يوسف العيلة - عكا لم تصل..

تُرى في يوم صيفي حار مدعواً لحضور الجلسة السنوية للجماعة الأحمدية في حي الكبابير الحيفاوي فتتخيل نفسك تتربع على قمة كرملية شاهقة, تطل على طيرة الكرمل المُهجّرة جنوباً والبحر الأبيض الصامت غرباً. تنظر بلهفة إلى خليج عكا العتيق شمالاً وتارة أخرى تناغي نسيم الليل العليل على أطراف بلدة دالية الكرمل الجليلة شرقاً.

. وحين تجدك مشتاقاً لمشاهدة بحرها ترى سفناً وبواخر من شتى الأصناف تجوب بحر عكا الواسع. تحل ضيفاً على الجماعة الأحمدية للمرة الثالثة فتقضي ليلتك بطولها وعرضها تتقلب بين النوم واليقظة, وتتمطى بين الذاكرة والمخيلة, فيراك صاحبك, محمد عثمان, تتمنى وقتاً أطول لتمتع ناظريك بسحر جمال الكرملية وعبقرية ذات الأسوار العكاوية. تحدج قبابها لعل عيونك تصل إليها قبل أن تطأها قدماك. لو تسافر إليها على متن قارب مطاطي أو حافلة ستجد شوارعها العتيقة خالية من بعض ضوء نهارها وتشاهد أنوار ليلها متشابكة مع عتمة بحرها. ولما كنتَ من أصحاب الخيال الجامح فلا حاجة لك إلى هذه الوسيلة البحرية أو تلك البرية لتصل إليها وقتما تشاء. وحين يكون وصولها إليك ووصولك إليها على هذا النحو الأثيري الهامس فهل تكون قد زرتها حقاً؟
تغفو .... ثم تستيقظ فلا تدري كم من الوقت غفوت... وهل يعرف الإنسان كيف يغفو؟ تُحلق إغفاءاتك بين وجد الصحو ومحو النوم. وتظن نفسك شبحاً يتشابك مع طيفيّ مدينتين محتلتين بالعتمة والغربان. تشعر أنك تبيت في حيفا, في شقة هادئة في شارع المهدي فينساح طيف عكا أمامك وأنت تغذّ خطى أثيرية صوبها, حاملاً بين ذراعيك نسخة من روايتك الجديدة "خيّال أوسلو" التي شقيت حولاً كاملاً في رسم معانيها الإنسانية وحروفها الفلسطينية وروحها العربية. هذه المدينة العتيقة تستحق منك شقاوة الكتابة وعناء السفر المُضني. تصل إلى الكبابير في رحلة قصيرة فلا تتيح لك طقوس الأحمدية مغادرة مسجد "سيدنا محمود" كي تكحّل عينيك بلحظ أسوار عكا ليلاً. فهل تدرك الآن لماذا تهفو إليها وأنت في أحضان حيفا الحبيبة إذاً؟
تشعر في تلك الليلة الاستثنائية أن حلمك معبد بغدر الغفلة, وقلمك ملطخ بدم القلق, وحاضرك مضمخ بحناء الحنين, فتأسف أيما أسف على عمرك الذي ولىّ وراح ُسداً. كان عمرك خلالها أعمشاً, يدمع دماً وأنت غافل عن تفاصيل حكايتك الحقيقية معها. ليتك لم تهمس في أذن الليل بحكاية سقوط عكا في آخر الزمان. وليتك لم تصدق فشلك في عدم الوصول إليها. تكتشف اليوم أن همسك في حيفا كان جارحاً كمنقار العنقاء قبل أن تحترق بلهيب شوقك إلى مسجد الميناء لأداء ركعتيّ صلاة.
ويشهد صاحبك محمد عثمان بالحق على ما رأيت في لحظات خيّال مُنير, تسامت فيها روحك وهي تداور بين النوم واليقظة..... دون أن تحنث بقسمك الذي أخذته على نفسك في مسجد "سيدنا محمود" في أن تكون صادقاً مع خيالك وطيوف روايتك, كي لا يتهمك أحد بأنك خذلته أو انحنيت أمام قراصنة البحر أو تجنيت على قامات حيفاوية كبيرة لم تقف في وجه الغربان السامة كالرجال حين اجتثوا من جبل الكرمل شموخه. ربما يكون غضب القرصان عليك كبيراً في هذه الرحلة, ترفض الانصياع إلى أوامره بالكف عن متابعة بحثك عن ذاتك في عكا ... مَن يدري ما تخبؤه لك الليالي؟ تسأله إن كان بمقدورك فعل ذلك:" لماذا سلبت من حيفا حجلها؟" ربما يجيبك متهكماً:" أعرف ما ترمي إليه. هل تود زيارة عكا؟ لن تخذلك قناديل الكابري إن وصلتها."
لم تنته أصداء غفواتك بعد! فنومك في حيفا مثل صحوك في قلقيلية, ما زالا مشغولين بحكاية الأسوار. وأنت تعلم أن الأحلام لا تأتي بانتظام, ولا تخضع لسطوة العقل أو منطق العلم. لدى اقتراب طيفك من عكا ينقلب حالك مع حيفا, كنت فيما مضى تجول فيها بخيالك, اليوم وأنت على مشارفها تتخيل حيفا جنيّة, تجول في وجدانك فتهرب من لحظها الجارح. أنظر بإمعان في ثنايا وجدانك فترى بعينك الخفيّة راوياً قلقيلياً يُشبهك حتى الشعرة الواحدة, يجول جبال الجليل الأجل والكرمل الأكرم, ويلتقي بعايدة المقدسية وسط حديقة كرملية غنّاء, تسكنها مجموعة من الحور العين, ينتظرن فرساناً من الشرق, يمتطون خيولاً بيضاء, لم يصلوا بعد. تتصور هذا القلقيلي الجديد يحاور حبيبتك المدينة فتجيبه حبيبتك المرأة.
يتراءى وجهك مُعلقاً على صليب خشبي كما يُشنق خائن بين ساريتين متباعدتين, أولاهما في عكا الماضي والثانية في حيفا الحاضر. أما وجه ذلك القرصان فيجول مرفوع الرأس في أفق مترامي الأطراف يصل حيفا, مدينة الاغتيالات والرحيل المُر, بعكا مدينة الأسوار والقناديل الخافتة. تُسائل فؤادك عن مصير وجهك الحجري الذي فقد ملامحه في حيّ الكبابير, لكن وجه عايدة يغطي ملامحك كأنه يرمم ماضيك بهواجس الندم:" أنا القلقيلي حبيب عكا, وعدوي هو القرصان, ألا أتذكرني, يا بحر؟ كيف نسيتني بهذه السهولة"؟ يتساءل مستنكراً حالتك المُزرية:" أأنت الزائر الذي كان اسمه يشبه اسمك...؟ كيف تخسر معركتك الوجودية بلا قتال, يا شبح؟ ولماذا بعت مدينتك بثمن بخس"؟
تتحول وقائع زيارتك للكبابير إلى قصصٍ وحكايات متشابكة, ترسم خيالات وظلال قاتمة, وترصد صوراً زاهية وأخرى باهتة. كانت حركاتك العمياء تتداخل مع مشاعرك تارة وعقلك تارة أخرى. ورغم هذا التداخل السريع, تبقى ألوان الكُبّار الأخضر, والكابوري المُحمّر, والعلم الأحمدي بالأسود والأبيض, والحَمام الرمادي, وحجارة مسجد "سيدنا محمود" البيضاء, وعبوات الكوكا كولا السوداء, ودخان سجائر المدعوين الكثيف, ولحى سوداء, وأخرى بيضاء ورمادية دون تغيير يُذكر. وتظل صورة النساء الأحمديات الثلاث اللواتي رأيتهن صدفة قائمة في خيالك: ظل الأخضر يحارب الأزرق, والأبيض يعاتب الأسود, والأسود يغازل الرمادي, والفوشي يُصارع التركوازي, والنقي يشاكس المخطط. تشكل تلك الألوان مشهداً ملتبساً وحياة متناقضة لم تتعود عليها بعد.
تتلاعب عكا وبناتها بذاكرتك... فتتراءى لك إيقونة أثيرية حُبلى بوجوه وأحداث لا حصر لها, تشاهدها بعين طفولتك لكنك لا تستطيع مخاطبتها. ويراقص فضاء حيفا المُلتبس حركات رحلتك القصيرة؛ تسافر من الكبابير إلى بيت صديقك القديم "أبو حكمت مقلدي" في دالية الكرمل, ثم إلى عكا, ثم تعود في زيارة خاطفة إلى بيت صديقك المتوفى "فرحان بيراني" في نفس الدالية الكرملية فلا تجده في البيت. تعود سريعاً إلى الشقة التي تضجع فيها في شارع المهدي في مدينة حيفا في دقائق معدودة, ثم تغفو قليلاً. تصحو في شقة بلا عنوان عربي, وتصبح لاجئاً يحمل اسماً يحمل رقماً احتلالياً, ثم تتنكر لحبيبتك المقدسية في المنفى:" كيف الوصول إلى عكا وأنا أجثو كالقتيل في حيفا؟"
تعايش باقي لحظاتك تتقلب بين ذاكرة مشروخة وواقع أضيق من زنزانة في سجن عكا... في منفى حيفاوي يتجدد... إنك تعيش الحالة شئت أم أبيت! أنت منفاها, شاءت عكا أم أبت حيفا! فهل تسعفك لحظاتك الحاضرة كي تصلها كيفما ترغب؟ لم ينصفها الدهر لتصلك كما تشاء؟ كانت تلك أسئلة رحلتك المتجددة في منافيك الكثيرة؛ أسئلة تتشكل على هيئة كارولين الغائبة عن عكا, وباسمة القتيلة في عمان, وهمسة الراحلة إلى بيروت, وآمنة المقيمة في قلقيلية؛ وهن جميعاً امرأة واحدة, ترحل وتعود, بوجوه عدة, اسمها عايدة...تعيش وحيدة في أكناف بيت المقدس.
هل تُدرك أن حوارك هذا مع نفسك يشتت حنينك؟ مَن يُصدق أنك ستكون أكثر سوءاً من هذا الحال إن وصلت عكا؟ مَن لا يصدقك فهو ليس لاجئاً يحب مدينته؛ لا تحاول إقناعه إطلاقاً. حكايتك لحظات من لحم ودم, يتلاقح فيها وعي الحاضر ووعي الماضي... وعي الوطن ووعي المنفى فتولد من جديد حيفاوياً أو عكاويا لا فرق بينهماً. كأنك تسمع صوت لاجئ يغني لك بصوتك المشروخ:"ما أحلى هواك, يا بلادي! هل لك أيتها الجامحة أن تعيديني إلى عكا طفلاً؟ أرغب في أخذ صورة فوتوغرافية لي وأنا أعود إليها من مدرستي في يوم من أيام دراستي. امنحني أيها الزمن الغريب فرصة لأرسم اسمي على حجارة أسوارها من جديد كي لا تغرق في بحر الغربة؟"
تظن حجارة مسجد الجزار أشد وفاءً من جزاري عكا الجدد, التائهين في المنافي. كانت ولم تزل شاهداً عدلاً على من كانوا هنا... وعلى بقاياهم فيها. هي التي تحكي حكايتها وحكاياتهم بالتفصيل؛ تروي قصة مدينة سقطت في يد القرصان دون مقاومة تُذكر... وتسرد مسيرة وطن عبر التاريخ... وتنشئ ذاكرة تحفظ روايته... ورواية تحفظ تاريخها. ألم تشاهد وتسمع حكاية حجارة مسجد الاستقلال في صفد, ورواية من كانوا فيه؟ ذهبوا ولم يبق أحد منهم... بقيت وحدها تحادث نفسها كالمجنونة؛ كما تحادث نفسك هذه الليلة في حيفا.
يتماهى غيابُكِ مع زيارتك الخائبة... لا فرق بينهما؛ فهما غربة سابقة وأخرى لاحقة. تظل عكا نصاً من الغياب رغم وقوفك على بابها... غير قابلة للنسيان. تتذكرها منذ سبعين عاماً خلت وتتفطر شوقاً إليها. تحاول أن تنسى مرارة غيابكِ عنها, لن تُصدق عودتك إن عدت إليها؛ ستنقلب على طيفك القديم فيها. ربما تسألك:" من أنت, يا هذا؟ لِمَ تتحرش بي؟" تتخيل أنك تعود إليها ذات صباح باكر. تقول لمن يكون في انتظارك على باب بيتك في حارة الشاذلية:" ها هي عكا حُرة اليوم كما كانت صفد بالأمس البعيد! أعايشها كما أشاء... كأنني أجدد شبابها واستعيد طفولتي فيها! لم أرحل عنها... ولم تكن محتلة! كيف تزعمون أنني رحلت عنها سبعين عاماً؟ يكذب من يقول هذا...أعود من المنفى فلا أتذكر أنني رحلت عنها البتة... ثم يهاجمني غيابها فلا أصدق أنني عدت إليها. أيةُ أحجيةٍ فلسطينية يحبكها زمنا الغياب والعودة, يا عكا؟" وتصمت صفد ثم تهمس في أذنيك:" أنت كما وطني؛ لم ترحل ولم تعد!" أما عكا فتجيبك على لسان خطيبها:" عد من حيث أتيت! "من يركب البحر لا يخشى من الغرق"."
لا تعجب مما تعانيه عكا من تغيير جديد واحتضار قديم. لم تعد تشم رائحتها في كل فصول السنة... ولم يزكم أنفك غيابها الطويل. كيف تصلها وهي ترحل عنك كل يوم؟ لن تُقنع أحد بعودتك المؤقتة هذه... أنت لم تعد إليها ولم تغب عنها... اليوم أنت لست أنت وهي ليست هي؛ أنت "عكٌ" أدبي وهي "عكة" تاريخية. ألا ترى النتوءات الحجرية التي رسمتها أصوات غريبة حول أسوارها العتيقة. لم تعد تدري كيف تصوغها على هيئتك ومقاسك القديمين. كم تغيرت عكا! تغيرتَ أنت أكثر مما تغيرت مدينتك...أصبحت خليطاً من المرض والعمالة والغباء المُطبق. ربما تغير كل منكما حسب مقتضى الحال... وحالك ليس أفضل من حالها؛ فالقرصان يحتلها وهي تحتلك وأنت تحتل المنفى والغربة تحتلكما:" وقعة وزحاليق, يا خيّال عكا!" هل تعرف كيف أصبَحَت عكا قارئة فنجان تحكي لك "عك الزمن" وأنت نائم في حيفا؟ تظنك تتذكرها فتغفو على فراش غربتها حتى صباح اليوم التالي دون أن تنام... لا تعلم متى وأين وكيف تبيت "عكة" في فراشك... تظنها امرأة لعوب, بلا اسم أو عنوان أو شرف تليد.
تتغير صورتها القديمة في غيابك عنها؛ تصبح أرملة بنبض جديد وحلم جديد ثم زوج جديد... فلا تعرفها. لو تنظر إليها بعيون طفولتك لعرفتها في الحال؛ لو لم تشاهدها بعين قلبك لما عرفتها. تراها بعين الواقع فتبدو لك حيناً عشاً صغيراً للغربان السود وحيناً آخر أيكاً لطيور الحجل. تتساءل:" ما أروعك يا عكا! يا سيدة البحر والبر! أأنت روح بني فلسطين النبيلة؟ لِمَ أصبحت بلا روح إذاً؟ لِمَ هذا الخراب الذي يحل بك؟ هل تغازلينني أولاً ثم لا تنسيني أخيراً كما حدث لي ذات يوم مع عايدة؟ أنا لا أعتب على مدينة أسيرة توهمتُ حبها ثم خذلتني! هل أنت عايدة وأنا لا أدري؟ لله درك, يا حبيبة!" تحب تلك المرأة أو هذه المدينة... ثم تمضي بك الأيام فلا تتذكر سوى اسمها أو رائحتها أو شيئاً من لون عينيها... فتبكي شوقاً... وتندم حيث لا ينفع الندم.
بعد سبعين عاماً من الغياب, لم تصبح ابن سبعين, الصوفي الشهير. ما حدث كان العكس؛ تخليت عن صوفيتك ولم تتخل صوفيتك عنك: وفي الحالتين تضيع عكا. أصبحت روائياً... يحاول استعادة مدينته روائياً دون أن يعود إليها. تخالك تحن إليها فتستقبلك وتحضنك طفلاً في السابعة من عمرك؛ ماذا تريد منها أكثر من هذا, أيها العاق؟ مَن غيرها من مدن الدنيا تغالب "عك" الزمن كما تغالبه عكا من أجلك؟ تعود القهقرى بمحض إرادتك... إلى زمانك ومكانك المتخيلين فيها... تتمنى أن تظل طفلاً كما عرفتها وعرفتك. وتتساءل:" لا أحب أن أكبر بعيداً عنها؟ لماذا لا يبقى عمري في مكاني وعمرها في مكانها؟" تقول لك عايدة على لسان كارولين العكاوية:" أسرع الخطى نحو مدينتك! لم ولن يتوقف الزمن عند طفولتك, يا خيّال الأدب!" بعد طول غياب, تستقبلك وهي في العشرين من عمرها... تعود مثلك القهقرى بمحض إرادتها, تتمنى أن تظل كما عرفتها مدينة الأسوار؛ مضيئة الوجه, طازجة الرائحة, عربية الإزار. هل حدث لعكا ما تمنيت لها, يا بحر؟... ليتها وصفد المصفدة تظلان طفلتين تلهوان على شاطئك وفوق قمة جبل كنعان كما كانتا يوماً!
تتساءل بحرقة الحنين الجارف:" لماذا أصبحتُ كهلاً بعيداً عنها؟ لو أنني لم أتسلق عربة رحيل جامحة, لما غزتني كهولتي في الغربة!" لا يدعكَ الحنين تنساها لحظة واحدة في نومك... فهل تنساها في يقظتك؟ تظلُ عروساً بريئة؛ زهرة ياسمين, تروح وتعود مع كل فصول السنة حتى تراها بهيئة عايدة. تشفق عليكَ عكا وأنت تتمنى وصلها:" ليتك تعودين إلي كما يعود النماء إلي زهرة الياسمين كل عام مرة! لو تتجددين كما تتجدد أزهار جبال الجليل لما شكوت من غيابك عني. لو تزوريني بثيابك العتيقة, وعيونك الناعسة, ونظراتك الهادئة لأصبحتُ سيد الزمن السعيد... مَن يستطيع مغالبة "عك" الزمن غيرك, يا عكا؟" يسألك عقل جليلي يؤمن بتناسخ الأرواح:" هل تقبل بك إن عدتَ إليها مرتدياً ثياب طفولتك الجديدة؟ ربما تصرخ في وجهك: إليكَ عني, يا خائن! لست أنت مَن أنتظر! أنتظر طفلاً بريئاً رحل عني ولم يعد." وقد تجيبها بحسرة الغياب:" ما العمل, يا جليلتي؟ بتُ كهلاً مُداناً لا يُحسن التحليق إلا في زمن الهزيمة؟"
إن عَرفتَ الفرق بين السلام والاستسلام وتمسكتَ بالأول سترسمك عكا برموشها عاشقاً, يحب امرأة بحرية يعرف مَن تكون, وتحبه مدينة جبلية تعرف من يكون. تُرى اليوم تسيرُ خلف امرأة من الماضي لا تتذكرك... وتتناسى إن كان اسمها عكا أم حيفا... تتلو عليها نشيد الغربة ومراثي الرحيل... فلا تستجيب لك. ماذا ستقول عنكَ حين تراكَ تبكي بين يديّ غيرها منكسراً؟... لن يعرفك سكانها الجُدد, سيقول قائلهم:" مَن يكون هذا الراجع الغريب؟ أتراه يبحث عن طفولته الضائعة هنا أم عن شبح يسكن بيته ومسجده هناك؟"
حذار من عودتك في هذه الآونة! سيتهمك المستقبلون بالتقصير في حقها, أو أنك لا تُحب رائحتها أو طفولتها! ربما يقولون:" لم يكن وفياً لها في لحظة من لحظات ضعفها فتركها وهرب... ثم يعود إليها في الوقت الضائع... لا تهمنا حكايته." وربما يُعاتبك البحر على رحيلكَ عنها وعنه:" كيف تدّعي حُبك مدينة ولا تحافظ على رسمها أو اسمها؟ لِمَ هربت من خرساء تحبك كثيراً وتنتظرك على مدار الساعة؟" وتُعاتبك شوارعها السمراء المعقوفة الجفنين:" لماذا أخفقت في رسم صورتنا بكحل بارودك, وغزل أسمائنا برواية جديدة؟ لماذا تعاتبنا وأنت المخطئ؟ نحن لم نكن نحن بدونك, وأنت لم تكن أنت بدوننا... هل فهمت المعادلة, يا خيّال الأدب؟"
في يوم العتاب المُتخيل ربما يكون وقت عودتك إليها صباحاً... لن تسمع أحفادك يتحدثون عن حكاية عودتك إليها في غابر الزمان:" ذات صباح ربيعي رائق عاد جدنا إلى مدينتنا فرحاً بعد طول غياب. عاد في نفس الوقت الذي اعتاد فيه على الذهاب إلى مدرسته حين كان طفلاًً. أثناء عودته التقط صوراً لبيتنا وحارتنا ومسجدنا وكنيستنا, ها هي مطارحنا أمامكم في الصورة! أنظروا إليها! تفرجوا عليها لحظة عودته إليها! هل ترون كيف وقف ببابها عطشاً بعد سبعين عاماً من الغياب!"
وربما تكون عودتك بلا عتاب مساءً... فتتحدث حفيداتك:" في مساء صيفي جميل عاد جدنا إلى بيته المهجور كما اعتاد أبوه الشيخ العودة مساء. كان جدنا الأكبر يعمل حارساً للكنيسة وصياداً للسمك. سواء عاد مساءً أو صباحاً عادت عكا إلينا وعدنا إليها!...عادت مشتاقة لطفولتها بعد طول غياب, وعاد نادماً على ضياع زهرة شبابه في المنافي. سألها عن أحوالها وسألته عن أخباره منذ رحل عنها دون كلمة عتاب؛ قبلها وقبلته فلم تلمه عما فعل بها؟ قالت له: أهذا أنت أم سواك, يا بني؟ عفارم عليك! لم تعرف لِمَ رحلت عني وعرفت أخيراً كيف تعود؟ عفارم عليك! كيف تعرفت على بيتك المهجور؟"
تزورها حلماً... وتتذكرها صحواً... ثم تحاول الهرب من تداعيات عودتك إن عدت إليها في الحالتين... تصرخ ألماً من قحف رأسك:" آه يا عكا! شردني حُبك...رحلتُ عنك إلى غيرك من مدن الملح بسبب جمالك. أنت العتيقة التي أفقدني ضياعك طعم حاضري ولذة مستقبلي! لِمَ أُحب وجعي كل هذا الحب, يا عالم؟ هل بتُ مازوشتياً أفرح لترحي وأغتبط بجرحي؟ أيُعجبك أن أجثو على عتبات شارع المهدي مُنكسراً؟"
تنصحك أسوارها بصمت:" اعتبر يا هذا من سوء أفعالك! تحتضر أيامك على هضاب ذاكرتك وربما تموت على صفحات تاريخك؛ مدينتك محتلة تعيش في غربة أشد مضاءً من غربتك... تقضي أيامها مستباحة وأنت تطوف المنافي ذليلاًً. ألم تتعلم من بحرها معنى وجودك ومن مينائها مغزى رحيلك؟" تسألها مستنكراً:" لماذا لم أستطع التحرر من قيودها التي أدمت ذراعيّ الطويلتين عشرات السنين؟ لماذا كان صمتها في فؤادي أقسى من عصف الحرب وأعمق من جرح الغربة؟"
تُحييك على هيامك بها... تراقصك قامتها فتفرح وهي بين ذراعيك وتبكي حين يرحل نغمها. تضحك حين تراها حلماً أخضراً, وتغضب حين تصحو لتجدها كابوساً أسوداً يجثم على صدرك, فتعنفها لتلاعبها بعواطفك:" تدميني ذكرياتك؛ ليتني أتحرر من قيدك! أُخرجي من مخيلتي, غادري ذاكرتي كي أستريح من شغبك!" يستهجن صاحبك, محمد عثمان البلعاوي, قسوة حديثك معها أثناء نومك, يلومك على موقفك العصبي منها:" هل بت تكره عكا, يا قلقيلي؟ لا تقسو عليها حتى لو حفرت لأحلامك قبراً في مقبرة النبي صالح!... إنها تأوي نبض تاريخك المتجدد... ما تزال هي عكا المجد حتى لو بدت لك "عكة" دامية الوجه. لو أتوفر على حفنة تراب من أرضها لزرعت فيه خروبة خضراء: سأفاخر أهل بلدتي بثمرها الداني: عندي من الخروب سدة معرّمة!"
ما هذه الأزمة المُستعصية التي تحل بك؟ هل ستترك ذكرى طيبة خلفك أم أنك أصبحت كاريكاتيراً متحرك وشبحاً بلا هوية؟ يسمعك صاحبك تبكي وتندب:" آه يا وطني! سأرحل عن بلاد أنت فيها! كيف يُصبح الوطن منفى؟... كيف يخون الوطن أبناءه؟ كم كنتَ أليفاً وجميلاً قبل أن ترحل عني! أين أنت الآن؟ أين أجدك؟ لقد اشتقت إليك... لا أظنك مختبئ في بيتنا القديم... فبيوتنا مهددة بالهدم... هل يمكن أن تكون متوارياً في خان العمدان أو نائماً في خان الشونة؟ كيف تأكل وتنام في خانات مهجورة؟ هل بت خائفاً مثلنا من أبناء "عكو"؟"
تستحضر كيف كانت خانات مدينتك تستضيف العابرين في غابر الزمن الفلسطيني السعيد... لا حاجة لها اليوم بهم... ولا حاجة لهم بها, باتت خالية, تسكنها غربان وطيوف تحمل هوية نقيضة:" اسمع يا خيّال الأدب! لن تصدق عكا أنك عدت إليها مُحرراً. فأنت تحلم!" تَذكر بعض الصحف العبرية أن: "الراجعين العرب يتكالبون على زيارة مدينة "عكو", ينزلون في فنادقها الفخمة, ويحتسون القهوة التركية في مقاهيها على شاطئ البحر... لكنهم ما زالوا يسمونها عكا. لا نستطيع صنع سلام حقيقي مع هؤلاء الحمير! كيف يزعمون أنها قهرت الفرنسي نابليون بونابرت في الماضي وهي في قبضتنا اليوم؟ هل تراهم يزورون "عكو" أم عكا؟"
لا تتساءل عن مصير أموات مقبرة النبي صالح بعد اتفاق أوسلو! فهم مثلك لم يعودوا عكاويين... ينامون فيها سياحاً مؤقتين, بدون مطالب وطنية. ربما تكابر:" لا أوافق على ما تنشره صحف اليهود من ترهات! عدت إليها والعود أحمد. بعد سنوات عجاف من رحيلي عنها عَرَفت عكا كيف يُحبها هؤلاء الأموات كما أُحبها أنا... تبهجني عودتي إليها... أنا سعيد فوق ثراها... وهم سعداء تحته... فمن منا أسعد من الآخر؟"
لستَ راضياً عن نفسك كما هو حال شهدائها. لسان حالك يقول:" لم أكن شهيداً مثلهم. يبدو أنني أصبحت شريراً ... أكثر وحشية من جزاريها...هكذا يقول علماء النفس عني: تُقلد الضحيةُ جلادَها في سلوكه ولغته." لن تستعيد أي جزء سليب من تاريخك؟... قارن بين تواطؤك وشهادتهم... سيبتهلون إلى الله أنك لستم منهم:" ليت شيخنا القلقيلي لم ينجب هذا العاق!" هل تشعر بتأنيب ضميرك...ولعنة التاريخ؟ تبدو صورتك بشعة في ذاكرة عكا الأسيرة.
يستهجن جيرانك حلمك الهستيري, لا يريدون لك الظهور بتلك الحالة المُزرية من الأسى بسبب ما جرى لحلمك هناك وما يجري لحاضرك هنا... يتوقعونك أكثر صلابة وثباتاً, لكنك تُخيّب ظنهم:" ألم تكن وطنياً حراً, يا أخي؟ ما الذي غيّرك؟ لِمَ تتخبط بين وعي اللحظة الآنية ووعي الماضي القديم؟ ما يجري وعي معاصر, وما جرى في عكا وعي ماضٍ. تدفع ثمن الجرح الذي أصاب فؤادك أثناء وجودك في بيتكم في عكا وغيابك عنه مرتين؛ في عكا وفي المنفى ... حين كنتَ طفلاً وحين أصبحتَ كهلاً. يكشف جرحك عن قلائد من مستعمرات يهودية تجثم على قمم جبالك الشاهقة. أنسيت- ومثلك لا ينسى- قول عمر المختار يوماً عن الضربة التي تقوي ظهر مَن يتحمل وطأتها؟
تزور حيفا بعد طول غياب عن عكا... كيف تنام في حضن مدينة وأنت تعشق أختها؟ تشبه خيانتك خيانة امرأة عزيز مصر, زليخة الفرعونية, ... تنام مع زوجها وهي تحلم بفتاها يوسف! تعود إلى مدينة من مدن وطنك لتعيش غريباً عنه. لِمَ لم تعد إلى مدينة السلام في زمن سلام الشجعان إذاً؟ ألم ترحل عنها في زمن الحرب؟ ألا تعجب من هذا الرجوع الغريب؟... ألم تُدرك بعد أسباب انقلاب عودتك إلى كابوس مرعب يحطم حنينك وذكرياتك؟ لعلك تتساءل بمرارة:"هل هذا هو وطني الذي حلمت به طويلاً؟ هل هذه هي الحياة التي ناضلت من أجل تحقيقها؟ أين الخلل الذي قلب أملي في العودة إلى إحساس بالفقدان؟ وما هو الشيء الذي فقدته بعد اتفاق أوسلو الخائب؟ هل تنازلتُ فعلاً عن عكا مقابل زيارة إلى حيفا؟ أنا لا أصدّق نفسي... فكيف أصدّق غيري الذي يزعم أنه عاد؟" وتظل متشككاً إن كانت عكا حقاً قد حطمت أحلام نابليون بونابرت في السيطرة على الشرق العربي.
يؤنبك جارك الذي يتوهم أنك زرت عكا:" لو لم تزرها لكان أفضل لك... قتلت زيارتك الفاشلة حلمك بالعودة إليها. هل وجدتها كما كنت تتخيلها؟ أراك ترها عجوزاً هرمة لا تمت ملامحها إلى ملامح كارولين ولا سعدة الصفدي ولا الشيخ الشاذلي بصلة؟ أخطأت؛ ألم تقل لنا إنك عدلت عن زيارتها؟ لماذا زرتها إذاً؟ يبدو أنك مُصاب بانفصام الشخصية؛ تستنكف عن زيارتها ثم تزورها فجأة. بات حلمك بلا وطن, وواقعك بلا حلم, وعودتك بلا سلام... وسلامك بلا واقع. من يستطيع تفسير هذه المعادلة الجهنمية, يا خيّال الأدب؟" تقف أمام مرآة نفسك فتكتشف حقيقة زيارتك...لا تنطلي عليك حيلة العودة الوهمية التي تصورك عائداً إلى وطنك التاريخي. هل تُصدّق أنك ما تزال إنساناً سليماً معافى؟ هل تقبل هذه الفرّية السياسية؟ لا تصدقهم! لا تثق بمن هم حولك!... تعيش واقعاً يطاردك, يخنقك بعد أن أجهز وحش الغربة على حلمك... ثم بات حلمك غولاً وأنت ضحيته."
ينصحك شيخ صوفي سمع بحكاية زيارتك الموهومة:" أُهرب من صوتك المأزوم كما هربت من عكا, يا عربي! الهرب من الهزيمة ثلثيّ المراجل!" ترى طفولتك تهرب من هيئتك المُهشمة... تحمّلق في ثنايا نفسك المقهورة فتتساءل أمام المرآة:" ما الذي صنعته بنفسي وقضيتي؟" حاول أن تسلك طريقاً للخلاص من أزمتك الحالية... عد إلى نفسك حتى لو لم يحالفك الحظ في زيارة عكا. كان حلمك بالعودة جميلاً... بات قبيحاً في زمن المال الرخيص. تكتشف أن واقع زيارتك أسوأ من الاحتلال في زمن الحرب... أي سلام صنعت أياديكم القذرة؟ كانت زيارتك فتقاً لئيماً لجرحك القديم واستحضاراً لمزامير القرصان. لماذا تحاول إعادة عجلة الزمن إلى الوراء؟ هل تستطيع الخلاص من كوابيس هزيمة احتلت ذاكرتك منذ طفولتك اليشرطية؟ هل لك أن تنسى أغانٍ ثورية جوفاء غزت وجدانك عقوداً عديدة؟ هنا تكمن أزمتك الأصعب؛ لا تتوفر على نشيد حقيقي تعزفه لك ثورة صادقة في كل المدن الفلسطينية... ما تربيت عليه كان "فبركة" ثورية معادية.
تعترف لنفسك أولاً:" لا أرغب في رؤية عكا الجديدة التي نشأت بعد النكبة." ... أنت محق في رغبتك هذه... لن تجد قديمك في جديدهم...فأي تعايش يمكن أن يكون بينكم؟ ستكون صدمتك ب"عكو" البديلة كبيرة؛ بنظامها ونظافتها وكثافة زائريها وكثرة سكانها وتعدد ملامحهم. لن تجدك مهتماً بالتغيرات التي طرأت على جسدها الذي ظل راقداً على حاله في ذاكرتك طيلة سبعين عاماً... التغيير الذي أصابها ليس في صالحك. لن تستقبلك وهي على هذا الحال من الاستباحة. ستُعنّفك:" لماذا أتيت إلي الآن؟ هل ترغب في تغيير صورتي القديمة في ذاكرتك؟ إن كان هذا قصدك فقد بعتني للمرة الثانية, يا بني! سيحتلون ذاكرتك كما احتلوني على أرض الواقع؛ ثم تنتهي قضيتك. ما الفرق بين مَن يشوّه صورتي بقلمه على الورق ومن يقوم بهدمي وإعادة تشكيلي بفأسه على أرض الواقع؟ كلاكما يقتلني! لا أرى فرقاً يُذكر بين عربي جبان هجرني وعبري غريب احتلني؛ كلاكما أساء إلى مقامي التاريخي الرفيع. لم تسمحا لي بالنمو الطبيعي كباقي مدن العالم."
قد تعود إليها في عز الظهيرة فتجدها عجوزاً هرمة؛ أبشع من الخيانة, وأقبح من الاحتلال, وأضيق من سجون الاستبداد. كانت مدينتك عامرة أيام عزها, تعج بحركة الصيادين والمصلين والغادين والعائدين. تراها اليوم خربة عجفاء, بيوتها آيلة للسقوط, يُنشب الخراب أظافره في بيوتها وأزقتها. جعلها زمن الرحيل تحتضر, فاصفر وجهها وتآكل جسمها وتلاشت أطرافها. ستعاتبك عتاباً مُراً:" لماذا تتوقع أن أكون مشتاقة إليك بعد الذي فعلته بي؟ هل وجدتني بهيئة أجمل مما كنتُ فعلاً؟ هل زيّنت لك أوهامك هيئتي على غير حقيقتها؟ وهل تباكيك عليّ يجعلني أغفر لك خطيئتك؟ أنا لم اعد أنا... هدّني الزمن فهرمت... وأعيتني الليالي الحالكات فمرضت. لا تتلاعب بعواطفي, أرجوك! لا تذبحني على محراب زيارتك القصيرة! أتظنني "فنطزية" تلهو بها كما تشاء؟ هل هذه قيمتي لديك؟ وهل يغفر لك تاريخي جريمة هجرانك الطويل؟"
رغم صراعك الخفي, بين ما تصوره مخيلتك وذاكرتك وما هو موجود على أرض واقعها, تبدأ تجوالك في شوارعها الضيقة. تتشأمل وتتشرّق وتتغرّب وتتجنّوب, كأنك تراقص جهات الأرض الأربع, فلا ترى إلا عكا الآن. تشكو بصمت من تبدل أحوالها:" تكاد جدران بيوتها تسقط على رأسي من اليمين واليسار... أتراها تفعل هذا اشتياقاً لي أم انتقاماً مني؟" تفهمك مدينتك الآن أكثر... سؤالك يفضح ما أنت فيه... وما تعاني منه. لم تصلها سليماً معافى القلب والعقل... أصبحت مشطوراً... مفتتاً ... طيفاً مقطعاً وشبحاً وهمياً ... يشبه غريقاً تتقاذفه أمواج الزمن العبري.
وتظل تتساءل:" هل أستطيع العيش في مدينة تحكمها غربان؟ أين عمائم الصوفية التي كنتُ آنس بها؟ هل وصلتها فعلاً أم ما أزال غائباً عنها؟ وكيف أصلها وبقاياي هائمة في مدن الملح ودروب الغربة؟ كيف أجمع نفسي وبقاياي متناثرة في المنافي وأزمنة اللجوء؟ وإذا لم أجدها كما كنت اعرفها من قبل فهل أكون قد عدت إليها؟ كيف تغيّرت دون علمي؟ هل تخون المدينة الحرة أبناءها؟" ويأتيك الرد سريعاً من "إتسك", صاحب مطعم بحري يقدم سمكاً مقلياً لزبائنه السياح من عرب وعجم ومستعربين جاءوا يستعيدون ذكرياتهم فيها. يقول متشفياً:" غادر "عكو" في الحال! اذهب إلى الجحيم! لا أحد يستمع لشكواك... عفا على عكا الزمن...باتت بنت الماضي المندثر! نحن من يجدد شبابها ويداوي أمراضها المزمنة!"
مَن يشفق عليك بعد الذي سمعته من الخواجة "إتسك", يا خيّال الأدب الرفيع!...فضلت المنفى عليها فعدت إليها بهيئة سواك. لست أنت من يزور حيفا الآن... تعود إليها بثوب الغياب. لا تُعذّب شبيهك العائد بما يقوله صاحب مدينتك الجديد... أين زمانك ومكانك وظلك فيها؟... هل تستطيع جمع شظايا عمرك في لحظات دائرية كي تتجاوز زمن الاحتلال؟... إنها اليوم "عكو" جديدة... تقلي سمكها بسواعد جديدة... تقدمه لقمة سائغة لكل من هب ودب... فهل تشعر أن زيتهم يقليك كما يفعل بسمك مدينتك؟
وينعش روحك نسيمها الغربي وأنت تخال نفسك واقفاً بصمت على باب بيتك الخشبي المغلق منذ عقود. تناجي نفسك:" بالأمس القريب حلمتُ أنني عدت إلى عكا... رأيت ثلاثة أطياف تشبهني تُحلّق في سماء بيتنا. سألت الأول مُستغرباً: مَن أنت؟ أجاب: أنا عقل شارد يبحث عن ميناء للعودة. سألت الثاني: وأنت مَن تكون؟ قال: أنا قلب هائم يبحث عن بيت على جبل كنعان يستريح فيه. ثم سألت الثالث: وأنت! مَن أنت؟ ظل صامتاً عابساً... كررتُ سؤالي إليه بنبرة حادة: أنت! أنت مَن تكون؟ وماذا تفعل هنا؟ قال: أظنك لا تعرف أنك تعرفني!... أنا وطن من لحم ودم يبحث عن وطن يأويه. عرفتهم في الحال... فبكيت على وطن أسير بات يبحث عن أشلائي الهائمة."

وتبقى تعيشُ صراعاً محتدماً بين أحلام العودة وهواجس الرحيل... غير قادر على التفريق بينهما. يسألك "أبو المجد البلعاوي" متذكراً حكاية زيارتك الأخيرة إلى عكا:"شاهدت على صفحة حسابي في "الفيسبوك" صورة شخص يدّعي أنه أنت؛ هل أنت هو أم هو أنت؟" وتجيبه:" أنا لست أنا, فكيف لا أكون هو؟ ربما انتحل حكايتي واسمي وسرق ملامحي؛ لا أدري ما حدث لي." ويستطرد صاحبك:" ثم سألت ذلك الرجل: هل عدت إلى عكا؟ رد عليّ قائلاً: نعم! أنا الذي عاد إليها وليس القلقيلي؛ اسأله إن أردت أن تتأكد من صدق كلامي: هل عاد إلى عكا أو زارها؟"
ويسأل صاحبك البلعاوي الصحفي رزق ساحوري عن لغز رحلتك إلى حيفا:" هل زار الكاتب عكا أثناء زيارته حيفا؟" يجيبه:" ربما! لا أدري بالضبط أين ذهب بعد انقضاء جلسة الجماعة الأحمدية! ما هذه أل "عكة" التي ورّطنا فيها خيّال الأدب؟ على حد علمي أنه لم يغادر حيفا في تلك الليلة, ولم يزر بيته بعد رحيله عنه منذ عام النكبة... مَن هذا الشبيه الذي سرق حكايته؟" يجيبه البلعاوي:" أكاد أجن مما حدث! كان رجلاً غريباً, لم أره من قبل, له ملامح تُشبه ملامح الكاتب بالضبط.... مَن منهما سرق ملامح الآخر, أيها الصحفي؟"

تتذكر أنك خذلت حيفا بخيالك الشارد طيلة ليلة كاملة. تُقدم اعتذارك منها:" لقد شفني التعب, يا عروس الكرمل! كنت أبحث عن عكا كي تخلصني مما كنت أعاني منه... والآن أعيش نكبة انقلاب بحثي الخارجي إلى بحث داخلي لا أطيق استمراره! لقد حدثت القطيعة النهائية بين خيالي وذاكرتي في هذه الرحلة؛ أراني ممتعضاً من تداعيات ميلاد كابوس جديد. أرهقتني رحلتي داخل وجداني أكثر من زيارتي حيفا: بات حنيني يذكّرني بأخطائي الماضية, وربما بمحاولات انتحاري الفكري من فوق مئذنة مسجد "سيدنا محمود". أدركت أن علاقتي بحلمي باتت مرضاً. وحين تباعدنا أصبحتُ حراً, بلا قيود حلم تسجنني منذ طفولتي. تلك مفارقة لم أتصور في يوم من الأيام أن تحدث لي: لماذا كان حنيني شرساًً؟ لماذا زيّن لي ظلم نفسي وخيانة عكا وخذلان حيفا؟ وما دمتُ أقف الآن عارياً أمام مرآة نفسي: ما الفرق بيني اليوم وبيني بالأمس؟ مَن منا زارها؟ ألسنا صنوين بحكايتين متشابهتين مهما اختلفت تفاصيلهما الثانوية؟"
أوجعتك حكاية فشلك في زيارة عكا, فتداعت في خاطرك أحزان مماثلة. تذكرت وداعك ذات مساء مقدسي حزين لعايدة المقدسية, شقيقة روحك على مقاعد الدراسة في الجامعة العبرية وهي تهمس في أذنك:" سأبقى معك ولك, أُحبك كما أحب بحر عكا وجبل الكرمل, ألم أقل لك هذا عدة مرات؟ لماذا لا تأخذني إليهما؟ أُحبُ الجلوس بجانبك في البرد, ومشهد الشمس في الظل, وصورة الليل في فجر الصباح, وبكاء الشتاء وهو يشعل في قلبي لذة الاختباء في أحضانك, أنسيت هذا كله, يا خيّال الأدب؟" يومها فرحت من شدة حزنك على فراقها, ألا تؤمن بنظرية الوجد القائلة: إن قمة الفرح بكاء, وقمة التعاسة ابتسام؟ لهذا ضحكت وبكيت وأنت تهمس في أذنها:" وأنا أحب النساء بلا قهوة, بلا أسرار علنية, مثل حكايتك بالضبط وأنت تسكنين في فؤادي حافية الكفين, بلا وشم أو حناء. ستبقين روايتي المفضلة, وصفحة عشقي الأكيد حتى تطلع الشمس من المغيب."
مع مرور الأيام وتغيّر الأحوال لم تعد تؤلمك غيبة عكا التي كانت تخزك إبان زيارتك حيفا. لقد تبلدت من شدة حنينك إليها:" اكشفوا عن جرحي القديم تكتشفون سراً خبأته عنكم لأعرف ما ضاع مني ومنكم! اعذروني, يا أهل عكا! كنت أقف على شرفة باحة مسجد "سيدنا محمود" في انتظار غروب قرص الشمس قبالة مدينتكم حين مرت أمامي جنازة مسرعة. رأيت وروداً حمراء على صدر النعش تليق بعاشق مثلي. لو كان الميت يسمعني لدعوته أن يأخذ مكاني على تلك الشرفة العالية: ذلك المُحمّل بالورود لن يخدعني. ... لو كان يراني لن يسخر مني. ذلك الغائب ربما أقرضني زهرة أوركيد الإنسان, كي أعطيه خصلة من شعر عكا. يا إلهي كم كنتُ ظالماً للموتى والجائعين والمسحوقين! وعدتهم أن أصافح قرص الشمس في عكا ولم أفِ بوعدي! تباً لي على ما فعلته بهم!"
ابتعدت الجنازة عن الشرفة.... تركت خلفها زهرة أوركيد شامية صفراء, كانت تحتضر بهدوء على رصيف زمن مضى, بعدما سقطت من حضن ميت في طريقه للقبر. التقطها كهل عكاوي , حملها بين أصابعه بحزن مؤجل, ماسحاً عنها غبار الزمن الماضي, وذبولاً وشيكا حدث قبل نحو سبعين عاماً من محاولتك زيارتك عكا, ثم أهداها لحبيبته المدينة قائلاً:" كيف يا عكا اللقاء؟ إليك يا حبيبتي روايتي! خذي هذه النسخة مني!" قالت ودمع العين يسبقها:" أهذه هديتك؟ أخالها من عابر سبيل تركها لي على شاطئ البحر ثم اختفى."



هذا النص

ملف
يوسف العيلة
المشاهدات
32
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى