محمد عباس على - كلاب المدينة.. قصة قصيرة

رأته .. تفجرت البسمة على شفتيها.. نسيت الورق الذى اتت من اجله ، الضيق الذى كان منذ لحظات يخنق انفاسها ، والطابور الذى لايبشر بانتهاء.. وتعلقت نظراتها به !

وجهه يتميز عن وجوه الكلاب التى تعرفها بصفاء جسده ونقاء بشرته التى تفوح منها رائحة نظافة .. مؤكد يأكل مالم تسمع عنه الكلاب الاخرى .. الطابور طويل بطول الملل الذى لاينفك يطاردها .. ينقبض ويتلوى كأفعى تلتصق بالرصيف ، بينما الشمس تتربص بالاجساد المتراصة ، وهى تنتظر دورا لايجىء .. تعاود شغل عينيها به.. يسير مختالا.. مرفوع الذيل كأنه اسد .. الطوق فى رقبته ناعم الملمس ، رقيق ، تمتد منه سلسلة

معدنية انيقة ، تقبع نهايتها فى يد متراخية تسحبها على مهل .

تنتبه للطابور ، على غير توقع يتحرك .. صارت اقرب من ذى قبل .. ترى الشباك الان

والرجل الجالس خلف القضبان الحديدية الخضراء اللون، والمنديل الكاروهات الذى يغطى صلعته .. عما قليل تسلمه الاوراق ، تتجاهل غلظته وتجهم وجهه الذى ينز العرق من خلاياه ، ودوران رأسه الخالى من الشعر،تتغاضى عن كم السباب الذى يسيل من زوايا فمه .. تسلمه الورق وتأخذ ايصالا بالاستلام وتمضى .. يقولون انه لايتسلم الاوراق الا ومعها خمسة جنيهات صحيحة تسلم له باليد ، يأخذها جهرا ويلقى بها متبرما فى صندوق من الورق المقوى فى نهاية مكتبه ،بجوار الجدار ، كل هذا وهو يلعن من اضطره للتعامل مع هذه النوعية من البشر يوميا.

تدير وجهها عنه مشفقة من لحظة مواجهتها له .. لن تعطيه شيئا .. مؤكد سيرميها بكلمة من العيار الثقيل ، وستضطر لتحملها من اجل خاطر الورق .ترتطم نظراتها بفسحة الطريق .. ترى الرجل يمسك السلسلة .. يرخيها ليعطى الكلب فرصة الحركة يمينا وشمالا .. يشدها اذ ا

رآه يحاول الخروج عن الدائرة المسموحة له ..الكلب لايستقر على حال .. يشم الارض .. يدور حول نفسه ..يرفع رأسه .. يرمق كلبا على البعد بائس الملامح مترب الوجه بغضب .. يحاول الوثوب اليه.. تعبس قسماتها وهى تراه يجاهد محاولا الوصول اليه

مكشرا عن انيابه ،معلنا عن نيته فى الفتك به ، مرسلا صيحاته هادرة فى الارجاء ..تبتعد بوجهها عنه .. الكلاب فى القرية لها شأن آخر .. تنتبه لنفسها وعينيى الرجل الضيقتين ترسلان نارهما الى قسماتها من خلف القضبان الحديدية الباهتة اللون .. مدت يدها بالاوراق.. قلب فيها باحثا عن المعلوم

هرولت يدها الى كيس نقودها .. ثلاثة جنيهات ضئيلة امامها .. لاشىء آخر .. ارتعشت نظراتها .. هى كل ماتملكه .. ستعود بها من حيث اتت .. هزها صوته الغليظ مستحثا .. امتدت اصابعها مرتعشة وسحبتها .. مدتها اليه

حدق فى خلايا وجهها المرتعدة بنظرات ذئبية البريق ، محاولا التفتيش فيما وراءها

هربت بعينيها رغما عنها الى الارض ، وقلبها فى فضاء صدرها يهرول هابطا الى ما لاانتهاء.. مؤكد سيلقى بالاوراق اليها .. ستعود لتأتى بالنقود .. تكابد الوقوف فى الصف وانتظار دورها من جديد و.. انتبهت له يترك الشباك .. يتجه بجسده الثمين فى خفة نحو الباب ومنه الى الطابور ..قبض على رسغها بيد والجنيهات الثلاثة فى اليد الاخرى وقد احمر وجهه الغارق فى عرقه وضاقت عيناه اكثر وارتفع صوت تنفسه ، اما هى فقد شعرت بجسدها يترنح ، وتنسحب المرئيات من امام عينيها فلا ترى الا ضبابا ، واطرافها تتثلج ،ولولا انه يمسك برسغها لتهاوت ارضا . دفعها الى رئيسه خلف المكتب المواجه للباب مباشرة صارخا : -

-هاهى امرأة والنقود بيدها ... لتصدقنى !

وتركه ومضى.. تأكدت العيو ن المتابعة ان هذه المرأة قد انتهت .. هى قضية لامفر منها يخزى بها العيون ويلهيها عن نفسه ويثبت بها انه برىء ، خاصة انه عاد الى الشباك وتسلم اوراقا اخرى ومعها المعلوم .

اعتدل الرجل من جلسة الاسترخاء التى كان يجلسها وحدق فى وجه المرأة الاصفرطويلا .. امسك الورق بيد والنقود بيد اخرى .. نظراته حادة .. صارمة ..لم يقل لها احد انهم سيقبضون عليها والا ماعرضت نفسها لهذا .. بحثت عن صوتها لتتكلم ، عن ريقها لترطب به جفاف حلقها ، عن اعصابها لتتماسك .. لم تجد شيئا من هذا .. قاسها الرجل بنظراته من اسفل الى اعلى .. اخيرا وبصوت بارد النصل سأل :

- هذه نقودك ؟

راودتها فكرة أن تنكر هذا .. تقسم انها لاتعرف تلك الجنيهات المتهالكة وليست لها بها صلة ولم ترها من قبل .. تذكرت الاعين التى تابعتها وهى تفتش كيس نقودها وتخرجهاهزيلة منه .. هزت رأسها متخاذلة بمعنى نعم واطرقت برأسها.

قال مؤنبا :
- الرجل يأخذ خمسة جنيهات ..يشقى ويعرق ويستحقها .. ماهذا البخل؟

الا تستحين ..؟

كانت السماء باهتة الازرقاق ، والشمس تميل عن قبتها غربا والغبار ركام فى الطرقات.. رجع بظهره الى الوراء متراخيا كما كان ، اما هى فلم تنطق بحرف!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى