سعيد يقطين - لم أفكر قط في فتح الماستر؟

كانت شهادة استكمال الدروس متاحة حتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لكل حاصل على شهادة الإجازة. ارتأى الأساتذة الذين كانوا يدرسون هذه الشهادة، أن هناك ضرورة لإصلاح التعليم العالي بعد الإجازة. كانت حجتهم في ذلك أن الاستقطاب المفتوح كان عائقا، ليس أمام التكوين، فأغلب الطلبة الذين يقبلون على التسجيل في هذه الشهادة يعرفون مستوياتهم جيدا، ولكن أمام التغيبات التي لم تكن تتيح للأساتذة تقديم محاضراتهم بشكل منتظم، لأن كل واحد منهم كان يجد نفسه، في كل حصة أمام وجوه جديدة، لم تكن حاضرة في الحصص السابقة. كما أن بعضهم كان يلتزم بتقديم عرض، ولكنه لم يكن يفي به.
لم يكن الإعداد لهذه الشهادة إلا في فاس والرباط، وكان الطلبة يأتون من كل المدن المغربية، وأغلبهم موظفون، أو في المدرسة العليا للأساتذة. وبما أن المسموح به للتسجيل لم يكن متاحا إلا ثلاث مرات، كان الطلبة يتخوفون من اجتياز الامتحان، خشية الرسوب، وضياع فرصة للتسجيل، لذلك لم يكن يتقدم لهذه الشهادة إلا بضعة طلبة، يرون بسبب إعدادهم الجيد أنهم مؤهلون للنجاح، بالقياس إلى المئات التي تقبل على التسجيل، ولا تتقدم للامتحان.
كانت الشعبة، وكل الأساتذة هم الذين يفكرون، ويقوّمون، ويقررون. ولم يكن أمام عمادة الكلية سوى الاستجابة لقرارات الأساتذة. كان الإصلاح الذي جاء من الأساتذة هو إجراء مباراة القبول، وتحديد سنتين للتكوين. ولم يعترض على هذا الإصلاح أحد، لأنه يصب في مصلحة التكوين، والطلبة، وسمعة الجامعة، لكن سرعان ما بدأت الوزارة الوصية تتدخل في التعليم العالي، وتفرض توصياتها من فوق، ففقدت رئاسة الجامعة، والعمادة والشعب استقلاليتها، ولكنهم ظلوا يتحدثون عن «استقلالية» الجامعة، ولعلهم كانوا يقصدون بذلك استقلالها عن رأي المعنيين بها، أساتذة وطلبة. وكانت التحولات الكبرى التي عصفت بما تراكم من تجارب تدفع إلى التسليم بأهمية تجاوزها للدخول في حقبة جديدة من الإصلاح الجامعي، لكن الطريقة الاستعجالية، والارتجالية كانت تفرغ الإصلاح من محتواه، وتحوله إلى تقنيات بلا شكل ولا مضمون. فكان التراجع أهم سمة عرفها التعليم العالي في تاريخه.
بدأت نتائج الإصلاح الجامعي الذي دشن منذ بداية الألفية الثالثة، يؤتي ثماره السلبية. وما يتداول حاليا حول الفساد الذي طفا على السطح، تحت عناوين الماستر مقابل المال، وما شابه هذا من المقابلات الدنيئة، التي تتمثل في الإسقاطات بالمظلات، والتوظيفات غير النزيهة، والشهادات الملفقة، يضرب مصداقية الجامعة، ويجعل الجميع أمام مسؤولية طرح السؤال حول مستقبل الجامعة.

يتم طرح نظام البكالوريوس (أربع سنوات بدل ثلاث سنوات) وعلى غرار كل التوصيات التي تأتي من فوق، وبدون استشارة المعنيين بالأمر، ويكون فرضها باستعجال، لا يمكن إلا أن نجد أنفسنا أمام رفض الجميع لهذا الاقتراح الجديد.

لا أحد يماري في أن هذه الصورة غير قابلة للتعميم، ولكن الوضع العام يشي بأن عدم التفكير الجاد في إصلاح حقيقي، لا يتوقف على التعليم العالي فقط، ولكن على كل القطاعات، بسبب الترابط الوثيق بينها، لا يمكنه إلا أن يسهم في تكريس الصورة القاتمة، وتعميقها.
في هذا الجو العام، يتم طرح نظام البكالوريوس (أربع سنوات بدل ثلاث سنوات) وعلى غرار كل التوصيات التي تأتي من فوق، وبدون استشارة المعنيين بالأمر، ويكون فرضها باستعجال، لا يمكن إلا أن نجد أنفسنا أمام رفض الجميع لهذا الاقتراح الجديد. من بين دواعي التساؤل عن البكالوريوس تكمن في التساؤل عن مآل نظام «الإمد» (إجازة، ماستر، دكتوراه)، وما صرفت فيه من أموال؟ هل فشل هذا النظام؟ من يتحمل مسؤوليته؟ ومن تنبغي محاسبته على ذلك؟ لقد كنت من بين من رحب بالإصلاح الجامعي، عندما طرح مشروع «الإمد»، في الوقت الذي كانت فئة من الأساتذة ضده. لقد وصل نظام التعليم العالي القديم إلى الطريق المسدود. وكان انخراط شعبة اللغة العربية فيه بجدية، وقدمت مقترحات لإعطائه محتوى يتلاءم مع متطلبات دخول العصر الرقمي. لكن ما تحقق من هذا الإصلاح ظل تقنيا، وتم تحويل الأساتذة إلى موظفين لملء أوراق الامتحان، والسكن في قاعة المعلوميات؟ ظل الاكتظاظ سائدا، وقدمت مادة «التواصل»، وقد فهمت خطأ، على أنها مفتاح الإصلاح. وتمت إعادة النظر في الإصلاح في ما سمي بالبرنامج الاستعجالي، ثم المقاربة الجديدة. وطرحت من جديد مسألة علاقة الجامعة بسوق الشغل، واعتبرت كليات الآداب والحقوق زائدة، ولا معنى لها، وقدمت الإنكليزية على أنها المنقذ، وكلما جاء وزير اجتهد في ضرب كل المكتسبات التاريخية، وفي جعبة الساحر المزيد من الأرانب التي تتراقص على غطاء النعش.
عندما علمت بفكرة البكالوريس لا أخفي أنني عبرت عن استحساني لها، فمنذ أن تم اعتماد الوحدة ـ المجزوءة لم يبق للطالب أي إمكانية للحصول على ما يمكنه، من أن يكون مجازا بالمعنى الحقيقي للكلمة. وكان في ذهني أن السنة الإضافية تكون لتعميق المعارف، بعد إعادة النظر في السنوات الأخرى، لتأهيل الطالب ليكون في مستوى الماستر. لكن ما يبدو مفروضا لا يمكنه تحقيق هذه الغاية لأن منطلقاته لا علاقة لها بالبحث العلمي. منذ اعتماد نظام «الإمد» لم أفكر قط في فتح أي ماستر لانعدام الشروط نهائيا وعلى أي مستوى من المستويات.
أعلى