عبدالله البقالي - أطفال الحلقة الغربية..

هدير الطائرات لم يكن قد تلاشى بعد. و صدى قصف المدافع، كان لا يزال يتردد في الزوايا و التخوم و الأفئدة. و الأبصار لم تكن قد بارحت الطريق الغربية للقرية حيث اختفت قبل وقت قصير آخر فيالق "لاليجو" حين استشرى النبأ كالوباء. منطلقا كإعصار، لم يحمل في اجتياحه صور القتل و القهر فقط، بل و قذف للواجهة بوجوه كانت قد زحفت للهامش على مهل منذ انتهاء حرب التحرير.
النصارى عائدون. شئ كان أكبر من خبر . و أبعد من مشروعية كانت حلقات السور الثلاث في حاجة اليها لاخراس احتجاجات مناهضيها. و تجاوز الامر كل ذلك ليرقى الى مسألة مصير. أسقط كل التحفظات . ودفع بالجميع للانخراط في الجدل الذي كانت حلقات السور مسرحا له.. و لم يحتج أطفال الحلقة الغربية للانتقال لشرق السور لمعرفة ما يروج هناك. فكل الأصوات كانت تصلهم بوضوح، راسمة في امتدادها أشياء لم يعشها كل أطفال الحلقة , ولا يتذكرها معظم شباب الحلقة الوسطى. لكنهم في تلك اللحظة انتبهوا الى انهم لم يكونوا جاهلين لكل شئ. ويستطيعون ان يؤكدوا أنهم عاشوا كل الحروب التي دارت من قبل . ابتداء بحرب الريف , و انتهاء بحرب التحرير. و يستطيعون ان يجزموا انهم رأوا المقاتلين بعيونهم الجاحظة يمشون لابسين جلاليبهم القصيرة المحببة , حاملين بنادقهم العتيقة ليتحصنوا في الجبال ووراء الصخور , و يراقبون العدو بعيون ثاقبة , لينقضوا عليه بخفة الصقور . لقد عاشوا كل ذلك و في مناسبات شتى عن طريق " رقصة البارود" التي كانت تؤديها فرقة " الأقرع" والتي أدركوا الآن أنها لم تكن احتفالية فقط.
سيارة تحمل علامة معروفة تتوقف قبالة الحلقة الشرقية. الراكب يفتح النافذة و يخاطب الجمع.
" النبأ الذي أحطتم به ليس بريئا, صحيح أن بعض الاجانب في طريقهم الى هنا, وهم من جنسيات مختلفة, نساء و رجال سيحتضنهم ورش ستستفيدون من خدماته"
صوت قوي ينتزع الناس من شرودهم عرف فيه صوت " المعلم أحمد" تحدث سائلا الجمع: هل تذكرون قصة "ريفان" ؟
قال المعلم احمد ذلك و ألقى نظرة على رواد الحلقة الوسطى ، ثم أشار الى أطفال الحلقة الغربية و أضاف : تعالوا أقص عليكم حكاية " ريفان"
" ذات مساء عاد الرعاة مصحوبين بشخص غريب قدم نفسه باسم ريفان . كل ملامحه عبرت عن انسان منبوذ يبحث عن تبن. احتضناه, أكرمناه, بنينا له مسكنا يأويه, منحناه أرضا ليحرثها . أكسبناه الحرف التي كنا نمارسها . تصوروا " برادع " ريفان كانت مضرب المثل في الجودة و المهارة في المنطقة بأسرها . وبنفس الكيفية التي ظهر بها , اختفى أيضا. بحثنا عنه في كل مكان , جبنا كل الطرقات, سألنا كل الناس , و اعتقدنا في الأخير أن ريفان هذا لم يكن بشرا. لكن يوم دخل النصارى الى هنا , رأينا أن في كل اتجاه ساروا فيه كانت خطوات ريفان هي السباقة , وكل مكان ألقوا عليه نظرة كانت عينا ريفان هي التي تنظر , وكل شخص استنطق كان ريفان هو الذي يطرح السؤال , و كل بطن بقر , كانت يد ريفان هي التي تحمل السكين.
أنا الآن أتساءل ان كنا لا نعيش لحظة ميلاد ريفان جديد في تاريخنا عبر هؤلاء الوافدين. صدقوني ما عدت قادرا على التصديق أن هؤلاء يمكن أن يأتوا الى هنا من اجل لاشئ".
تساؤلات المعلم أحمد تفتح سبلا شتى تلوح في اقاصيها صور سوداوية قاتمة تزحف بعناد نحو الحاضر و المستقبل, يعرقل تقدمها صوت شيخ واهن قال مجيبا المعلم أحمد:
" لا أعتقد شيئا مما قلت , لأنهم ليسوا في حاجة لأي شئ مما ذكرت. لا تنس أنهم حديثوا العهد بمغادرة البلد, وبهذا المعنى فهم يعرفون عنا كل كبيرة و صغيرة , ربما أكثر مما نعرف عن أنفسنا, اللهم ان كنت تريد القول أن البلد قد نما بشكل جعل ما يعرفونه عنا قد أصبح متجاوزا, لكن هذا شأنك ان اعتقدت ذلك, ثم لماذا يعودون بالشكل الذي ذكرت ما داموا قد ضمنوا قبل رحيلهم بالتوصل بكل ما يرغون فيه لدينا . مغامرون من أجل لاشئ ؟.. لا لقد عرفت فيهم أنهم أحرص الناس على الحياة..
الناس يتيهون بين تساؤلات المعلم أحمد و استنتاجات الشيخ . و النهار يمد جسورا الى تخوم الليل لتعبر عبرها صور مستوحات من ليل القهر الطويل الذي بات الناس لا يصدقون أنه انقضى فعلا.
وحدهم أطفال الحلقة الغربية ناموا باكرا في هدوء . وعند انبلاج الصبح كانوا هناك , في الموقع الذي اختاره زعيمهم الذي كان يضع على رأسه قبعة مماثلة لقبعة الأقرع. لكن ليست هذه وحدها ما كانت حاضرة. كل حركات رقصة الأقرع كانت ممثلة باتقان. ولذلك عندما صدرت الاشارة , انقض الأطفال على صفوف النصارى بنفس الخفة التي يطلق بها الأقرع طلقته ,مع فارق هو أنهم استعملوا الحجارة بدل البارود, وليتواروا بعد ذلك في اتجاهات شتى غيرمبالين بما يمكن ان يحدث بعد ذلك.
و لأول مرة منذ سنوات خلت , انفرجت اسارير المعلم احمد حين تناهى اليه الخبرفقال معلقا.
"كم رائعون هؤلاء الاطفال "
شخص كان يجلس بجواره أفسد عليه نشوته قائلا: كان رايك سيختلف لو أن جسد ابنك يعيش الآن تحت رحمة السياط.
عاد العبوس ليحتل تعابير وجه المعلم أحمد وقال مستنكرا: أحقا حدث ذلك؟.. ثم أضاف بعد لحظة صمت وهو ينظر بعيدا .." لا ..ليست أجساد الاطفال هي ما يجلد.
موكب بألوان كرنفالية يلوح في الأفق . أفراد في ريعان الشباب استعصى على رواد السور التفريق بين جنسهم. ومع اقترابهم ، تركزت الأبصار على وجوه المخلوقات التي بدت غريبة بألأجساد البضة الشبه عارية بشكل جعلت الأغنية المناهضة "للميني جوب " بلا معنى.
أشياء أطالت أعناق رواد السور و أخرستهم. و لدى وصولهم وقف شباب الحلقة الوسطى مادين أيديهم مصافحين . وعند الساحة المفضية الى باب المسجد جهة الحلقة الشرقية ،توقف الموكب. وتشكلت على الفور حلقة كبيرة متماسكة من رجال ونساء . ثم شرعوا في أداء رقصة جديدة كانت أكثر رشاقة و أكثر حيوية . الحركات السريعة للرقصة كانت تجعل الملابس تنزاح فينكشف ذلك القليل الذي كان لا يزال غير مكشوف من الجسد .
هي رقصة جديدة كليا . اكثر اغراء ، أكثر حياة ،في حين باتت رقصة الاقرع توحي بالعنف و الدموية
وحين انسحب الموكب الى مقهى مجاور , شكل أطفال الحلقة الغربية حلقة مماثلة ،وشرعوا في أداء حركات الرقصة الجديدة. وبلغوا قمة نشوتهم حين شاركتهن الرقص بعض الوافدات.أنذاك سمعت جلبة و صوت قوي في الخلف واذا المعلم أحمد كأنما يشهد العالم " ها نحن نجلد مرة أخرى . نجلد بقسوة وعنف أكثر من أي مرة سابقة ،و الجرح غائر وعميق هذه المرة" ثم تابع سيره وهو يضرب كفا بكف و يتساءل" أي شئ تبقى لنا ؟ .. ماهذا الذي لم نخسره بعد؟..ما هذا الذي لم نخسره بعد..؟

هذا النص

ملف
عبدالله البقالي
المشاهدات
18
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى