مـيخائيـل نـعيمـه - على ضريح رفيق

أيّها الرفيق الحبيب !
ما أفصحك ساكتاً ، وأعياني متكلماً ! وما أحراك بالوعظ وأحراني بالصمت والإصغاء !
لست أبكيك ، لأنك حيث أنت في غنى عن الدموع . فأنت حيّ في وجداني كما أنّك حي في وجدان البقاء . وإن يكن في عيني دموع فأنا أحق بها منك . لأنّك قد تجرّدت من شهواتك . أمّا أنا فلا أزال في مهبّ شهواتي كذرّة في مهبّ الريح . ولقد تركتَ مطامعك على الفراش الذي لفظتَ عليه آخر أنحابك . أمّا أنا فلا زال أذهب إلى فراشي فأجد مطامعي تحت وسادتي . وأقوم من فراشي فألبسها بين طيات ثيابي . وأجلس إلى مكتبي فألاقيها بين محابري وأوراقي . ولقد نزعتَ خوف الموت . أما أنا فلا أزال قصبة مرتجفة على سبيل الموت والحياة .
لا ، ولست أحزن عليك ، لأنّي أجدر بحزنك عليّ منك بحزني عليك . وكيف أحزن وأنا أقول مع الرسول : (( يا إخوة لا تحزنوا كمن لا رجاء لهم )) ؟
ولست أعدّد صفاتك ، لأني أجهل صفات نفسي . لكنّ في الكون سجلّاً يحفظ صفاتي وصفاتك وصفات كل بشر . وأنا قاصر عن استيعابه . لذلك أُحجم أن أُقيم من نفسي حَكَماً على خيرك وشرّك . وأنّى لي ذلك وأنا أجهل شرّ الحياة وخيرها ؟
ها أنت في لحدك . وأنا واقف على حافّة لحدك . فما الفرق بيننا ؟
إن جسماً أعطتكهُ الأرض تسترجعهُ اليوم الأرض . وكأنها يوم أعطتك إياه قطعت على نفسها ميثاقاً أن تتغذى به وتُغذّيه . لكنها لم تجعله هبة أبدية لك . بل تركت لنفسها الحقّ باسترداده حين تشاء . ولقد برّت بوعدها فغذتك بأثمارها ، وعطّرتك بأزهارها ، وظلّلتك بأشجارها .
واليوم تستعيد جسمك إلى حضنها لتغذي به أعشابها وأزهارها وأشجارها .
أما أنا ، فلغاية لست أدركها ، لا تزال هذه الأرض تتغذى بجسمي وتغذيه . وستأتي ساعتي فتكفّ الأرض عن تغذية جسدي وتأخذه غذاء لها .
لقد عاد جسمك إلى الأرض . ولا حيف في ذلك ولا غبن . أما روحك التي انبعثت من الروح الكبرى فالأرض أضيق من أن تسعها . وأضعف من أن تدّعيها .
لقد زالت عن عينيك غشاوةٌ لا تزال على عينيّ فأنت ـــ حيث أنت ـــ ترى ما لا أراه ، وتسمع ما لا أسمعه ، وتشعر بما لا أشعر به .
ها هي القبور من حولك معشبة مزهرة . فهل هي تبكي أم هي تضحك ؟ لعمري لا هي ضاحكة ولا هي باكية . بل ماثلة لقوّة الوجود التي لا تعرف فرحاً ولا حزناً . ولا عدلاً ولا ظلماً .
ها هي السماء قد أمطرتنا في هذا الصباح مدراراً . فأين القطرات التي هبطت من السحاب ؟ لقد تغلغل بعضها في التراب . وتصاعد بعضها إلى الجوّ . ولكنّ يداً خفيّة ستعود بها من مخابئها ، إن لم يكن اليوم فغداً ، إلى البحر الكبير الذي انفصلت منهُ .
ونحن ، مَن نحن ، إلّا قطرات انفصلت من بحر الوجود الأعظم ؟ ومهما تقادمت بها الغربة ، لا بدّ لها من العودة إلى البحر الكبير ، إلى حضن خالقها .
لا ، لست أبكيك ولا أحزن عليك ، لأنّك حيّ في وجداني كما أنت حيّ في وجدان البقاء .
ولا أودّعك الوداع الأخير . بل أقول ــ إلى اللقاء يا أخي ، إلى اللّقاء !

زاد المعاد
ميخائيل نعيمه

أعلى