
( تبكي كليبا وقد شالت نعامته = حقا ، وتضمر أشياءً تُرَجّيها )
وفي سيرة ابن اسحاق أن هوازن لما سُبيت وغُنمت أموالهم بحُنين قدمت وفودهم على النبي صلى الله عليه وسلم تطلب الصفح، وقال شاعرهم زهير بن صرد يخاطب النبي من قصيدة:
( لا تجعلَنَّا كمن شالت نعامتُه = واستبق منا، فإنا معشر زُهُرُ )
وكان الأخطل قد قال في البداية قبل أن يغير موقفه:
( إني قضيتُ قضاءً غيرَ ذي جَنَف = لما سمعتُ ولما جاءني الخبرُ
أن الفرزدق قد شالت نعامته = وعضّه حيةٌ من قومه ذكرُ ).

***

والطريف أن بعض الشعراء المحدثين استعملوا في شعرهم هذا التعبير القديم نفسه، فقال معروف الرصافي في رثاء العلامة محمود شكري الألوسي صاحب ( بلوغ الأرب.. )، وكان قد مات بعيد رمضان:
( يامن بشوّال قد شالت نعامتُه = نغّصتَ بالحزن شهر العيد شوّالا )
وقال مصطفي التل متغزلا:
( ليلاي قيسُكِ قد شالت نعامتُه = إلى فلسطين من غور ابن عدوان
هلّا تجمّلت ياليلى وقلت له = مع السلامة، إن الدرب سلطاني )
ويقول شاعر موريطاني في معرض حديثه عن الشاي وعن ( قيّام ) يعرف كيف يقيمه:
( أتاي يوسف لا شالت نعامته = نعناعه أبدا يفوح رياه
كأن برّاده في دور أكؤسه = من تحت مشكاته في الليل رؤياه )

***

ويبدو أن عبارة ( شالت نعامته ) كناية عن الموت والهلاك لأن من مات ارتفعت كما يقولون رجلاه وظهرت نعامة قدمه شائلة. والنعامة هنا هي باطن القدم.. وبهذا المعنى ربما يقول عنترة لصاحبته، وقد حاولت دفعه لبيع فرسه أو التقليل من عنايته به:
( لا تذكري فرسي وما أطعمتُه = فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الرجال لهم إليك وسيلة = إن يأخذوك تَكحلي وتخضبي
ويكون مركبُك القعودَ وحدجه = وابن النعامة عند ذلك مركبي )
أي أن أعداءه لو هاجموا الحي لسبوا المرأة وأركبوها في هودج. أما عنترة فلو باع فرسه لركب في المعركة ابن النعامة أي لفر على قدميه. والعبارة كناية أيضا عن التفرق.. وعن الهزيمة.. وعن الضعف.

***

والنعامة مجال واسع من الدلالات يجمعها ربما، وعلى غرار منهج المقاييس، رابط الضعف والخوف والهزيمة والهلاك.. ولا أجد ختاما لهذا الدخول المتطفل على حديث حكيم بن عبد الله بن وهب الجميل أحسن من حكاية عمران بن حطان مع الحجاج, وعمران شاعر من قَعَدَة الخوارج كان الأخطل يقدمه على شعراء عصره ويعلل ذلك بقوله: ( لأنه قال وهو صادق، فكيف لو كذب كما يكذبون ). طلب الحجاج عمران فهرب منه واختبأ، فلما سمع أن الثائرة الخارجية ( غزالة الحرورية ) قد دخلت الكوفة على الحجاج فهرب منها وتحصن في قصره... كتب إلى الحجاج:
( أسدً عليّ وفي الحروب نعامةٌ = ربداء تجفل من صفير الصافر
هلّا برزت إلى غزاةَ في الضحى = بل كان قلبُك في جناحي طائر ).


1.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى