نوال السعداوي - القانون والنقاب..

نهاية عام 1956، فى بيتنا بشارع الهرم بالجيزة، كنت طبيبة امتياز بالمستشفى الجامعي، قصر العيني، احتفلت أسرتى وزميلاتى بالعام الجديد، تألقت أمى فى الحفل كعادتها، كانت فى ريعان شبابها، بلغت التاسعة والثلاثين من عمرها، فى قمة الصحة والحيوية، ترقص وتغنى مع أم كلثوم، افرح يا قلبي، لكن، فى اليوم التالي، جاءت الى غرفتى شاحبة، لم أرها أبدا شاحبة، كانت دائما متوردة، باسمة مشرقة، كشعاع الشمس، أشارت بأصبعها الى نهدها الأيسر، قائلة: شوفى فيه إيه يا نوال. وانسحب الدم من رأسى الى قاع القدمين، كان الورم من نوع السرطان الخبيث، لكنى كذبت: مجرد كيس دهنى يزول بعملية بسيطة، عاد الدم الى وجهها وأشرقت ابتسامتها، أرسل أستاذ الجراحة بمستشفى قصر العيني، عينة من الورم إلى المعمل، تأكد أنه من النوع الخبيث، وأجرى عملية استئصال الثدى الأيسر مع الغدد الليمفاوية تحت الإبط، وشاركنى أستاذى الكذب على أمى خوفا على صحتها النفسية، وقد رآها شابة رقيقة الإحساس، تتفجر بالصحة والسعادة.



أفاقت أمى من البنج واكتشفت اختفاء ثديها الأيسر فبدأت الشكوك تراودها، لكنها أخفت شكوكها عن الأسرة وعن نفسها، كانت كلمة السرطان أشد رعبا من الموت، عاشت أمى عامين كاملين بعد العملية الجراحية، وكانت تبدو سعيدة، لكن المرض كان ينتشر فى جسمها، ثم ماتت مغموسة فى الألم يوم 28 سبتمبر 1958، كنت أسمعها تهمس فى الليل، بصوت مكتوم، ليه يا رب؟ لم تكمل السؤال أبدا، كانت تخشى أن تسأله عما يفعل، فالمرض إرادة الرب الأعلي.

لكن منذ سبعة آلاف عام كان الأطباء فى مصر القديمة يعالجون الأمراض بالأدوية والجراحات، وبرعت النساء المصريات أكثر من الرجال فى علم الطب والفلسفة والهندسة والفلك، وغيرها من علوم وفنون الحضارة المصرية القديمة، تعلم اليونانيون من المصريين، الطب والجراحة وعلم الأدوية، هكذا لم يؤمن أبقراط أبو الطب اليونانى القديم، أن المرض مشيئة القدر والرب، مثل العامة من الناس، الذين تصوروا أن مهنة الطب نوع من التمرد على الآلهة، وكانوا يسألون أنفسهم: كيف يمكن للطبيب أن يتحدى الإرادة الإلهية ويشفى المرض؟ وإن مرض أحدهم بمرض عضال يسأل الآلهة، لماذا أنا بالذات؟ يأتيه الرد فى سفر أيوب قائلا: إنها إرادة الرب، كان للأطباء المصريين القدماء كتبهم وأسفارهم، فلم يؤمنوا بالآيات فى كتاب التوراة أو العهد القديم، التى قلبت الأوضاع رأسا على عقب، فتحول العلم والمعرفة من فضيلة عظمى تقودها النساء الى خطيئة كبري، صنعتها المرأة ( حواء )، كانت المرأة المصرية محترمة ولها مكانة عالية فى الدولة والمجتمع، بل كانت إلهة العلم والمعرفة والحكمة (إزيس)، وكانت الإلهة سخمت نقيبة الأطباء، طبيبة ماهرة تعالج المرضى والمريضات ، مثل غيرها من الطبيبات والأطباء المصريين، الذين آمنوا بعلم الطب والعلاج، بل إنهم عرفوا علم التحنيط، واستطاعوا حفظ الجسم بعد الموت من التآكل والفناء.

والسؤال الآن هو :كيف هبطت المرأة المصرية من مكانة العلم والشرف الرفيع، الى أن أصبح وجهها عورة يغطى بالنقاب، فى يومنا هذا من القرن الحادى والعشرين؟

ماهى القوى السياسية الدينية، داخل مصر وخارجها، التى أهانت المرأة المصرية الى هذا الحد؟ لم تكن جدتى الفلاحة (والدة أبي)، فى قرية كفرطحلة، بدلتا النيل، عام 1899 تغطى وجهها بالنقاب، وكانت تتحدي، العمدة والملك والإنجليز مرفوعة الرأس مكشوفة الوجه، وكانت جميع الفلاحات المصريات، سافرات، مكشوفات الوجه، يشتغلن بالفأس فى الحقول الى جوار الرجال، فما الذى جلب لمصر النقاب والبرقع والحجاب؟.

أصبح موضوع النقاب مطروحا اليوم للنقاش فى مصر، بعد اكتشاف مآسيه وأضراره الخطيرة على المجتمع كله وليس النساء فقط، لكن أغلب النقاش يدور على السطح ولا يدخل الى العمق، ليكشف عن جذور المشكلة والأسباب الحقيقية، فى التاريخ البعيد والقريب، التى حولت وجه المرأة المصرية الى عورة ؟ ولماذا يعجز القانون المصري، حتى اليوم، فى نهاية عام 2018، عن تحريم النقاب؟


أعلى