عامر سنبل - أنا وحبيبتى.. قصة قصيرة

كنا نخرج من المستشفى التى ترقد على شاطئ النهر مثل غزال تستحم فى الضوء، نسير متجاوران، هى وبحر ومويس وأنا نتوحد فى الجغرافيا والزمن والحروف
قلت لها:
– الزقازيق أجمل مدينة فى الدنيا
– إنك تبالغ!

– لم أر نهرا يحتضن مدينة بمثل هذا العشق!
تبتسم وتطير الفراشات ويرق النسيم، نسكن مدنا ملونة، وتصبح عيناها طائرين مهاجرين، نصبح لقاء بحر مويس والأرض، لقاء جميع الأنهار
- أكره المستشفى ورائحة البول
– ماذا تحب اذن؟
- أحبك والشعر والشاى والشوارع
– …………………………………
قلت لها مداعبا:
-أنا أكتب هل ترغبين فى الكتابة عنك؟
-………………………………..
ابتسمت،وبين شفتيها شروق الشمس وغروبها، عالم بأكمله، ابتسمت ولم تقل شيئا
– أنا أكتب عن إناس أحبهم، احتسى القهوة مع أصدقائى على مقهى أندريا فى المساءات ، نتبادل الأفكار، سوف تعرفينهم، نحفر للزمان على حيطان المدينة، هل تحبين المنصورة ؟!، المنصورة غزال المدن.
- …………………………………….
- أنا لاأبصق هناك على الأرض لمجرد أن أصدقائى يوجدون فيها

وكما أن العصافير لا تهدأ من القفز والتآلف على الأغصان كنا لا نمل من القفز على الطرقات ولا نمل اللمسات المتوهجة بالوجد، والضحك وجمع قطرات الندى على الشجر الأخضر، المورق دائما
لم أبح يوما بحبى، شأنى شأن كبارالعشاق ، فضلت أن تظل شعلته متقدة فى صدرى، البوح يطفئها، تبدو علاقتنا لطيفة ومنسجمة، أضاف ذكاؤها المتوقد عليها جمالا إضافيا

كنا فى رواق المستشفى، وفيما كنت أبحث عنها وسط جمع هائل ، تقدم نحوها، مازلت أذكره، يثقب رأسى ويستقر داخله، صافحها بحرارة، طفقا يتحدثان حديثا وديا يدل على معرفة سابقة عميقة.

كان أستاذنا فى الجراحة، يمتلك شهرة واسعة فى هذه المدينة التى بلا ظل، كان أكبر منها فى العمر، لكن كل شيء فيه يلمع، تبدو عليه آثار النعمة والثراء

– كنت أحدثك عن الشمس والأطفال، فيما كنتما تتحدثان ؟
قال لى:
– من أنت؟!
– قلبى موجوع أخبريه من أنا؟!
توهج اللون الأخضر فى عينيها وضوء الشمس ملق على وجهها، يغير النور لونهما العسلى إلى الأخضر ، تدفق الدم إلى وجنتيها فغمرتهما حمرة الخجل، كان وجهها يشع حرارة فأخفته فى راحتيها، ظللنا صامتين
كنت عاجزا عن الكلام ، أجهشت بالبكاء، ولا أعرف لماذا بكت؟!، لم أعرف ماذا أفعل فى الخطوة التالية ؟

ثمة ثقب ما قد حدث، لا أحد يقدر على إصلاحه،الثقب الوحشى المتوهج
– تدسين لى السم فى العسل، فاكتشفه فى آخر لحظة وأفلت من الموت بأعجوبة
لم أسمع ماذا قالت لأنى فى حقيقة الأمر كنت أسير وحيدا على شاطئ بلا مدينة.

وكان علىّ الرحيل، ثمة عصفور عجوز يقف على غصن فى شجرة وحيدة على مدخل المنصورة.
والأيام برتابتها سلسلة من السخف لاتنتهى
لكن أذكرها، لازالت هناك خلف الأشجار البعيدة فى المدينة التى بلا ظل، أذكرها كيف كانت تبتسم، وكيف كانت تبكى فى صمت بليغ، وكيف تدف رموشها، وهذا الحزن النبيل فى عينيها، ولقاؤنا عند حافة الأفق،أذكرها والمناوبة الليلية فى غرفة الطوارئ تنتهى والشمس تنفجر على العالم جحيما ورديا




أعلى