د. مصطفى الضبع - دينا صـــــو... رات.. قصة قصيرة

المكتبة التي قضيت فيها نصف عمري في المدينة، أعرفها جيدا، ألجأ لها بصورة شبه يومية، مرة أبحث في موضوع ما لا تنتهي خيوطه، ومرة أكتفي بتقليب الكتب واستكشاف مالم يصلني خبره من قبل.
المدينة التي عشت فيها سنوات تتجاوز أصابع اليد سكانها لا يعرفون المكتبة، وتكاد تكون المكان الوحيد الذي لا أجد فيه تمثيلا لهم.
يوم جئت للمرة الأولى أبحث عن المكتبة توصلت لها بصعوبة بالغة سألت العابرين واستوقفت الخارجين من السوق الصغير كما سألت أصحاب المحال في السوق لم يدلني أحد، المفاجأة أن المكتبة كانت أقرب مما أتوقع للسوق نفسه على بعد عشرين مترا من ساحة انتظار السيارات، لافتة صغيرة لمحتها من بعيد فلما اقتربت منها وجدتها تحمل سهما صغيرا كيوبيديا للمكتبة.
أيام تمر وأنا أتنقل بين الصفحات ، تعودت على أن أكون وحيدا بعيدا عن موظفي المكتبة الذين كنت أراهم في الدخول والخروج فقط .
في البداية عرفت طريقي لقسم الأدب، لاحقا شعرت بمسؤولية تجاه الكتب القابعة منذ سنوات دون اهتمام من أحد، كنت أعد بحثا حول المعرفة في الرواية، تشعب بي الموضوع لأتنقل بين الأقسام المختلفة للمكتبة: المعارف العامة، الطب، الفلسفة، الهندسة، الديانات، التاريخ، الجغرافيا، الفيزياء، علم النفس، الكيمياء ، النانوتكنولوجي ........ تضخمت الملاحظات وتزايدت صفحات الملف الأساسي في البحث .
مجددا اكتشفت قسما مهملا من المؤلفات القديمة ، واكتشفت معه أن الكتب منظمة من الحديث إلى القديم ، فكلما توغلت في المكتبة فأنت تتوغل زمنيا ، بدا المكان مخزنا لا يدخله أحد ، قضيت أياما أستكشف الكتب .
لم يكن للركن البعيد صفة مميزة، فقط ثلاثة دواليب للكتب تشكل مربع ناقص ضلع، لم تكن الدواليب مرتفعة لتخفي ما وراءها فقط كنت أحتاج إلى أن أشب على أطراف أصابعي لأكتشف ما يكون في مسافة أقرب إلى الأرض.
منذ وقت لا أتذكره كنت أشعر بحركة ما خلف الضلع الأيسر، في البداية ظننت أن أحد موظفي المكتبة يعيد الترتيب أو يقوم بعمل ما، في الأيام التالية بدت الحركة غير منتظمة، عشوائية لا تشي بأن هناك إنسانا، وما زاد الأمر غموضا أن بدأت تصلني روائح غير طبيعية تبعتها أصوات غير مفهومة، لأيام تالية كان العمل يأخذني فأنشغل، وفور الخروج أنشغل بأفكاري والوقت المتبقي لإنجاز البحث وتسليمه للمجلة.
عندما انتهيت من هذا القسم ولم فيه ما يحتاج لاستكشاف ، كان علي الانتقال على الجزء الآخر ، فكرت في استكشاف المكان قبل البحث عن الطريق الذي يؤدي إليه ، وضعت الكرسي بجانب الدولاب صعدت مدفوعا بحب الاستطلاع ، كان المكان شبه مظلم ، وكان هو هناك يجلس على منضدة قديمة ، للوهلة الأولى اعتقدت أنني أشاهد شاشة كبيرة : ديناصور عجوز ، منكب على كتاب قديم ، نعم ديناصور ، لم أحدق طويلا وقد اعتقدت أنني أهذي .
ليلا رحت أسترجع العلوم التي أخذني إليها البحث ، لم أتذكر أنني عدت لمرجع عن الديناصورات حتى أنشغل به ، صباحا نسيت الموضوع ، انشغلت بجدولي اليومي.
اليوم فور دخولي المكتبة تذكرته، كدت أستفسر من الموظف الشاب لكنه كان متشاغلا بحديثه في الجوال، تركته للداخل، مدفوعا بالتشوق للاكتشاف.
هناك لم يكن وحده، حوله عشرات من الديناصورات المنكبة على الكتب ، فور دخولي انتبه لي بدا كأنني قادم إليه من زمن استعماري ، وقف متأهبا لمهاجمتي ، كأن ليس موجودا ، توجهت لأقرب منضدة وبدأت العمل ، من موقعي كانت تصلني فحيح مشاعره ، كان يتضاءل ، وأنا أطالع كتابا ضخما عن الديناصورات لأضيف سطرا في نهاية الكتاب : الديناصورات تتآكل من داخلها كلما تشاغلت عنها .
في الخارج كانت هناك ديناصورات كثيرة تستعد للدخول .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى