صابر رشدي - إشارات..

الطعام كان شهيا وأنا أمضغه بتمهل، شاردا كعادتي وراء حكايات متصارعة تدور في ذهني وتلغي كل المرئيات حولي، مع ذلك، لمحته وهو يلج المكان مترددا، حذرا. ثم وهو يجلس بهدوء إلى إحدى الموائد، طنين الأفكار يشاغلني، ويطغى على صوت الموسيقا المتصاعد كأزيز جنادب لاتعرف التوقف .
كنت وحيدا، متروكا في عزلتي، أحاول بصعوبة الانتهاء من طعامي حين بدأت معركة صامتة في التشكل، في الركن الذي انتهى إليه الرجل ساقطا على كرسيه، كان يعتذر لكائن خفي، كأنما يسند عليه نظرته حتى يتفرغ للحياة. حضر أحد العاملين، وقام بجذبه، محاولا جره إلى الخارج، لكنه لم يستطع.
- جائع .
نطق هامسا، متحرجا.
كان يقارب الانهيار، ويده ترتجف بشدة.
تحركت إلى هناك.
- دعه .
قلت وأنا أخلصه من يدي العامل. ثم دعوته إلى مائدتي.
- اطلب ماتشاء.
مسح المكان بنظرة سريعة.
- أمامي مايكفيني . قال .
في هذه الأثناء، حضر مدير المطعم، قدم إلى اعتذارا رتيبا، راجيا السماح له بطرده.
رفضت بشدة.
- أحضر له طعاما مماثلا.
أمام إصراري. انصرف حانقا، كاظما غيظه بصعوية.
تعمدت الجلوس مع الرجل حتى ينهي طعامه. دون أن يضايقه أحد....
بعد عدة سنوات ، فوجئت به، جالسا إلى جواري، في طائرة متجهة إلى عاصمة كبرى. وجدتني أتطلع إلى برجوازي صغير، يتحدث بلكنة أرستقراطية معجونة بعديد من اللغات، أخذت أصغي إليه وهو يتذكر كل شئ بملامح مظللة بمعان مربكة، لا أدري أين تسربت تلك الغيوم، ونظرات التألم التي كانت حبيسة لفتاته السابقة .
خاطبني .
- تجرأت على اقتحام المطعم عندما رأيتك بالداخل. كنت أعرف أنك ستنهي المشكلة وتدعوني إلى الطعام.
صمت قليلا ثم أضاف.
- غدا ينتظرك حظ طيب.
في صالة الخروج، وبعد أن هبطنا من الطائرة، أومأ لي بابتسامة غامضة قبل أن يعبر البوابة الكبرى ويختفي في زحام العالم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى