أمل الكردفاني - الرجل.. قصة قصيرة

العمارة هذه الأيام صامتة كالقبر، ليس لأنها بلا سكان، ولكن بسبب الأرملة التي سكنت حديثاً فيها، أرملة في أواخر الثلاثين من عمرها، نصف جميلة، نصف أنثى، ذات أصابع مدببة قوية، تبدو مرهقة رغم حركتها النشطة، عيناها خائرتان، ووجهها مكفهر، لذلك فهي ليست السبب المباشر لهذا الصمت الذي تلحفت به العمارة منذ سكنها فيها، بل السبب هو إبنها الذي لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره، ذلك الغلام الأمرد ذو الوجه الجميل، جمال أنثى، طري الجسد، ناعم الصوت طروبه. خفيف المشي، أنثوي الحركة. الغلام الذي فرض الصمت على الجميع، لأن الرجال بكافة أعمارهم، متزوجين وغير متزوجين كانوا يشتهونه في سرهم، وكذلك النسوة والفتيات، غير أن أحداً منهم لم يملك الجرأة الكافية، وهم يصمتون لأنهم إذا حاولوا قدح خنوثته بان كذبهم على وجوههم. لقد وضعهم جميعاً في ورطة أخلاقية وانكشاف أمام طبيعتهم التي ظلوا يخفونها تحت ظلال تجاعيد الصرامة الزائفة. فعندما يجتمع إثنان مع الغلام في المصعد؛ يظلا صامتين متجهمين، وعندما ينفرد به أحدهما، يبتسم مضطرباً، وبارتباك يبدأ حواراً مفككاً وسخيفاً، ثم تزيده ردود الغلام الحائرة إضطراباً وتؤجج حشى محدثه إضطراماً.
وبعد بضعة أشهر، وجد أحد الزوار الغرباء، الغلام مذبوحاً داخل المصعد. كان مذبوحاً برقة شديدة، وبلا أدنى مقاومة، ولكن ملح دموعه كان جافاً على خديه.
....

- هل انت سكران؟
- شربت قليلاً ولكنني لست سكراناً..
يتلفت الشرطيان حولهما، ويقول أحدهما:
- ماذا تعمل؟
- كما تريان إنني رسام..
يتجه أحدهما محدقا في الرسومات، ثم يغمم:
- لا أرى سوى خربشات..هل هذا رسم بالفعل؟ إن ابنتي ذات التسع سنوات ترسم أفضل من هذا..
يضيف الرسام:
- وهذا هو الأستديو الخاص بي..
- تعيش منفرداً..؟
- نعم..
- أنت أعزب؟
- مطلق..
- حسن ما علاقتك بالمجني عليه؟
- لا علاقة لي به..
- وكيف عرفت أننا نقصد الغلام؟..
يضحك الرسام ويقول:
- لأن هذا هو الوحيد الذي قُتل في هذه العمارة..
يتجاهل الشرطي سخرية الرسام ويضيف:
- أين كنت البارحة؟..
- كنت هنا في مرسمي..
- حسنٌ.. سنطلبك إن استدعى الأمر...
ثم خرجا فأغلق الباب، وعاد ليفتح باب دولاب متوسط الحجم، ثم أخرج منه صورة الغلام، كانت مرسومة بدقة بالغة، وكان جسد الغلام فيها عارياً، أخذ الرسام يبكي وهو يمزقها بقاطع حاد قبل أن يدفع بورقها إلى المرحاض، فتدور المياه صاخبة وهي تتلون كل فينة وأخرى بلون مختلف.
....

إن الوقت المناسب غير معروفٍ أبداً، الفعل هو ما سيحدد ذلك. لذلك تشبثت أصابع كفيه بجدار شرفته، وهبط إلى شرفة الغلام ثم عبر من بابها إلى الغرفة المظلمة. وبمصباح يدوي، بدأ يبحث داخل الدولاب ودرج مكتبه الصغير..مجلات كوميكس، أقلام متنوعة، مناديل ورق، أحم..أحمر شفاه؟!!! حاول تذكر وجه الفتى لكنه استبعد وضعه لأحمر شفاه. قلب المرتبة القصيرة عن السرير، فلم يجد شيئاً..ثم ندت شهقة فزعة من صوت أمه عندما فتحت الباب فسقط جزء من ضوء الخارج على وجه العجوز..
- الشيخ..ماذا تفعل هنا؟..
ارتجف خطمه المجعد..وأخذ ينظر للمرأة بقلق..
- هل ستقتلني كما قتلت ابني..
قال بحدة وسرعة:
- لم أقتل ابنك..
قالت:
- لقد بعثت له برسالة..
طأطأ العجوز راسه:
- كنت أحبه..
قالت:
- ألم تخجل من نفسك وأنت رجل دين..
قال بضعف:
- لم أتحمل...قلبي لم يتحمل...لست شاذاً..
قالت بغضب:
- وهو أيضاً لم يكن شاذاً..
ثم غادرت وتركته وهو متجهم الوجه، قبل ان تعود وتمد له بورقة:
- هذه هي رسالتك..
أخذها، وهمَّ بالخروج من باب الغرفة لكنها قالت:
- عد بطريقة اللصوص التي أتيت بها...لا أريد أن يراك أحد وأنت تخرج من باب منزلي في هذه الساعة المتأخرة من الليل....
وهكذا، تشبثت أصابعه المتيبسة بالحائط، دافعاً نفسه لأعلى..كانت مهمة العودة أصعب من الهبوط المتسلل. رفع رأسه، ورأى القمر في السماء، رآه بدراً مكتملاً ووجه الغلام يتلألأ على صفحته...حدق في ابتسامته، ثم انفلتت أصابعه، وأخذ يهوي من علٍ...
....

- أعتقد أننا سنغلق القضية..لقد اكتشفنا القاتل..
قال الضابط، وأضاف لمجموعة الشرطيين:
- غازل العجوز الفتى برسالة إباحية، ثم حاول استرداد الرسالة..رفض الفتى فذبحه، ثم عاد لسرقة الرسالة، وهنا كانت نهايته..
أضاف شرطي آخر وهو يقرأ أوراقاً في ملف كرتوني:
- بحسب الطبيب الشرعي فالعجوز مات قبل أن يسقط..شيء غريب..لقد مات ثم سقط..
قال الضابط:
- تعطل قلبه عن العمل..باختصار تمزق قلبه بشكل غير مفهوم..
قال شرطي قصير ونحيل:
- إن من يحب لهذه الدرجة لا يمكن أن يذبح حبيبه.. كما أن كل معارفه أكدوا انه كان مصاباً بفوبيا الدم...لذلك فإنني استبعد ارتكابه للجريمة.. نعم هناك أدلة على إرساله رسالة غرامية للفتى ولكن لا دليل على قتله له..
إنفتح الباب ودخل أحد الحُجَّاب:
- هناك امرأة بالباب تطلب الإذن بالدخول..قالت بأن الأمر يتعلق بمقتل الغلام..
أشار الضابط للشرطيين بالخروج فخرجوا لتدخل المرأة.
كانت في أواخر الأربعين من عمرها، ذات جسد نصف ممتلئ، وإلى حد ما كانت ملامحها رقيقة وبشرتها لامعة، لقد جلست أمام الضابط وقالت بخجل:
- أنا لم أقتله..
جمع الضابط شفتيه إلى الأمام وانتظرها لتكمل حديثها:
- لقد..لقد أهديته فقط أحمر شفاهي..
أخرج الضابط سجارة وأشعلها، فاضافت:
- كنت مغرمة به..
قال وهو ينفث دخانه:
- والآن؟
نظرت نحوه لبرهة ثم بكت وهي تغطي وجهها بكفيها، ولمح الضابط أصابعها مكدسة بالخواتم الذهبية.
- هل نمت معه؟
طأطأت راسها..فقال:
- مقابل المال..أنتِ غنية..لقد أغريت الفتى بالمال..ولكن..لماذا أعطيته أحمر شفاهك..
قالت:
- لقد.. لقد قال بأن طعم شفاهي جميل..
نظر الضابط إلى شفتيها، شفتين صغيرتين. ولوهلة شعر بتيار مثير يسري أسفل جسده. فهمس "يبدو أن الفتى كان محقاً".
قالت المرأة:
- كل ما أطلبه هو عدم إيراد إسمي في سجلات المحضر..وسوف أدفع للشرطة ما تشاء من مال..سأشتري سيارة لكل ضابط..أنا موسرة..ورثت مالاً كثيراً عن أبي رغم أنني لم أتزوج..ثم..
قاطعها الشرطي بهدوء:
- إنني أتفهم قلقك ولولا ذلك لوجهت لك تهمة الرشوة..عموماً..إن ورود اسمك في المحضر أصبح أمراً مفروغاً منه..مع ذلك يجب أن تفهمي أن التحقيقات محمية بالسرية..إن الحالة الوحيدة التي سيظهر فيها اسمك هي عندما نجد ضدك دليلاً حاسماً...
تحركت المرأة نحو الخروج بخطوات بطيئة، ورأى الضابط أنها تنتعل حذاءً بكعب عالٍ، مما جعل مؤخرتها تتحرك بشكل مثير من وراء ثوبها المزركش بالورود.
وقبل أن تفتح الباب قال:
- هل..هل كان الغلام جيداً..
اكتفت المرأة بهز رأسها إيجاباً..فحدث نفسه "الحب سيجعله جيداً في كل الأحوال".
...

هناك خطأ ما..خطأ ما في كل ذلك.. في الحياة برمتها..وهو ليس خطأ محضاً إنه خطأ متعمد..نحن داخل نظام..داخل سيستم..داخل إله حي...
كل ما في الأمر أنني يجب أن أتعرى، حتى عندما اتعثر تعثراً صغيراً، يجب أن يعلم العالم كله بأنني قد تعثرت.. يجب أن يضحك العالم كله مني...يجب أن أسقط..وأن يتمزق سروالي ليعرف الجميع أنني بخصية واحدة...لماذا يفعل ذلك..
تجيبه المرآة..
- إنك شاحب كالجثة...اغسل وجهك..
تتسع عيناه جزعاً..
- لا تذكريني بالجثة.. إن أنفاسي تنقطع وأختنق...أشعر بالغثيان...
- أنت لم تتناول دواء الفصام منذ شهرين..
- لا أريد..لا أريد...
- ستُلقي الشرطة القبض عليك بتهمة قتل الفتى الجميل..
يصيح ووجه ممتقع:
- لم أقتله..لم أقتله..
- عليك أن تخبرهم بالحقيقة..
- لن يصدقوني..لن يصدقوني..
ينهض ويهرول نحو المطبخ، ثم يضع رأسه تحت صنبور المياه، فتتدفق المياه الباردة على شعره الواهن..يبتلع ريقه الجاف، وتدور عيناه داخل محجريهما، فيتنفس بسرعة:
- عندما انتهت ألوان الله..رسمنا بلا ألوان..
كان يائساً من لوحاته التي لم يرها أحد..
صاح سخان الماء:
- توقف عن الهرطقة..
- لست مهرطقاً أيها التافه..
رأى فرشاة الأسنان تنفش شعيراتها الناعمة وتقول:
- توقف عن الهرطقة..
وكررت كل الأشياء حوله ذات الجملة...معجون الأسنان، الصابونة البرتقالية، المرحاض، الدش، البانيو، الجدران، زجاجة الشامبو...الخ.. فأخرج رأسه من تحت صنبور الماء وهرول ناحية الباب وهو يصيح:
- لستُ مهرطقاً.. إنه مجاز..مجاز فقط... أرجوك..لا تدخلني النار...
خرج نصف عارٍ، فقبض عليه السكان بمساعدة المارة، ثم نقلوه إلى قسم الشرطة.. هناك تلقاهم الشرطي الصغير، فدون معلومات عامة حول الرجل، وعندما أدرك أنه أحد سكان العمارة التي قتل فيها الفتى وأنه كان يصيح منكراً قتله للفتى، تحفظ عليه، ونقل المعلومة إلى الضابط المختص.
- إنه يحتاج لرعاية صحية يا سيدي..
- ليس قبل أن نستجوبه..
- يبدو مجنوناً..
- دفع جيد بانعدام المسؤولية الجنائية..لكننا قبل ذلك يجب أن نتأكد من أنه القاتل..
كان الرجل مقيداً تقييداً شديداً وملقىً تحت أرجل الضابط..
- قتلت الولد؟
- لم أقتله..
- بل قتلته..
وبدأت عملية تعذيب بشعة، فصعقوا خصيته الوحيدة بالكهرباء، وقرصوا حلمتي ثدييه بالكلابات الفولازية، ثم ضربوه..فصاح:
- قبلته فقط..أقسم بأنني قبلته فقط..لم يسمح لي سوى بقبلة..قبلة فقط..
أوقف الضابط التعذيب وقال:
- يبدو أنك عدت لرشدك..
فبكى الرجل..
- كلهم تركوني بسبب المرض.. أقالوني من وظيفتي..زوجتي تركتني..والاشباح تطاردني..لقد كان الغلام هو الوحيد الذي منحني حضناً دافئاً..
- مارست معه الجنس ثم ذبحته في المصعد..
صاح:
- لا.. لم أكن محتاجاً للجنس.. إن أدوية الفصام تقتل رغبتي الجنسية..احتجت فقط لحضن دافئ..وزاد هو قبلة من عنده.. هذا كل شيء..أقسم لك..
- أين فعلت معه ذلك؟
صمت الرجل قليلاً وقال وهو ينظر إلى الأرض:
- في المصعد..
نهض الضابط وقال وهو يرمقه بحنق:
- إذاً..فأنت من ذبحه..
إنتفض الرجل صائحاً:
- لا.. أقسم لك بأنني لم أذبحه..بل لم أقتل حتى نملة...
ثم بكي وهو يضيف:
- كان خطأ..خطأ فقط.. عندما قتلته..كنت في العاشرة من عمري.. كنت طفلاً لكن ذكراه لا زالت في عقلي...مات دون أن اقصد..جررت العصا..فانهارت صخرة من الجدار وسقطت عليه..فانفجر جسده بصوت مكتوم..تطايرت الدماء من حوله.. عيناه القبيحتان خرجتا من محجريهما، كان مشهداً بشعاً... هرولت باكياً وأخبرت أمي بأنني قتلت ضفدعاً...حاولت تهدئتي..لكنني لم أهدأ منذ ذلك اليوم...لم أهدأ أبداً..
صاح الضابط:
- فمن قتل الصبي..
صاح الرجل:
- لن تصدقني أبداً..
قال الضابط وقد أدرك بأنه قد أمسك بطرف الخيط:
- سأصدقك إن لم تكُ كاذباً..
غير أن الرجل صمت، فقال الضابط بنفاد صبر:
- هل تريد تجربة الضرب مرة أخرى؟
انتفض الرجل صائحاً:
- لا ..لا..أرجوكم..
قال الضابط:
- أذاً ..هيا..تحدث..
قال الرجل:
- لقد..لقد قتلته الأشباح.. شبحان ذبحاه من الوريد إلى الوريد..كل شيء مسجل في كميرا المراقبة التي وضعتها..كنت أعلم أن الأشباح ستقتلني يوماً ما..لكنها أخطأت وقتلت الغلام..يا ليتها قتلتني أنا..
قال الضابط:
- لديك كميرا مراقبة؟
همس الرجل واللعاب المختلط بالدم يسيل من فمه:
- في كل مكان.. كل مكان في هذه العمارة المشؤومة..كان عليَّ أن أحمي نفسي من تلك الأشباح التي تطاردني...
توترت نظرات الضابط وهو يقول:
- هل الفيديو موجود في شقتك؟
قال الرجل:
- نعم...
صاح الضابط:
- نظفوه ولتخرج معي قوة إلى شقة هذا التعس..
...

تجمع كل رجال الشرطة حول شاشة الحاسوب وبدأوا في مشاهدة الفيديو..كانوا صامتين تماماً، وكان الفيديو بلا صوت، مشاهد صامتة، حتى همس الضابط وضغط دمه يرتفع:
- حاول تسريع المشاهد..
قام الشرطي بتسريع المشاهد، التي بدت ككتاب القدر، أشخاص يرتقون المصعد وبعضهم يهبط، بعضهم يحمل أشياءً وبعضهم خالي الوفاض، حتى دخل الفتى فأوقف الشرطي التسريع..
همس الضابط:
- كم هو جميل...
وقف الفتى يحدق في المرآة التي أمامه، ملس خصل شعره الناعمة بأصابعه الرقيقة، ووقف. صعد المصعد قليلاً ثم توقف، ودخلت المرأة، التي احتضنته وقبلته قبلة ساخنة، ثم أخرجت من حقيبتها أحمر شفاه وقدمته له، وحين توقف المصعد غادرت وتركته وحيداً، ارتفع المصعد قليلاً ثم توقف، ودخل الشيخ الذي أعطى ظهره للفتى، وبتردد مد له ورقة مطوية من وراء ظهره وكانت يده ترتجف بوضوح. أخذ الفتى الورقة ووضعها في جيبه دون أن يقرأها، وحين توقف المصعد خرج العجوز دون أن ينظر في وجه الفتى. ودخل مباشرة الرسام، الذ أمسك الفتى من ذراعه وخرجا سوياً. ومضى وقت طويل، قبل أن يرتفع المصعد ويهبط بنزلاء آخرين.
همس الضابط:
- سرِّعه..
ضغط الشرطي على زر الحاسب فتسارعت المشاهد، ثم اوقف التسارع حين عاد الفتى ودخل إلى المصعد. وقف الفتى قليلاً لكنه تذكر شيئاً ففتح الباب بسرعة وغادره. قبل أن يعود بعد دقائق وهو يحمل معطفه. بدأ المصعد في الهبوط فضغط الفتى زر التوقف وحاول إجباره على الصعود، لكن المصعد أصر على الهبوط في مساره، حتى توقف ودخل الرجل الفصامي. كان الفصامي يبكي، فمسح الفتى دموعه، ثم احتضنه، وخلافاً لقصة الفصامي، فإنه هو الذي قبل الغلام..قبله في فمه قبلة طويلة، وانسدلت يدا الفتى متراخية. وحين توقف المصعد خرج الفصامي، وهو يصلح هندامه، أما الفتى فقد ارتدى معطفه. ووقف منتظراً ارتفاع المصعد. بالفعل؛ ارتفع المصعد، ثم توقف فجأة برجة صغيرة. أخذ الفتى يحدق في المرآة، وظهرت بقعة سوداء عليها، أخذت مساحة البقعة تتسع، قبل أن تخرج من المرآة في شكل ظل كائنين بلا ملامح أحدهما طويل والثاني قصير.. احتضن ظل الكائن القصير الفتى، الذي استسلم تماماً ومال به الكائن فمدد جسده على أرض المصعد. تقدم الكائن السديمي الثاني، وأخذ يمرر يديه على عنق الفتى، فتفجرت الدماء وسالت على الأرض. بعدها نهض الكائن، وتقلص شبحه هو والكائن الآخر ليعودا كنقطة سوداء داخل المرآة...ثم لتختفي النقطة بعدها تماماً، تاركة جسد الفتى مسجى في دمائه.
ظل الضابط والشرطيون في حالة صدمة صامتة.
...

وقف الرجل محدقاً في وجه الرسام الذي بادله التحديق بصمت. كان الرجلان يقفان أمام باب شقة الرسام. فقال الرجل:
- أريد مساعدتك..
قال الرسام:
- لست مؤهلاً للمساعدة..
ثم أخرج سجارة وأشعلها، فقال الرجل:
- ألا تريد أن تعرف؟
قال الرسام بغير إكتراث:
- لا.. ولكنك تستطيع أن تتحدث بما تشاء..
قال الرجل:
- أريدك أن تعذبني..
قال الرسام:
- يمكنني أن أرسمك إن أحببت..ولكن بمقابل..
التفت الفصامي إلى الجهة اليسرى إزاء كتفه وهمس:
- ليس هناك شيء لترسمه.. لكنني تعرضت للتعذيب في قسم الشرطة.. كان تعذيباً عنيفاً.. غير أنني تفاجأت بعدها بشعور غريب بالإرتياح...
أدخل الرجل كفيه داخل معطفه وأضاف:
- لا أحد يملك قوة جسمانية مثلك في هذه العمارة..ولا أحد سيقبل تعذيبي سواك...
نفث الرسام دخان السجارة وقال:
- ومن قال بأنني سأقبل تعذيبك؟
حدق الرجل في عيني الرسام بقوة وقال:
- لأنك تشعر بالضعف...
سقطت السجارة من فم الرسام..الذي ظل صامتاً لبرهة ثم همس بابتسامة خفيفة:
- قد تكون تجربة جيدة..
قال الرجل:
- ستكون كذلك بالفعل..
دفع الرسام باب الشقة مفسحا الطريق لدخول الرجل.
كانت الشقة معبقة برائحة الأصباغ، ومعالجات أقمشة الرسم. وكان نورها خافتاً، فخلع الفصامي ملابسه كلها ببطء وطواها بعناية. ثم تمدد على بطنه وهو عارٍ تماماً.
إنعكس الضوء على وجه الرسام، وظهرت تجاعيد خفيفة عليه، واختفى محجرا عينيه تحت الظل، لكن عدستيهما لمعتا كعدستي قط..وقبضتاه تضغطان على حزام جلدي سميك.


(تمت)

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
40
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى