أمل الكردفاني/ لقاء في البنطون - قصة قصيرة

- لكنك لا تعرف عني شيئا يا فاء...
قالت له فحار جوابا ؛ نظر إلى عينيها بارتباك ؛ ثم قال بيأس:
- أعرف أنني أحبك ألا يكفيك هذا يا ميم...؟

صمتت ودارت نصف دورة بجسدها لتراقب حركة المياه السمراء المندفعة عكس اتجاه البنطون ؛ كانت تتحاشى نظراته التي تنتظر إجابة...وحين مست أصابعه أصابعها أبعدتها وقالت:
- التقينا خمس مرات فقط في هذا البنطون فكيف تعرفني.. لا يكفي هذا للحديث عن الحب.
قال:
- عشر مرات وليس خمس.. ذهاب وعودة..
- أيا كان...أنا لا أعرفك ولا أنت تعرف عني شيئا..
- تعرفين كل شيء عني يا ميم...
- أعرف أنك أستاذ لغة عربية وانك ابن ناس.. ولكن لو كان هذا يكفي يا ابن الناس لكان الحب هينا عند سائر البشر...
قال والهيام يعصف برأسه:
- متى كانت حياة البشر منطقية يا ميم...
نظرت له بقسوة وقالت:
- حسنا.. ستذهب معي اليوم لتعرفني أكثر...عندما نلتقي في الأوبة ستكون معي.

***

كان الحمار الهزيل يمشي ببطء وهو يجر مسطحه الخشبي المعقور بعجلات قديمة. قرابة عشرين شخصا يجلسون على المسطح لينقلهم من النهر إلى القرية ، أطفالا وكبارا رجالا ونساء ومنهم فاء وميم.
كان الحوذي يعض أضراسه ويصدر صوتا متقطعا كصوت الوزغ ليحث الحمار على الإسراع. ورغم أن هذه الحركة لم تكن لتحفز الحمار بالفعل إلا أن الحوذي كان يكررها باستمرار ربما لكسر الصمت المحيط بهم. الحديث في الكارو يعد عيبا أو أنه يقلل من شأن المرء ، فركوب هذه العربة له تقاليده وهيبته التي تحاذي هيبة قاعة المحكمة....
العجلات تئن وهي تسحق الرمال ، والحوذي يطلق صوته والحمار يرفع أذنيه وعيناه مرهقتان..والطريق طويل.
تتمدد الأرض البور على جانبي الطريق الترابي وتتوزع عليها بيوت الطين الكئيبة كمقابر أثرية..هناك شجيرات شوكية متباعدة ، ثم السماء الزرقاء الخالية من السحب. ولا شيء أخر...
كان فاء يحاول الاقتراب من ميم..كان يهفوا لها لكنها كانت تبتعد عنه. ينظر لها فتشيح ببصرها بعيدا. يلصق أنمله بأنملها فترتد بكفها عنه... كانت قاسية وشفوقة في نفس الوقت..هكذا أحس فاكتفى بالأمل.

***

"تجهزن للفحص الطبي يا بنات" قالت حين أزاحت ستارة تغطي فوهة الصالة الطينية المعروشة بالسعف. كانت الفتيات راقدات بأوضاع مختلفة ، ولم يعرن التفاتا لفاء المتسمر ببله في وقفته. قالت إحداهن:
- الوضع غير مبشر يا جنقة...
كانت توجه حديثها لميم التي خلعت ثوبها ورمته على أقرب سرير خشبي قبيح جراء خرطه يدويا:
- ستتحسن الأوضاع...
ثم التفت إلى فاء وقالت:
- اجلس...
سألتها إحداهن بحذر:
- أليس زبونا...
قالت لهن وهي تغمز:
- بل حبيب...
صاحت إحداهن بصوت متهكم:
- جادة؟
فقالت ميم وهي تضع يدها على ظهر فاء:
- وحياتك..
انفجرت الفتيات ضحكا .. إحداهن ضرطت من الضحكة وأخرى دفنت رأسها في وسادة مكتوب عليها صباح الخير باللون الأحمر ومطرزة عليها أقحوانة بذات اللون.
نظر إليها وقال:
- حقا يا ميم؟ هل حقا أنا حبيب بالنسبة لك؟
نظرت إليه بخوف ثم قالت:
- ألم تر ماذا أعمل؟ أنا جنقة هذه الدار...
حاول إمساك يدها فارتدت عنه لكنه قال:
- لا يهم يا ميم .. لا يهم... هذا سيكون ماض..
أطلقت ضحكة وقالت:
- ماض؟! ولمن أترك مصير هؤلاء البنات؟
- لا أدري ولكن يا ميم .. عليك أن تتركي هذا العمل الشائن ونتزوج..سنبتعد عن هنا... سنبتعد إلى حدود القمر...
فكرت قليلا وقالت:
- عرضك مغر يا فاء لكن.. لكن أنت لا تفهم... أنا مرتبطة بالفتيات...حياتي هنا... عائلتي ورزقي ..
قال بشفتين مرتعشتين:
- ستعتادين على الحياة الأسرية المستقرة يا ميم..ستنجبين ونحيا كأسرة سعيدة...
نظرت إلى الفتيات بعينين متسعتين وقالت:
- سأنجب؟!!!.
انفجرت الفتيات ضاحكات ومرة أخرى ضرطت إحداهن ودفنت الأخرى رأسها في الوسادة المطرزة.
التفتت ميم إلى فاء وقالت بجدية:
- أنظر يا حبيبي... نعم أنا أحببتك لكنني لن أستطيع ترك عملي ولا منزلي.. ابحث عن فتاة محترمة... هناك فتياة كثيرات محترمات يتمنين شابا مثلك .. أستاذ لغة عربية محنك ...
صاحت فتاة بدهشة:
- محنك؟!!!
التفتت إليها ميم بغضب مصطنع وزرعت قبضتيها على خصرها ثم قالت:
- نعم محنك... ما الغريب في ذلك؟
انفجرت الفتيات مرة أخرى من الضحك وصاحت الفتاة التي تدفن رأسها في الوسادة:
- أرجوك لا تضرطي يا عين أرجوك..
ثم ضحكت وأكملت الفتيات ضحكهن...
قالت ميم:
- أنظر يا عزيزي... أنا آسفة .. لكنني حقا لن أتحمل ترك عالمي هذا... صحيح أننا نعاني هذه الأيام من قلة الزبائن لكن هذا لا يعني أن الأحوال لن تتحسن.. هي ظروف الحرب العالمية فقط..
طأطأ رأسه ليخفي دمعه ثم غمغم:
- وأنا يا ميم... ألا تكترثي لقلبي... أنت لا تفهمين.. فما أشعر به من حب تجاهك ليس بإرادتي..لو كان بإرادتي وبعقلي لما بقيت هنا لحظة واحدة بعد كل هذه السخرية...لكن شيئا ما تملكني منذ أول يوم رأيتك فيه في البنطون .. نار شبت في فؤادي.. عقلي فقد المنطق وأظلمت عيناي فلم تعد ترى سواك...
انفجر باكيا وهو يغمغم:
- أنا مريض.. لقد أصبت بالجنون...
كانت الفتيات ينظرن له بحزن وهن فاغرات أفواههن ، إحداهن كانت تبتسم باندماج كامل وأسنانها البيضاء تلمع من بين شفتين خمريتين.
أما ميم فدارت براحتها على ظهر فاء ومسحتها وهي تقول:
- لم أكن أعتقد أنك بلغت هذه المرحلة..إنني لا استحق ذلك يا فاء... لا أستحق ذلك...
بقى يبكي لبرهة ثم مسح دمعه وجر مخاط أنفه وقال:
- فلنتزوج وسأبقى هنا معك...
أغمضت عينيها بنفاد صبر وقالت:
- لا تكن كالأطفال.. أنت رومانسي وحالم جدا يا فاء...
قال ووجهه يتجهم:
- لماذا؟ ماذا ستخسرين لو تزوجنا وبقينا هنا؟ لماذا تدمرين حياتي...إن كلمة واحدة منك يمكنها أن تعيد إلي شعوري بالحياة... كلمة واحدة لن تكلفك شيئا...
كانت الفتيات يتابعن المشهد بانتباه شديد وحين قالت ميم (حسنا سأتزوجك) أطلقن صيحات الفرح والزغاريد...


***

(فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: «لماذا ياكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟» فلما سمع يسوع قال لهم: «لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لادعو ابرارا بل خطاة إلى التوبة).
(متى - الإصحاح التاسع)

وعاد فاء وميم من المأزون ووجدوا المنزل خاليا ؛ لم تتزين ميم لعرسها ، وكذلك فاء. قالت:
- يبدو أن البنات أخلين المنزل لنا..
قال هو مبتسما:
- إن قدس روحك يملؤني يا ميم...
قالت:
- ستظل حبيبي إلى الأبد...ولكي تكون كذلك فلن تلمسني حتى اتأكد من صبرك على حياتي...
قال بدهشة:
- ماذا تقصدين؟
قالت:
- ستعيش معنا لبعض الوقت..ترى عالمنا .. وإذا تكيفت معه سأسلمك نفسي...
أغمض عينيه غير مصدق:
- أليس هذا غريبا...؟!!!
قالت بجدية:
- عليك أن تصبر.. ستفهم ما أقوله يوما ما ...

***

الفناء الترابي الواسع مغطى بظل المساء ، ومن خلف كرسي فاء كان باب الصالة مغطى بستارة القماش النظيفة.
أما باب الفناء الرئيسي فكان عبارة عن قطعة زنك خفيفة مطلية باللون الأحمر القاني. وكان متهالكها من أحد مفاصله الجانبية حيث يميل قليلا إلى الجدار الطيني. راقب فاء الحوش وغاص في أفكار مشتتة ، حتى استرعت سمعه طرقات خفيفة على الباب ، بقى جالسا ومترددا في فتحه للطارق حتى خرجت إحدى الفتيات وهي تقول غاضبة:
- ألا تسمع الطرقات....
أسرعت وفتحت الباب ثم ندت منها آهة وهي تقول:
- يا مرحبا.. مولانا القاضي بنفسه...
دخل القاضي وكرشه الكبيرة تنفخ جلبابه الأبيض ثم دغدغ حنك الفتاة وقال:
- أهلا يا حولتي... الكنجة موجودة؟
وقبل أن ترد خرجت ميم وهي ترحب بالقاضي الذي قال وهو يعدل عمامته الضخمة ويعض على شفتيه بشبق:
- آه يا كنجة لا زلت مثيرة كما رأيتك منذ سنوات... هل تذكرين...
ضحكت وقالت:
- وهل أنسى ذلك اليوم يا مولانا...
ضحك القاضي ضحكات متقطعة وقال:
- هها ... هها .. نهدك لا زال ممشوقا كسنام الثور .. لم يتهدل...
ثم زرع كفيه في خصرها:
- كم اشتقت إلى هذا الصدر الدافئ...دعينا لا نضيع الوقت...

قادته للغرفة الخارجية خلف الصالة وهي تتضحك بصوت عال.
فطأطأ فاء رأسه وبكى.

***

لم يتزحزح فاء من كرسيه حتى حلكت السماء واستبصرت النجوم ذاتها في علاها البعيد. كان يسمع ضحكاتهما سويا...وعندما خرج القاضي انتبه الأخير لوجوده لأول مرة فقال ضاحكا:
- ها... هناك أحد معكم...
قالت ميم ضاحكة:
- نعم ...
التفت إليها وقال:
- لو لم أكن على سفر فجر الغد لما فرطت في هذه الليلة أبدا يا فرسة السباق...
قالت بجدية:
- سينكسر ظهرك وأنت لم تعد صغيرا يا مولانا...
اعترض بغضب:
- من قال ذلك... هذا غير صحيح... أنت لا تعرفين برنامجي اليوم... بعد صلاة الفجر أقوم بتمارين الهرولة الصباحية لمدة اربعة كيلو مترات قبل أن أذهب للمحكمة .. وفي المساء وبعد إنهاء جميع القضايا المتراكمة أقوم بهرولة لمدة ساعة وأعود... الخواجات علمونا أن نكون رياضيين يا حلوة...
ثم غمز لها ودغدها في وجنتها وغادر...

***

كان ينظر لجسدها النائم فوق السرير بغضب ، والأفكار تتلاعب بعقله كالشياطين... مضت الساعات حتى منتصف الليل فتحرك نحوها ببطء وخوف.. مد يده إلى صدرها ولمسه.. بدأ يقرب وجهه من شفتيها...لكنها فتحت عينيها وصرخت:
- ابتعد عني .. ماذا تريد...ابتعد...
- أريد حقي يا ميم...
قالها وهو يبكي...
- لماذا تفعلين ذلك بي.. لماذا تعاملين قلبي بكل هذا الحقد...
هجم عليها فأخذت تصرخ حتى استيقظت الفتياة وهرولن إليها وبدأن في الصراخ وضرب فاء بالنعال والحجارة... كن يصرخن بفزع وهو يحاول أن يمرغ أنفه في صدر ميم قابضا على ذراعيها بقسوة وهي تصرخ...
هجمت الفتيات عليه بشراسة أقوى وضربنه بحجارة أكبر حتى سالت الدماء من رأسه ، فأخذ يئن كالذئب وتراخت قبضتاه عن ساعدي ميم ثم خر باكيا...
- أتركوه...
كفكفت دمعها ثم تركت سريرها وجثت قربه وهمست:
- قلت لك لن تتحمل يا فاء... هذه حياتي .. وعالمي... لن تستطيع أن تكون جزءا منه أبدا...
احاطته بذراعهيها وقربت أنفها من أنفه:
- غادر يا فاء... غادر...هذا ليس مكانك... لو كنت منحتك جسدي لما فهمت ما أعنيه...
أجهش باكيا وقال:
- انت لا تفهمين...لا تفهمين..إن كان علي أن أغادر فلن أستطيع إلا بذبح رقبتي...ذلك الهوس الذي تملكني بحبك .. لن تفهميه أبدا...
قالت:
- لن أسلمك جسدي أبدا...أبدا .. وستعيش محروما ومعذبا ومتألما ..
قال من بين دموعه:
- سأكتفي بالنظر إليك .. سأكتفي بسماع صوتك... ألم أقل لك أنك لن تفهمينني...

***

فتح باب المنزل ورأى تاجر المواشي واقفا فقال:
- تفضل... لقد أعدنا ترتيب العمل ... لن يكون فوضويا كما سبق...
قال تاجر المواشي:
- مرحى مرحى... لقد انتهت الحرب وانتصر العالم المنظم ..
ثم قهقه ودخل ؛ قال فاء:
- أي الفتياة ترغب؟ أعتقد أنك تعرفهن جيدا...
قال تاجر المواشي:
- هااا.. دعك من هذا .. أنت تعرف ذوقي .. الكنجة .. الغزالة البرية... ولا أحد غيرها..
- إذن دون اسمك وادفع نصف الحساب...
قال تاجر المواشي:
- ماقصة التدوين هذه؟ ثم أنني لا أعرف الكتابة...
رد بنفاد صبر:
- هذا هو النظام هنا.. اكتب أو غادر...
قال تاجر المواشي:
- طيب طيب لا تغضب.. سأختم بخاتمي .. ها ... هل ارتحت الآن...
دار التاجر حول الصالة وسمع فاء ميم تضحك بغنج ودلال...
جلس في مقعده وأمامه الطاولة التي يسند كراسته فوقها ثم سند رأسه بذراعيه المصلوبتين خلفه ونظر إلى السماء وابتسم وهو يحدث نفسه:
- يااااه يا ميم... مرت ثلاث سنوات ولا زالت ضحكاتك عذبة كأول يوم.... كم أنا محظوظ...

وظل جالسا هكذا لسنوات وهو يدير أعمال الكنجة مكتفيا برؤيتها ككلب وفي.

(تمت)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
71
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى