يوسف القعيد - وصايا اللوح المكسور..

إنها الرواية الأولى للدكتور غبريال زكي غبريال. المولود في القاهرة سنة 1945. وحاصل على بكالوريوس طب بيطري. وخدم كرقيب طبي في الجيش الثالث الميداني المصري في حرب 73، ولم ينشر قبل هذه الرواية سوى القصص القصيرة. لديه الكثير من الأعمال الأدبية، ولصعوبة النشر قرر نشر العمل على نفقته وبمساعدة أصدقائه. وروايته مهداة إلى والد الروائي وأمه اللذين تحملا الكثير من عثراته. وأيضاً إلى زوجته «امتداداً لهما».
والرواية تبدأ بلقاء بين البطل بولا عازر جرجس وصديقته التي تطرده من منزلها. كان قد تصور أنها كأرملة سترحب به. والروائي حريص على أن يثبت من الصفحات الأولى أن بطلته مسيحية، وأن بطله أيضاً مسيحي. ويصدر قرار بنقل بولا للقيام بأعمال مدير ببني سويف «شمال صعيد مصر» كجزء من تنقلات شملت الجميع. يستعرض حاله. وهي فرصة للروائي لكي يقدم لنا ظروف بطله، ابنته مريم في الثالثة بصيدلة القاهرة، ابنه كريم في الثانية الثانوية، زوجته ناهد، تعمل في فرع للبنك على بُعد كيلو مترين من منزلهم.
بعد ترتيب أموره يقول له زميله... إن النقل فيه مكيدة. وزوجته تضيف، إن في المكيدة بُعدها الديني، وتصر على أن صاحب المكيدة قبطي مثلهم. وهي متأكدة أن كل مكيدة ضد قبطي هناك إصبع قبطي خلفها، وتقول له:
- المر الذي يختاره الرب لي خير من الحلو الذي أختاره لنفسي.
يحس بولا بالفارق بين الحياة بالقاهرة والحياة ببني سويف، يشعر بتصرفات مركبة في هذه البلدة بخلاف العاصمة، ويقابل في بني سويف مسلماً عائداً من المملكة العربية السعودية بعد سبعة عشر عاماً من العمل هناك. ولأن الأسماء لها دلالات دينية في مثل هذا النص الروائي. فإن المؤلف يبدو مشغولاً بشرح الأسماء ويقدم معلومات ربما كانت جديدة خصوصاً بالنسبة للقارئ المسلم.
- وكان اسمها مريم، للدقة كان اسمها مصطفية مصطفية.
سأل والده...
- مصطفية أليس اسماً مسلماً؟!
رد والده المقدس:
- واصطفاك على نساء العالمين.
وكان أن سمى ابنته مريم.
يناقش بولا مع زوجته ناهد وضعه، رأيها أن يطلب إلغاء النقل، وإلا فهو يغوص في الاستكانة. يرد عليها:
- رفضت أن أكون مقتولاً. ونمت الشراسة بداخلي، ولكي تنمو أكثر كان لابد من الابتعاد.
ويعزيه زميل مسلم معه في العمل في وفاة أطباء شبان قتلوا في لوكاندة بالمنيا، كانوا يعملون في مجال الدعاية للأدوية، وهذا الخبر لم تنشره الصحف، ولكنه سرى من المنيا لبني سويف عبر الأفواه، وأول دعوى يلبيها بولا ببني سويف لزيارة منزلية معلنة لزملاء العمل الجدد المسلمين تحسباً لأي تقولات. أما زيارته لمنزل «أبونا إسحق» فلن يعرف بها أحد، ويلاحظ أنه بدلاً من صور القديسين، كانت هناك آيات قرآنية معلقة على الحائط، يصل زميله المسلم، فيقول له بولا كما يفعل المسلمون حرماً، فيرد عليه المسلم، كما يقول المسيحيون: معاً إن شاء الله.
من قضايا المجتمع القبطي في مصر التي ترد في هذه الرواية قضية سفر الأقباط للقدس، تريز تسافر لتقدس. «يعني سافرت لإسرائيل. البابا قطع حرمانية على أقباط مصر لو سافر أحدهم إلى القدس»، مناقشات كثيرة تدور بين الأقباط حول التحريم، البعض مؤيد، البعض رافض، أنجيل زميلة تريز. تتناول الأمر هكذا: انشغلت أنجيل حوارياً حول الموضوع، لكنها لا تقدر على مخالفة البابا، ترددت داخلياً حتى لو كان مخطئاً، لا أتصور مخالفته وإلا انقسمنا على أنفسنا، أنجيل تقابل تريز في الكنيسة وتسألها عن حكاية السفر لإسرائيل. ترد عليها:
- أنا موظفة حكومية. لا أملك الرفض. البابا قطع حرمانية على من يذهب ونيته التقديس، هل لو كنت مكاني، أما كنت ستفعلين مثلي؟! وبعد رجوعي أحتفل بالعيد مع كنيستي.
وتسرح أنجيل في خيالها: أورشليم مرتبطة في وجدانها بقول المسيح: يا أورشليم. يا راجمة الأنبياء وقاتلة المرسلين، كم تتمنى أنجيل السفر لمهد المسيح. وكنيسة القيامة لرؤية طريق الآلام وجبل الجلجثة، تتمنى لو قدست وحققت حلمها الباقي. حظيت تريز بسهولة على هذا الحلم، ودون تكلفة. على نفقة الدولة. تردد أنجيل: هل هذا معقول؟!
ويناقشها بولا، في قضية سفرها لإسرائيل. يقول لها بعيداً عن البابا شنودة وتحريمه، فليس هذا هو موضوعنا. إسرائيل لا، مصر تتفاوض، الفلسطينيون يتفاوضون، الجميع أحرار فيما يفعلونه، وبالنسبة لي إسرائيل لا، لو رأيت إسرائيليين جسدي ينتفض، فما بالك لو ذهبت إليهم؟ لن أتحمل. لا أضمن رد فعلي، إنهم أعدائي، قتلوا زملائي وكان من الممكن أن أكون أحد القتلى.
وقرب نهاية الرواية يقرر بولا السفر إلى «أسيوط». وبعد سفر بولا بيومين، يأتي اتصال غامض أن بولا في خطر، تسافر الأسرة، تعرف أن القطار الذي كان يستقله تعرض لهجوم. وأن الخبر انتشر في أسيوط. ولا يقول غبريال من الذي هاجم القطار، تتماسك ناهد، تحير بتماسكها كريم، مريم تحاول أن تتماسك. ضابط شرطة يتقدم من ناهد قائلاً:
- لن يفلت أحد منهم... أرجوك. نريد أن نلم الموضوع، الموقف ملتهب. أنت قاهرية ولا تعرفين الصعيد.
صرخت فيه ناهد:
- ماله الصعيد، رجال أشراف هوارة، عرب أشراف، ماله الصعيد، أنا من نجاه لقصر «الأقصر» ماله الصعيد. ماذا تخشى؟ مم تخاف هات لي حادث جتل «قتل» ليس للشرف.
يتقدم منها أحد الأقارب:
- المهم الآن، ماذا ترغبين يا بنتي، هنا أم في القاهرة؟! فهمت ناهد الرجل يتكلم عن الدفن. تبكي ناهد، «جنب جراباته ياعم» بجانب أقاربه ياعم. ألم يأت برغبته؟ لتكن مشيئة الرب.
ويكتب الروائي اسمه هكذا: غبريال زكي غبريال حنا داود حنا، الاسم خماسي. كنت قد سألت المؤلف عن السبب في الاسم الطويل، فقال لي إن المشكلة في مصر، بعد ظهور الاسم الثنائي، تاهت أسماء العائلات. وأسماء الأجداد ومن حقهم أن تبقى أسماؤهم فترة من الوقت. وإنه يريد أن يعيد ذلك من خلال أن يضرب المثل بنفسه، لكنه عندما يحدد مكان وزمان كتابة الرواية يكتب هكذا: القاهرة أسيوط. أو مصر الجديدة. درنكة، أما تاريخ الانتهاء من كتابة الرواية فيدونه هكذا: 13 مايو 1997/ 6 ذو الحجة 1417/5 بشنس 1713، ولن أتساءل عن تدوين التاريخ الفرعوني القبطي القديم، ذلك أنه مدون في ترويسات صحفنا السيارة، وإن استغربت كتابته في آخر الرواية، أما العبارة الأخيرة فهي: وانضمت ناهد إلى زمرة لابسي السواد. وبين البكاء الأول، والسواد الأخير، مجتمع لا يمكن إلا أن يكون فيه عنصرا الأمة، رغم أن الروائي يسخر من مذيعة التلفزيون عندما تقول هذا الكلام، إلا أنه رغم هذه السخرية بالكلام فإنه يكرسها، حتى وإن لم يهدف إلى هذا. من خلال أفعال الرواية، إن كلام هذه الرواية جميل. ولكن المشكلة هي في أفعالها. والخطير هو الرسالة التي تحاول توصيلها إلى القارئ.
أعلى