دكتور حسين علي - وداعًا.. نوال السهداوي..

«عيد الأم» .. في هذا اليوم – ويا للمصادفة - رحلت عن عالمنا «نوال السعداوي» .. رحلت كي تخلد إلى الراحة بعد صراع مرير - طوال ما يزيد على تسعين عام - مع أصحاب العقول المعتمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. «نوال السعداوي» طبيبة مصرية، وُلِدَت بالقاهرة عام 1930، تركت العمل في مجال الطب، واحترفت الكتابة والأدب، إنها مثقفة عميقة الثقافة، تتبنى الدفاع عن الحرية بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة. شجاعة وجسورة في دفاعها عما تؤمن به. أفكارها صادمة إلى درجة هيَّجت وأثارت ضدها أغلب السلطات الدينية والسياسية على مدى فترات حكم متعاقبة، حتى إنها سُجِنَت ورُفِعَت ضدها قضايا حسبة للتفريق بينها وبين زوجها، وتعرضت لتهديدات بالقتل والاغتيال والتصفية الجسدية، ولكنها لم تضعف ولم تلن لها قناة رغم إشرافها على التسعين من عمرها. إنها امرأة لا نظير لها بين النساء، ولا حتى بين كثير من الرجال.
بُذِلَت محاولات كثيرة للنيل من نوال السعداوى، وتشويه صورتها وسمعتها، إذ اُتهِمَت بالكفر والإلحاد حينًا، وبمعاداة الإسلام أغلب الأحيان. واللافت للنظر أن كثيرين يرددون هذه الاتهامات دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من صحة تلك الاتهامات، يرددنوها بثقة ويقين، رغم أنهم لم يقرأوا حرفًا واحدًا لها. لأنهم لو كانوا قد قرأوا لها؛ لأدركوا مدى حماسها في الدفاع عن الإسلام، إذ تقول في خاتمة كتابها «الوجه العارى للمرأة العربية»:
«إن الإسلام يتضمن كثيرًا من الإيجابيات التى يجب أن نظهرها ونفهمها فهمًا صحيحًا نابعًا من المراجع المعترف بها.» (د. نوال السعداوى، الوجه العارى للمرأة العربية، مؤسسة هنداوى سى أى سى، المملكة المتحدة، 2017، ص 209).
إن كتابات الدكتورة نوال السعداوى هى أشبه بالمرآة الكاشفة للعيوب والعورات، فإذا نظر شخص ما إلى المرآة، وشاهد البثور والدمامل تغطى جانبًا أو أكثر من وجهه، فسوف يحزن ويغتم، لأن المرآة أظهرت ما يحزنه ويخجله، وقد تنتابه رغبة جامحة في تحطيم المرآة نفسها، رغم أنها لم ترتكب إثمًا سوى أنها عكست الحقيقة وأظهرتها. كذلك هو الحال مع كتابات الدكتورة نوال السعداوى؛ إذ ينفر منها كثير من الناس ويبغضها، وقد يهاجمها بضراوة، لا لشىء سوى أنها تُظهِر عيوبنا وعوراتنا الحقيقية وتكشفها!! وبطبيعة الحال فإن الإنسان- رجل كان أو امرأة- يميل إلى التجمل، والظهور في أحسن صورة، مخادعًا ذاته، ومحاولًا بقدر الطاقة تجنب مواجهة نفسه بمواطن ضعفه، إنه ينفر من كل ما يؤدى إلى فضح عيوبه وكشفها، وهذا على وجه الدقة ما تقوم به د. نوال السعداوى في كتاباتها وحواراتها ولقاءاتها. إنها تضع أيدينا دومًا على مواطن الضعف فينا كأفراد ومجتمعات عربية إسلامية، وتحاول بإصرار لا يلين إيقاظ وعينا حتى نصلح من حالنا.
تضع نوال السعداوى يدها مثلًا على ظاهرة بالغة الخطورة تسود بشكل فج مجتمعاتنا العربية، وهى ظاهرة «ازدواجية القيم الأخلاقية العربية»، والتى بمقتضاها صار للمجتمع أو للفرد حياتان؛ حياة علنية يدَّعى فيها الأخلاق والفضيلة والدين، وحياة خفية ليس فيها أثر لأخلاق أو فضيلة أو دين.
تقول نوال السعداوى: «كشفت في كتاباتى السابقة عن بعض المتناقضات الصارخة في حياة مجتمعنا، وفى حياة الأفراد من الرجال والنساء، لكن الأغلبية الساحقة من القرَّاء في مصر والبلاد العربية يعلمون أن ما أكتبه وما أعرضه ليس إلا القليل من الأمراض المتفشية عندنا، والتى لا يمكن علاجها إلا بمزيد من الشجاعة والصدق في كشفها وتشخيصها ومعرفة أسبابها الحقيقية». (المرجع السابق، ص 172).
وتؤكد الكاتبة أيضًا أن: «هناك بعض الناس الذين يُخفون رءوسهم في الرمال ويدعون أن مجتمعنا ليس فيه تناقضات، وأن كل القيم الأخلاقية والقانونية والتقاليد؛ كلها على خير ما يرام، وكله تمام، وليس في الإمكان أبدع مما كان».
وتستعرض نوال السعداوى تلك الحادثة التى نشرتها جريدة «أخبار اليوم» صباح السبت 23 فبراير سنة 1974، والتى تحكى عن أن مدرس الرسم قام باغتصاب تسع تلميذات تتراوح أعمارهن بين السابعة والثانية عشرة، وقد باشرت النيابة التحقيق، ثم انتهت المحكمة إلى حفظ أوراق القضية، حرصًا منها على سمعة التلميذات وأسرهن، وحفاظًا على مستقبلهن من أن تلوثه هذه الواقعة، ومن ثمَّ تم الإفراج عن المدرس الجانى، ولم يعاقب بيوم حبس واحد؛ بسبب حفظ القضية. (ص ص 172 – 173).
وتُعقب نوال السعداوى قائلةً: «لا شك أن هذه الواقعة تدل بوضوح على ذلك التناقض الشديد الذى يعيشه مجتمعنا، وتلك الازدواجية في القيم الأخلاقية التى تحكم الرجال والنساء، والتى تؤدى عادةً إلى ضياع مستقبل عدد غير قليل من البنات والنساء، منذ الطفولة حتى المراهقة والشباب إلى نهاية العمر». وتستطرد: «قد يتصور بعض الناس أن مثل هذه الحوادث قليلة، ولكن بحكم مهنتى كطبيبة، وبحكم خبرتى أدركت أن مثل هذه الحوادث غير قليلة، ولكن يتم إخفاؤها والتستر عليها بسبب خجل النساء وخوفهن من التصريح بمثل هذه الحوادث، وإدراكهن أن التصريح بها لن يؤدى إلى أى أذى يلحق بالرجل، ولذلك تفضل أغلب الأسر إخفاء مثل هذه الحوادث، خاصةً إذا كان الفاعل أحد أفراد الأسرة».(ص ص 173 – 174).
هكذا تُعرى الدكتورة نوال السعداوى الشخصية العربية، وتكشف عوارها؛ ولهذا هى مكروهة!! إنها تزيح الغطاء عن المسكوت عنه من تناقضات المجتمعات العربية الإسلامية، وازدواجية معاييرها الأخلاقية.


حسين علي
أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس
يوم الأحد الموافق 21 مارس 2021 إنه
أعلى