محمد محمد مستجاب - في محبة بشائر فصل الشتاء الذي انتظره.. المستنقع او العين الكليلة " بار ستلا

في مؤخرة شارع "هدي شعراوي"، يوجد على الجانب الإيمن، عين كليلة، عين تستيقظ قرب العصر وتغلق أجفانها قبل تواشيح الفجر، هذه العين الكليلة، هي الخميرة الطازجة الممتلئة بالأفكار والشعارات والقصص وبدايات الروايات واللقاءات العابرة والصداقات الممتدة لنهايات العمر، في هذه العين ذات الباب الجانبي الخشبي المتهالك، حيث أغلق بابها المتسع على شارع " طلعت حرب" منذ زمن، ترك مواربًا يمكنك أن تلمح مجرد خيالات بداخله، أشباح حقيقة لبشر حقيقيون في مشرب ممتليء بالعجين الطيب، أنهم زاد الثقافة المصرية وخيره أفكارها وتعب سطورها بين الجرائد والمجلات ومنشتات الصحف، بمجرد أن تدخله، تقابلك على ذراعك الايمن "مبولة" برخامة قديمة لن تجدها في أي مكان الان، رخامة قد تصل إلى صدرك، ويمكن لك أن توقن أنها لم تتغير منذ نشأته في منتصف الخمسينيات، أي إن هذه المبولة قد اكستيت وغرقت ببول بشر حملوا أفكار وغيروا أمزجه ورفعوا شعارات ودمروا معتقدات وألقوا بيانات، ولكن هذه المبولة الذكورية تدلك أنه لا يوجد مكان للنساء في هذا البار، -ولكن الصدفة فقط جعلتني انتبه إلى قبو رأسي يصلح محل أدب " للنساء" مع أنه يوجد به كثيرات يمرن في أوقات مبكرة لتناولهن زجاجة بيرة قبل أن تعرج أحدهن إلى ندوة أو إلى مقر عملها أو تحتسيها كنوع من الجائزة لنفسها بعد انتهاء عملها في مكان تكره كل من به.
وخلال اثني عشر طاولة وأسفل سقف مرتفع إلى مالا نهاية نظرًا للظلام الشفيف المحبب للنفس، يمكن لك أن تشم رائحة هذه العجائن التي اخترمت ونضجت على موائد هذا المكان، فهنا كان يجلس الملك "يوسف إدريس" والقيصر "امل دنقل" وفي اليمين كان يجلس "العمدة " مستجاب الأب والامبراطور محمد عفيفي مطر والحارس الامين إدريس على، وهنا جاء وغني بحر أبو جريشة ومحمد حمام وأخرون، الجميع تناول مشوربه الساقع أو زجاجته المشبرة وتناول المزة الفقيرة المحببة، كان أبي يعشق هذا المكان، يمر عليه في ليلة الثلاثاء، ويطلق عليه اسم المستنقع.. يسهر مع أصدقاءه ويلتقي مع تلاميذه وفي الختام يحمل بعض من الكتب المهداه له، لم يكن يحب مطعم الجريون المرتفع الأسعار إلا إذا كان اللقاء حساس أو لأصحاب أخرون، ولم يكن يحب "ريش" بعد أن أصبح كغرفة إنعاش لا يوجد به إلا الموتي، ولم يكن يعشق استوريل القريب لأنه فوق قدراته كي يعزم هذا الجيش الجرار من البؤساء أو المبتدئين أو المريدين، يخرج أبي حاملا اسفل إبطه بعض الكتب المهداة، ويمر على مطعم فلفلة ويأتي لنا بأكثر من عشرون سندوتش من الفول والطعمية، يتركها على " الديب فريزر" في وسط البيت، وتبدأ أسراب النمل من أهل البيت في التحرك خلال الليل حتي الصباح، وكلما مر أحدنا يتناول سندوتش ويخرج به للبلكونة أو يأخذه معه في الصباح للمدرسة.
ظللت أحلم بدخول بار ستلا، أنا لا أحب المشروبات الروحية، لكني مغرم بشرب بيرة ستلا المصرية الخالصة، اشربها على فترات طويلة حتي تصير كقصة قصيرة يجب أن اسعي لكتابتها بكل جوارحي ويجب ان اغرق فيها إلى درجة من المتعة والدهشة والبهجة أيضًا، فخلال هذا المكان الضيق والذي يصعب لك أن ترى من بجوارك على المائدة المجاورة، يمكن لك أن تتحدث وتثرثر وتتكلم بحرية عن افكارك أو آراءك أو مشروعاتك القادمة او حتي جيوبك الخاوية من النقود، فالجميع في بار ستلا يصير واحدًا، والجميع يلتف حول هذه الزجاجة الخضراء الغامقة، فهذا اللون لن تراه في أي مكان آخر، لون مميز حملته ستلا بعد أن كان في الماضي بني غامق، وخلال الأثني عشر مائدة يمكن لك أن تقوم بثورة أو تقود انقلاب أو تغتال ما تريد من رؤساء الجمهوريات أو رؤساء التحرير، وتخرج منه وأنت تشعر بالراحة والحرية والبهجة، وبالطبع قبل أن تخرج ستمر على تلك المبولة التاريخية كي توّقع فيها ببولك الخاص.
هذا هو بار ستلا الذي بقروش قليلة تستطيع أن تمتليء فيه بالبهجة، وببعض من الأفكار المغايرة والذكريات والروائح القديمة.
لكن يظل الخوف القديم بداخلي كلما اقتربت من بار ستلا، فأنا أخشي ذات يوم أن ألتقي بوالدي بداخله، ويجبرني على دفع حساب مائدته التى لن استطيع دفعها نظرًا لخلو جيبي من القروش كلما اقتربت من هذا البار العظيم والطيب ايضًا، فيقوم بدفع مشروبات مائدتي ويضع في يدي بعض النقود التي ستشخلل في جيبي وأنا اخرج من بار ستلا قبل تواشيح الفجر مودعًا صديقي الطيب : جمال الطيب وصديقي المشاكس طارق امام.. واضع مجموعة من الكتب أسفل ابطي قبل أن أمر على تمثال طلعت حرب فانبهه بسعالي الضاج انني هنا كي يعيرني ذات يوم انتباهه.

محمد محمد مستجاب
22/9/2017
أعلى