من أحمد بوزفور إلى محمد علي الرباوي

ياصديقي العزيز سي محمد. أستميحك العذر في أن أدع يونس بالبصرة.. لكن أية بصرة؟ إذا تركنا البصرة المغربية للسياسة والسياسيين.. فالبصرة النحوية بصرتان:
1 ــ بصرة المتشددين في القياس من أمثال عيسى بن عمر وشيخه عبد الله بن إسحاق الحضرمي الذي كان يلحن ويخطّئ حتى الشعراء الجاهليين، فلقد خطّأ النابغة في قوله:
فبتّ كأني ساورتني ضئيلة = من الرُّقش في أنيابها السم ناقع
وقال: كان ينبغي أن يقول ( ناقعا ) بالنصب. وله مع الفرزدق جولات، فقد كان مولعا بتتبع ما يعتبره أخطاء الفرزدق في النحو، وكان الفرزدق يسخر منه حتى لقد قال فيه:
( فلو كان عبد الله مولى هجوته = ولكن عبد الله مولى مواليا )
فلما بلغ البيت الحضرمي قال: أخطأ مرة أخرى حين قال ( مواليا )، والصواب ( موال ). هذا التيار البصري كان يؤسس القواعد المثلى للنحو. القواعد التي لا يخرقها أحد ( كأنها قواعد أمريكية ). والغريب أن يحاسبوا بها الشعراء قبلهم دون أن يراعوا القدم من جهة واختلاف لغات العرب من جهة أخرى. جاء عيسى بن عمر إلى أبي عمرو بن العلاء غاضبا فقال له: ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز ( ليس الطيبُ إلا المسكَ )، قال أبو عمرو: نمتَ وأدلج الناس. ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، وليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع.

***

2- والتيار الثاني تيار البصرة المنفتحة التي تقبل اختلاف اللغات، وتؤسس نحوها على الشعر لا على المنطق، وزعيماها غير منازعين الشيخ أبو عمرو بن العلاء وتلميذه النابغة يونس بن حبيب. ولذلك كان يونس شيخ سيبويه زعيم النحو البصري وشيخ الكسائي والفراء زعيمي النحو الكوفي في الوقت نفسه. وكان يونس جسرا بين أبي عمرو وبين هؤلاء جميعا. وساعدته ذاكرته القوية حتى لقد قيل عنه: ( مثل يونس مثل كوز ضيق الرأس لا يدخله شيء إلا بعسر. فإذا دخله لم يخرج منه ) وكان مولعا بالمناظرة حتى لقد قال: ( ثلاثة أشتهي والله أن أُمكَّن من مناظرتهم يوم القيامة: آدم عليه السلام، فأقول له: قد مكّنك الله من الجنة وحرّم عليك شجرة، فقصدتَ لها حتى ألقيتَنا في هذا المكروه. ويوسف عليه السلام أقول له: كنتَ بمصر وأبوك عليه السلام بكنعان، بينك وبينه عشر مراحل، يبكي عليك، لمَ لم ترسل إليه: إني في عافية، وتريحه مما كان فيه من الحزن؟ وطلحة والزبير أقول لهما: عليّ بن أبي طالب عليه السلام بايعتماه بالمدينة وخلعتماه بالعراق. لِمَ؟ أي شيء أحدث؟ )

***

وياصديقي العزيز سي محمد. هذه جمعة مباركة تفتتحها لنا بـــ ( كوز النحو ) الذي طرحه النحاة... يونس الذي نبذوه بالعراء فناداك من ظلمات النسيان فأنيتَّ عليه هذه الشجرة من الفايسبوك. أما أنا - ولست نحويا فيعجبني نحوه المنفتح، ولكني رجل مهووس بالشعر والذكاء والظرف ويونس مبرز فيها جميعا ـــ فيعجبني بصره بالشعر. جاءه مروان بن أبي حفصة وهو من هو في الشعر فقال له: قد قلتُ شعرا أعرضه عليك، فإن كان جيدا أظهرتُه، وإن كان رديئا سترتُه. قال: قل ، فأنشده قصيدته التي يقول في مطلعها:
( طرقتك زائرة فحيّ خيالها = بيضاء تخلط بالحياء دلالَها )
فقال له: أَظهر، فأنت والله أشعر فيه من الأعشى في قصيدته:
( رحلت سميةُ غدوةً أجمالَها = غضبى عليك، فما تقول بدا لها )
قال مروان: سررتَني وسؤتني. سررتني لارتضائك الشعر، وسؤتني لتقديمك إياي على الأعشى. قال يونس: الأعشى قال في قصيدته:
( فرميتُ غفلة عينه عن شاته = فأصبتُ حبةَ قلبها وطحالَها )
والطحال لا يدخل في شيء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذلك.

***

ثم إنني لم أعرف عالما غير يونس يستقي الشعراء من نثره، فقد رووا عنه أنه قال: ( ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب، وما بلغت كنهه )، فقال بعده منصور النمري:
( ما كنتُ أُوفي شبابي كنهَ غريته = حتى انقضى فإذا الدنيا له تبعُ )
ودخل إلى المسجد يوما وقد أسنَّ وجاوز الثمانين، يعينه اثنان من تلاميذه، وهو يمشي بصعوبة، فقال له أحد معارفه: بلغتَ ما أرى يا أبا عبد الرحمن؟ فأجاب بمكر: ( هو ما ترى، فلا بُلِّغتَه )، فجاء بعده عوف بن محلم الخزاعي الذي دخل، وقد بلغ الثمانين من عمره وضعف سمعه، على أحد الأمراء ليمدحه، فسلم عليه الأمير فلم يسمعه، فلما أبلغه الناس قال للأمير:
( إن الثمانين وبُلِّغتَها = قد أحوجت سمعي إلى ترجمان )
دعا يونس على صاحبه بأن لا يبلغ الثمانين، ودعا عوف لصاحبه بأن يبلغها. ولكن أثر نثر يونس في شعر عوف واضح.

***

ويونس بعدُ، هو صاحب تلك المقولة الشهيرة في النقد العربي القديم. قال ابن سلام في طبقاته: سألتُ يونس النحوي عن أشعر الناس فقال: لا أُومي إلى رجل بعينه، ولكني أقول: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وكان يونس ظريفا وذكيا وماكرا أحيانا ككل عشاق الشعر. فقد وُلد في إقليم بفارس اسمه ( جَبُّل )، ولأنه كان يخفي مسقط رأسه هذا ويخجل منه، ويكره من يذكره به فقد أولع الظرفاء من تلاميذه بهذا ال (جَبُّل). جاءه أحدهم في بيته يوما فسأله: ( جَبُّل ) ينصرف أو لا ينصرف؟ فشتمه وطرده، فانتظر التلميذ حتى جلس الشيخ في الغد على منبره في المسجد يعطي درسه، فسأله على ملأ من الناس: ياشيخنا ( جَبُّل ) ينصرف أو لا ينصرف؟ فأجابه يونس ( الجواب هو ما قلته لك أمس )... وتابع درسه.


1.jpg

هذا النص

ملف
عبد القادر وساط ( أبو سلمى )
المشاهدات
120
آخر تحديث

نصوص في : غير مجنس

أعلى