خالد الخنين - عبدالسلام العجيلي: مسيرة العطاء في إبداعها الفذ

... علينا أن نقف كثيراً عند شخصية الدكتور عبدالسلام العجيلي الطبيب الفذ، وأحد المبدعين العرب الذين قدموا الثقافة الراهنة نوعاً من الأدب العربي الروائي ما يعتبر مفخرة لتلك الثقافة ودعامة من دعاماتها المهمة، تلك الدعامة التي أغنت ساحة الفكر بكتاباتها القصصية والروائية، وقدمت تجربتها الحية للأجيال المتعاقبة، فإذا بتلك التجربة تصبح مثار اهتمام الكتاب العرب على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم، وعبر مساحة الوطن الواسعة التي اعتبرت تجربة العجيلي الروائية والإبداعية تجربة متقدمة في مسار الحركة الفكرية المعاصرة.
وإن شخصية العجيلي طبيباً لم تؤثر على شخصية العجيلي أديباً، فكلتا الشخصيتين أبدعت وبرزت في مجالها الحيوي والإبداعي... ذلك الرجل العربي الأصيل، الذي يحمل تلك المكونات البدوية الإبداعية التي أفرزتها مدينته (الرقة) عبر تاريخها الطويل، فإذا بتلك المكونات تضع ذلك الجزء العزيز من وطننا في مقدمة الذاكرة التي وهبت وطنها وأمتها طبيبها المبدع د. عبدالسلام العجيلي وكاتباً من طراز رفيع من أوائل كتاب العرب المتميزين، ومجاهداً في فلسطين أسهم بروحه وجسده وإمكانية جيدة في جيش الإنقاذ حتى بات علماً بمجالاته الثلاث: الطبابة، والإبداع، والجهاد.
لقد تميزت روايات العجيلي بالرومانسية والواقعية الحادة حيث كانت تقدم نماذج حية لوقائع وأحداث من صميم البيئة التي تعكس البيئات العربية على امتداد جغرافيتها الوطنية، كما أثبت العجيلي في تجربته الإبداعية أنه صاحب تجربة متميزة وهادفة، لها خصوصيتها وشفافيتها وعذوبتها التي تحمل قيمة وأفكار مبدعها، تجربة تميزت بالخصوبة والبيئية المتنوعة، والانفتاح على عوالم الثقافات الإنسانية المتعددة، تجربة غنية الأسلوب والرؤية والحداثة الواقعية الفذة التي أغنت ساحة العمل الثقافي بروعتها وقيمتها وخصوصيتها.
تجربة العجيلي تجربة موغلة في أقدميتها وأهميتها، في أزمنتها وأمكنتها، فكما أبدع العجيلي بيئياً وواقعياً، فقد أبدع كذلك في أدبه المقاوم، حيث استفاد من تجربته الجهادية في فلسطين فأغنى تجربته القصصية والروائية بقصص وروايات تتعلق بتلك الفترة التي أعقبت حرب 48م وما بعدها، ونقل لنا عنها وقائع واقع حمل رؤياه وخصوصيته وانبثاقاته الحادة لفترة من أخطر فترات التاريخ العربي المعاصر. يقول د. العجيلي في لقائه مع طلعت شقير في الأسبوع الأدبي العدد 828 وتاريخ 12 10 2002م (منذ العام 1948م كنت مساهماً كلمة وجهاداً، دفاعاً عن فلسطين وعروبتها..
لقد أتاح لي تطوعي في هذه الحملة تجربة فذة، ومعرفة غنية سواء من الناحية الشخصية، أو من الناحية العامة. لقد اكتشفت من خلال هذه الفترة التي قضيتها في فلسطين في ميدان المعارك إذا صح لي أن أسميها هكذا، أشياء كثيرة عن سير أمورنا وعن خصائص شعبنا وعن أقدار رجالنا)...
تتسم تجربة د. العجيلي الأدبية تلك التجربة التي تجاوزت الستين عاماً من الكتابة والعطاء والإبداع بالإيغال الزماني والمكاني والعمق، إنه أروع بدوي عرفته المدينة، وكما أغنته البيئة برؤياه المتعمقة في التفكير واستلهام الشخوص الروائية للحدث البيئي والجغرافي، كذلك منحته المدينة خبرتها وأناقتها ليصبح فيما بعد صاحب أجمل تجربة بدوية مدنية أنيقة كما أكسبته تجربته الطبية والجهادية في فلسطين رؤى ما توفرت لكاتب سواه أبداً... هو يملك مفتاح الشخصية الفذة المتنوعة العطاءات والاهتمامات، وعمق الفعل الإبداعي الجميل، ونلاحظ واقعيته أكثر ما نلاحظها في قصتي (بريد معاد) و(كفن حمود) حيث تناولت القصتان المذكورتان القضية الفلسطينية بكافة شجونها وهمومها وأبعادها.
وإلى جانب روائيته وعمله كطبيب فهو لم يكتب فقط القصص القصيرة والروايات بل كتب أيضاً المقالات التي تناولت كافة الأمور الأدبية والوطنية.
د. العجيلي من خلال مراحل حياته التي عاشها، ومن خلال تفاصيل تلك المراحل، فقد حاول استشفاف روح المستقبل من عمق رؤياه الفكرية العميقة فكتب قصته (نبوءات الشيخ سليمان) حيث طرح من خلال تلك القصة احتمالات ما أفرزته بدايات النهضة العربية، وما سيتلو من أحداث على أرض الواقع العربي تكاد تكون تجسيداً لما حدث حقيقة بين عامي 1948م و1970م... لذا فقصص وروايات العجيلي أكثر واقعية ورومانسية من الكثير من الأدب المعاصر لأنها تجمع بين الأدب الأصيل والأدب المعاصر بتلاحم نسيجي متمكن وحاذق.
وهو ليس طبيباً، وليس أديباً فحسب، فقد كتب الشعر، وها هي الأسبوع الأدبي تمنحنا قطعاً من شعره الجميل الذي كتبه ومنها هذه القطعة التي كتبها بعنوان (مجاهدون) يخاطب بها أمه لدى التحاقه بالمجاهدين في فلسطين:
ودعتُ أمي حين جُزتُ المنحنى
إن قدَّر الله ولم أرجع هنا
أماهُ لا تبكي عليَّ فها أنا
قد صُنت أميّ الأرض من كيد العدا
لبيك يا داعي الفدا
وإلى جانب عشرات الروايات والقصص والمقالات أصدر العجيلي ديوان الليالي والنجوم عام 1951م.
وسيظل هذا القادم البدوي الرائع ابن الرقة الوفي للوطن والتاريخ نقطة مضيئة في تاريخ الأدب العربي المعاصر ونقطة حيوية في تاريخ الطب.
وستظل قصصه ورواياته غذاء فكرياً للأجيال تحذو حذوه في استلهام تاريخ أدبي مشرف للأمة والوطن والأجيال المتعاقبة...
تلك نظرة عجلى على واحد من أدبائنا الكبار الذين تركوا بصمتهم الفذة في تاريخ الأدب والطب المعاصرين، نمنحهم الكثير من حبنا وتقديرنا للدور البارز الذي لعبوه في نهضة العرب المعاصرة على كافة المستويات... مد الله في عمره.. ونفع بأدبه وفنه وعلمه..




.............................................
*المجلة الثقافية، العدد (106)، في 16/5/2005م.
أعلى