إبراهيم العريس - «شاعرية المكان» لغاستون باشلار.. ما أحلى العودة إلى البيت

من المدهش أن من بين الألقاب والأوصاف الكثيرة التي أطلقت على الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، لا نلتقي الوصف الذي يليق به أكثر من أي وصف آخر: «فيلسوف الحميمية المطلقة»، فالحميمية لديه، في كتبه وأفكاره كما في مكامن تجديداته الفلسفية، تنطلق من أكثر الأماكن خصوصية في حياة الإنسان ولاوعيه: أي من الحلم، لتصل إلى البيت نفسه، بصفته الملاذ الحميمي الذي يعود إليه الإنسان دائماً مهما تبدلت به الظروف والتغيرات. من هنا ندرك كم أن للبيت في فكر باشلار شاعريته المطلقة، تلك الشاعرية التي يستنتجها هذا الفيلسوف والأديب الفرنسي، على الأقل في واحد من أجمل كتبه «شاعرية المكان»، حيث نجده في هذا الكتاب يوصل التحليل من ناحية إلى «بيوت الأشياء الصغيرة» وإلى الدواليب والخزانات الشخصية في البيوت، ومن ناحية أخرى إلى عش العصفور، والصَّدفَة وما إلى ذلك من أماكن صغيرة مغلقة يمكن أهلها أن يعيشوا فيها كل حميميتهم».

> وضع غاستون باشلار كتاب «شاعرية المكان» عام 1957، ليكون واحداً من كتبه الأخيرة، وهو في الحقيقة أراد منه أن يكون خاتمة لسلسلة كتب حول «الشاعرية» كان بدأها قبل ذلك بنحو عشرين سنة بكتابه الأشهر «سيكولوجية النار»، دارساً من خلالها الشعر وعلاقته بالحلم وبالإنسان الفرد على مدى الأزمان. بـ «شاعرية المكان» اختتم باشلار إذاً تلك السلسلة من الكتب، التي تضم نصوصاً أخرى، مثل «الماء والأحلام» (1942)، و «الأرض وأحلام يقظة زمن الراحة» (1996)، و «الأرض وأحلام يقظة الإرادة» (1948)... وما إلى ذلك. غير أن «شاعرية المكان» بقدر ما اختتم السلسلة، وسّع آفاق الأفكار التي طرحها باشلار فيها، إلى درجة أن هذا الأخير، بعد تأكيده أن كتابه هذا هو الخاتمة، عاد وأصدر بعد ثلاث سنوات كتابه الأشهر «شاعرية حلم اليقظة»، الذي أتى أشبه بخلاصة عامة للمشروع كله، معبّراً عن توسّع الأفق الذي كان جزءاً أساسياً من خاتمة الكتاب الذي نتحدث عنه.

> في بداية هذا الكتاب، انطلق باشلار ليحلل الكثير من الصور الشعرية التي تولدت لديه من خلال تأمله العميق للعناصر الأربعة: النار، الماء، الريح والتراب. وقد أوصله هذا التحليل إلى الاستنتاج أن الصورة الشعرية تختص بدينامية خاصة مرتبطة بما سماه «أنطولوجيا مباشرة»، موضحاً كيف أن الدراسة العميقة والدقيقة التي اشتغل عليها عبر كتبه الخمسة السابقة قادته إلى ضرورة استكمال هذا كله بدراسة حول ما سماه «عبور الذات»، وهي دراسة أمكنه بفضلها فقط أن يشرح تلك السلطة التي تملكها الصورة في مجال التأثير في أرواح أناس آخرين غير مبدع الصورة. وبالنسبة إلى باشلار كان لا بد لتلك الدراسة من أن تكون «ظاهراتية»، أي أن «تلتقط لحظة انطلاق الصورة في فعلها بالوعي الفردي». ومن هنا، يبدو الشعر في نهاية الأمر «تمظهراً للروح»، بمعنى أن الصورة التي هي في الأساس «صيرورة تعبيرية وسيرورة لكينونتنا» تصبح هنا التعبير الذي يوجد الكينونة. والحقيقة أن هذه الفكرة الأخيرة هي التي أوردها غاستون باشلار في خاتمة هذا الكتاب، ولكن كي يعود ويطورها في شكل شديد الثراء والإسهاب في كتابه التالي. ولأنه شاء ترك هذا الإسهاب الثري لـ «شاعرية حلم اليقظة» نجده في الفصول الأخيرة من «شاعرية المكان» يخلي المجال واسعاً لتحقيق يتحدد بما أطلق عليه المؤلف اسم «المكان أو الحيز السعيد»... أي في تعريفه الخاص، المكان الذي يُستحوذ ويصار إلى الدفاع عنه ضد القوى المعادية، الآخر في كل تجلياته. إن هذا المكان هو -وفق تعابير باشلار نفسها- الحيّز المحبوب، وقبل ذلك بالطبع الحيّز الحميم، الحيّز الملاذ، أي في كلمة أكثر بساطة: البيت، هذا البيت الذي نجده في حلم اليقظة وفي كتابات الشعراء، يظهر بصفته «مبدأً حقيقياً للاندماج السيكولوجي للعالم في داخل الأنا». والبيت الذي يحكي عنه باشلار هنا هو البيت في حد ذاته بأجزائه المتنوعة، والتي يصار إلى تقويمها بأشكال متنوعة أيضاً: الغرفة، القبو، العلية، المطبخ... إلخ. إن البيت يصبح في هذا السياق وفي هذا المعنى، في الوقت نفسه: الأصل، مسقط الرأس وحيّز المستقبل. إنه، في اختصار، البيت الذي نحلم به، يسكن أحلامنا، وإن كان وجوده المادي حقيقياً.

> حين يصل باشلار إلى هذا المستوى من التحليل نراه ينطلق انطلاقة جديدة حيث ينكب على دراسة تنطلق من الحاوي إلى المحتوى (أي من البيت إلى ما فيه)، هذا المحتوى الذي يعود ليصبح حاوياً بدوره. وهذا ما يوصله إلى «البيوت» أو «الحاويات» الصغيرة، كالدولاب والصندوق والخزانة التي «تحمل في ذاتها -ووفق تعبير باشلار دائماً- نوعاً من الجماليات الخبيئة». وهذا السياق هو الذي يقود المؤلف هنا إلى تخصيص الفصلين التاليين للحديث أولاً عن «عش العصفور» وبعد ذلك عن «الصدفة»، (حيث إن هذا الحديث يوفر له الانطلاق في دراسة شديدة الطرافة تتوقف عبر هذين الملاذين لـ «حيوان فقري» وآخر «غير فقري»)، عند دراسة أحلام اليقظة الإنسانية المرتبطة بـ «الحميميات المتخيلة» الهوائية، سواء كانت مرمية على الغصن أو مأسورة، مثل الرخوية داخل الصدفة التي تكاد تكون سجناً من حجر صلب. هنا، عبر حديثه عن هذه «الزوايا الحميمية» ينطلق باشلار في الحديث عن هذه الملاذات- المخابئ، حيث يمكن «الطفل» أن يتمدد ويعيش ويتأرجح كما يحلو له، مؤسساً البيت الخاص به، داخل البيت الكبير الذي يشكل جزءاً منه على أي حال. وباشلار حين يصل إلى هنا يشرح لنا، مؤكداً كيف أن كبار الأدباء والفنانين، لم يستنكفوا أبداً عن الحديث عن هذا الأمر، وغالباً بلغة شاعرية تصف بالتفصيل تلك العلاقة الشاعرية العميقة بين البيت- المخبأ الصغير وبين البيت الكبير، ما يذكّر بفصول وكتابات كثيرة يحلو لها عادة أن تتوقف عند ذلك العالم الصغير الذي يوجده الطفل لنفسه داخل البيت، جاعلاً إياه دائماً في منأى من العيون والآذان: داخل خزانة كبيرة، أو تحت درج داخلي أو تحت السرير، أو في العلية أو على السطح. إن هذا المكان يصبح، كما يقول لنا باشلار، عالماً خاصاً يمنح الطفل/ الشاعر حميميته ويعززها. وإذ يتحدث باشلار عن هذا، يتوقف عند تلك العلاقة التي تنطلق من هنا بين ما هو «مصغر» جداً، وبين العالم الكبير الذي لا حدود لاتساعه (والذي قد يكون بالنسبة إلى الطفل، الذي هو الشاعر الأول، البيت الذي يعيش فيه والذي لا يراه إلا صورة للعالم الكبير الذي يعرفه). وهذه العلاقة تشكل بالنسبة إلى باشلار تلك الجدلية بين المتناهي في الكبر والمتناهي في الصغر، والتي يقود استنتاجها الفيلسوف إلى أن يشرح كيف أن هذا كله يصبح في الشعر العلاقة الجدلية بين الخارجي والداخلي... وفي هذا الإطار نلاحظ كم أن هذا الغوص في الموضوع يقود باشلار إلى اكتشاف الصور تحت سطح الكلمات كعادته، هو الذي تشي كتاباته كلها في نهاية الأمر بكم أنه كان يريد أن يكون شاعراً قبل أن يكون فيلسوفاً.

> غاستون باشلار (1884- 1962) كان على أي حال فيلسوفاً على حدة في تاريخ الفكر الفرنسي، ومن هنا ظل على الدوام خارج التصنيف، حتى حين صار عضواً في مجمع الخالدين (الأكاديمية الفرنسية)، حيث عومل باحترام لم ينله أي مفكر آخر من جيله. وخروج باشلار عن التصنيف على هذا النحو، كان هو ما جعله يعتبر أستاذاً للوي آلتوسير، كما لميشال فوكو في الوقت نفسه، على ما بين الاثنين من فوارق جذرية. وتنوعت كتب باشلار، لكن قراءه تجاوزوا حلقات المثقفين المتخصصين وتلامذة الفلسفة، ما أضفى شعبية كبيرة على أعمال له، مثل «حدس اللحظة» (1932)، و «سيكولوجية النار» (1938)، و «فلسفة اللا» (1940)، و «جدلية الديمومة» (1950)... وغيرها من كتب أحدثت ولا تزال تغييراً أساسياً في العقول والأفكار، واعتُبرت على الدوام -حالها في هذا حال مؤلفها- خارجَ كل تصنيف وفكر أيديولوجيّ مسبق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى