أحمد حسن الزيات - المتردد..

أعرف رجلا يعيش رخي الصدر آمن السِّرب في دار بهيجة وأسرة حبيبة ورفقة مخلصين، تلقى ذات يوم كتاباً من صديقين يدعوانه إلى رحلة خارج القطر كانت منذ زمن طويل منتجع خاطره ومهوى فؤاده، فوجد من فرصة الفراغ وجمال الربيع ووفاق الخليط مغرياً جديدا بها، ودافعاً شديداً إليها، وكان صديقاه يطلبان جواباً حاسما سريعاً. فوقف الرجل بين الأمرين وقفة المتخير المتحير، لا يدري أيظل في هذا المكان المحبوب الذي يستبقيه، أم يرحل إلى ذلك البلد الجميل الذي يستدعيه؟

بدأ تردده هادئاً مقبولا كهدهدة المهد، ثم ما لبث أن عاد مزعجاً مملولا كاضطراب البحر. كان ترجُّحه بين الإقامة والظعن أشبه بتأرجح الزورق على الماء الهادئ يدفع إلى الأحلام والأوهام. والمتردد واسع الخيال كثير الفروض، فأخذ يقلب الأمرين في خاطره: يوازن بينهما منفردين، ويتمناهما مجتمعين، ويطمع أن يدركهما متعاقبين.

أزف الموعد والصديقان ينتظران الجواب إيجاباً أو سلبا، فلابد أن يخرج من عماية هذه الحيرة ليكتب إليهما، جلس جلسة الكاتب وأخذ أهبته للكتابة، ولكنه لم يكد يقر على الصحيفة يده حتى ساوره الشك فأمسك! واخذ فكره يتنقل بين المكانين، ويفاضل بين المعنيين، حتى انتهى به التردد إلى أيثار البقاء.

آثر البقاء لأن الصديقين ربطاه بعدة خفيفة، لا بكلمة شريفة، ولأن في المتردد جرثومة من جراثيم الكسل؛ المترددون أميل إلى الكف والاحجام، دون العمل والإقدام. ذلك إلى أن مخيلته الخصيبة قد انبتت له من الذرائع والأسباب ما وافق هواه: كيف يصدف عن مسرة هادئة أكيدة، إلى أخرى جديدة غير أكيدة؟ أنهم يمتدحون ذلك البلد الطيب هوائه وجمال مناظره، ولم يعلموا أن في الرحلة إليه والحلول فيه أضرارا تخاف وتحذر! أين يجد ما يعدل زوجته العزيزة وداره الجميلة وحديقته البهيجة؟ لقد أصبحت هذه الثلاث أجمل في نظره وأجمع لخيره منها قبل ذلك!

أليس من الحمق والجحود أن يغمط الإنسان مثل هذه السعادة؟ على أن هذا البلد بعيد الشقة، ولا بد للراحل إليه أن يبيت ليلة في القطار على فراش لا وثير ولا وطئ، أو يعبر البح متعرضاً لدواره وأخطاره، وإذا أصابه مرض في الطريق أو في الفندق فماذا تكون عاقبة أمره؟ ذلك فضلا عن الغذاء الدنيء والمسكن الوبئ والعناء المبِّرح.

أجمع صديقنا في الأمر رأيه، ووطن على البقاء نفسه، فكتب الكتاب بالرفض ودفعه إلى الخادم ليحمله إلى مكتب البريد القريب، ولكن الخادم لم يكد ينطلق بالكتاب حتى تحرك الشك في نفسه، وتغير المنظر الماضي في عينه، فكأنما سحر ناظره. أو تبدلت مشاعره!

ذلك البلد الذي استخف به منذ قليل تجلى لعينيه في صورة جذابة أنيقة، وتلك الأحاديث العجيبة التي سمعها عنه تواردت على ذهنه تباعا منمقة الحواشي بسحر جمال المفقود، وحب استطلاع المجهول، ثم تمثلت أمام عينيه فوائد تلك الرحلة وملذاتها، فعاد باللائمة على نفسه! كيف عميت بصيرته عن هذه المنافع جمعاء؟ وكيف إعتاقه عن هذا الأمر مئونة الاتفاق والنصب؟ أن متاعب السفر هي الصحة والقوة والحياة! ولا شيء أذهب للعمر وأقتل للمرء من أن يظل قعيد بيته مخلداُ إلى عيشة رغيدة وادعة. وحياة متشابهة مملة، تلك فرصة ما يحسب الدهر بمثلها يجود!

رحلة ممتعة مفيدة! وإخوان صدق ملئوا ظرفا وعلما! أن ذلك الرفض ضرب من البله والجبن!

تحول ذلك التوبيخ أسى وحسرة، وبلغ به الحنق والشوق والخجل حد الهياج والقلق، فأهوى بيده إلى الجرس، وصاح بأحد الخدم أن يرد عليه الكتاب وحامله، فقال له: أن الخادم يا سيدي أنصرف إلى وجهه منذ ربع ساعة!

فارتد الرجل كاسفاً حزينا، وانقلب ما حوله مظلما قبيحا، واستولى الضجر على نفسه، وأصبح بيته الجميل الرحب أضيق في عينيه من كفة الحابل، ثم ما لبث أن عاد إلى نفسه وأخذ يفكر في جواب الخادم، فقرر أن المسافة إلى مكتب البريد يقطعها الخادم راجلا في ربع الساعة، فإذا قطعها هو على سيارة استطاع أن يوافيه قبل أن يضع الكتاب في صندوق البريد.

وما هو إلا رجع البصر حتى أنطلقت به السيارة يشق صوتها المزعج زحام الطريق؛ ولكنه لم يضع قدمه على عتبة البريد حتى كان الخادم خارجا منه وقد أنجز عمله!. بهت صديقنا وكاد يستسلم لليأس لولا أن مر ذكر التلغراف على خاطره، فبرقت أساريره وقال: أن الرسالة البرقية تصل قبل الكتاب فتنسخه. ثم أخذ طريقه إلى مكتب التلغراف وبدأ يكتب الرسالة، ولكنه ما بلغ الكلمة الرابعة حتى جمدت يده على الورقة! قال في نفسه: أن الرسالة البرقية كالكلمة الملفوظة إذا قيلت فلن تسترجع، وسأكون بها مقيدا مأخوذا، ألقى القلم وخرج من المكتب يتنسم الهواء، واخذ يمشي أمام الباب ذهابا وجيئة وهو يسائل نفسه: أيكتب أم لا يكتب؟

دقت الساعة دقتين فارتعد وقال: ما لي أتردد؟ يجب أن أقطع الرأي، فأن الوقت وأن طال لا يسع المطال، ثم فكر وقدر، فجاء برأي خليط مبهم لم يلبث أن نزل عنه، وظل واقفا يتصفح وجوه الآراء ليرى الرأي القاطع نصف ساعة كان فيها فريسة الهم والضجر!

إستقبح من نفسه هذا الضعف الشديد، فاقتحم المكتب، وأتم الرسالة ودفعها إلى العامل وهو يقول في نفسه: سأتبعها بأخرى إذا بدت لي في الأمر بداءة.

ثم انكفأ راجعا إلى بيته يستعد ويتأهب! واقسم أن منظر ذلك البيت الذي يريد أن يفارقه غدا سيحيي في مخيلته صورة رائعة الجمال شديدة السحر، وأن زوجه وكتبه وأزهاره وأشجاره ستملك عليه وجدانه. فلا يمنعه الخجل أن يصبح ناكثا ما أمرَّ وناقضا ما أبرم!

لعل في القراء من يحمل وصف هذا الرجل على المبالغة، ولكني أؤكد لهم أن مكانه من الصدق مكان صورته الشمسية.

أن التردد مرض من الأمراض لا يؤبه له لندرته. يصيب المرء في حياته العملية، فيغل يده، ويشل عقله، ويتركه فريسة للألم من ضعفه، والخجل من صحبه. تظهر أعراضه في صغار الأمور وكبارها، فيكون في انتقاء الثوب، واختيار الحالة، وفي الإقدام على الزيارة القصيرة، والرحلة الطويلة، ويدخل في لذاذات الرجل وأعماله، كما يدخل في أدباره وإقباله.

جرت بين هذا الصديق نفسه وبين زوجه هذه المحاورة منذ اسبوع، فأنا أنقلها إليك بنصها لتزداد به معرفة.

قال وهو يهم بالخروج إلى مكان عمله:

- زينب! اتشيرين علي بأن آخذ مظلتي؟

- افعل يا علي ما تشاء.

- أتظنين أن السماء تمطرنا اليوم؟

- وما يدريني؟

- آخذها والسلام!

- حسناً تفعل.

- ولكنها تضايقني إذا لم تمطر السماء.

- دعها إذن!

- ولكن المطر إذا نزل بلل طربوشي وثوبي.

- خذها إذن!

- ما هذه الحماقة؟ وما هذا التردد بين الأمر والنهي؟

ليس للمشير إلا رأي واحد! فهل ترين أني احسن إذا أخذتها؟

- نعم!

- سآخذها إذن.

- ولكن الهواء دافيء، والسماء مصحية، وأخشى إذا دام الجو كذلك أن اذهل عنها فأفقدها؛ سأتركها قطعاً!

ثم سار يريد الخروج فلمحها معلقة على المشجب فأخذها وهبط السلم ذاهلاً، متباطئاً، حتى بلغ البواب فدفعها إليه.

احمد حسن الزيات

مجلة الرسالة - العدد 5
بتاريخ: 15 - 03 - 1933
أعلى