لطيفة الشعلان - تك.. وينتهي الأمر.. دراسة نفسية لتفسير انتحار الروائي والشاعر الأردني تيسير سبول - الجزء الثاني

يمكن القول: إن انخفاض مصادر الدعم الاجتماعي لدى سبول لعب دور العامل الوسيط بين الكمالية واليأس من جهة والانتحار من جهة أخرى، وأن حالته تؤكد ما توصلت إليه الدراسات من أن مصادر الدعم الاجتماعي لدى ذوي الأفكار الانتحارية تتميز بأنها قليلة أو غير متوفرة بشكل كافٍ، أو تتصف باللامبالاة خلال فترات الشدة الانفعالية (جارسيا وآخرون 2008)، مع ذلك لابد من الأخذ في عين الاعتبار أن الدعم الاجتماعي لا يعني مجرد أن يكون الفرد محاطاً بعدد من الأقرباء والأصدقاء، بل يعني النظام الذي يتوفر على علاقات اجتماعية متعددة ثابتة وطويلة المدى، مع مجموعة من الناس، يمكن الاعتماد عليهم والوثوق بهم، بحيث تكون هذه العلاقات قائمة على المودة والثقة والاحترام والتكامل، ويجد الفرد فيها سندًا عاطفيًّا وماديًّا وملاذًا في أوقات الشدة، وهذا لم يتوفر في حالة سبول.

درجة التدين والمكون المعرفي للموت:

أظهرت بعض الدراسات أن التدين يقلل من احتمالية الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار ويؤثر بشكل عام في تكوين اتجاه سالب نحو الانتحار، ففي دراسة إسكن (2004) على (420 ) شابًا في تركيا، نصفهم يتلقى تعليمًا دينيًا ونصفهم الآخر يتلقى تعليمًا علمانيًا، أظهرت النتائج أن الأفكار الانتحارية تكررت بشكل أكبر لدى المجموعة العلمانية، وأن موافقتها على الانتحار كخيار شخصي كانت أعلى مقارنة بمجموعة التعليم الديني. كما ظهر من إحدى الدراسات الأوروبية أن 25% من المرضى النفسيين من المنومين والمراجعين في العيادات الخارجية أقروا بأن العامل الديني يقيهم من التفكير في الانتحار من خلال الإدانة الدينية للانتحار ومن خلال تعزيز الدين لإستراتيجيات التعايش مع ضغوط الحياة (هيوجيولت، 2007).

وفي دراسة سيجرست (1996) تبين أن الأفراد الذين كانوا يحضرون للكنيسة بانتظام كانت اتجاهاتهم سالبة نحو الانتحار، كما أن الكاثوليك قد كشفوا عن درجة موافقة أقل على الانتحار كخيار شخصي مقارنة بالبروتستانت، والبروتستانت بدورهم كشفوا عن درجة موافقة أقل مقارنة باللادينيين.

وبالنظر في حالة سبول فلم يكن متدينًا، ولم يمر بأي مرحلة دينية حتى خلال مراهقته، وقد أورد يوسف عن عبد الحق قوله في سبول «كان يشرب ويدخن، لم يكن متديناً، وكان محبًا للنساء (يوسف، 1974، ص 26). وأورد يوسف كذلك قولاً مشابهًا للمناصرة عن عدم التزام سبول الديني ( يوسف، 1974، ص 32). كما أن هناك من ذكر بأن سبول وصل إلى حد الإدمان على الكحول مثل النحاس (سلامة، 2009).

لكن دراسات أخرى أثبتت أن الميكانزم الذي يعمل ضد الانتحار ليس متضمناً في الدين في حد ذاته، بل في درجة الدعم الاجتماعي الذي يجده الفرد ضمن مجموعته الدينية، وفي قدرة المجموعة على تأسيس شبكة اجتماعية تفاعلية للمنتسبين لها، إذ إن الكاثوليكية مثلاً تُعزّز المشاركة الاجتماعية والاندماج الديني أكثر من البروتستانتية (سبوري وآخرون 2010). كما وجد روبنس وفسك (2009) من دراساتهم على 454 طالباً جامعيًّا أن الاشتراك في الصلوات والأنشطة الدينية الجماعية وليس الفردية ارتبط ارتباطاً موجباً دالاً بانخفاض درجة الأفكار الانتحارية، كما أن الدعم الاجتماعي توسط العلاقة بين التدين وانخفاض احتمالية الانتحار، أما الاعتقادات الدينية نفسها فلم تكن عاملاً وسيطاً. كذلك انتهى سايمونسون (2010) إلى أن الدعم الاجتماعي الذي يقدمه الاندماج الديني وليس الاعتقادات الدينية في حد ذاتها هو عامل الوقاية من الانتحار.

وهذا يؤكد استنتاجي السابق من أن سبول كان يعاني من نقص في درجة الدعم الاجتماعي، وبالأخذ في عين الاعتبار طبيعة المجتمع الأردني العشائري، والمحافظ دينيًّا واجتماعيًّا، تقوى احتمالية تأثر درجة الدعم الاجتماعي الذي يلقاه الفرد بدرجة مشاركته الاجتماعية والدينية في الشعائر والمناسبات الجماعية ذات الصبغة الدينية. ويُعزّز هذا الاحتمال أن سبول كان منتمياً إلى نخبة المثقفين التي كانت تمثل طبقة محدودة لها شروطها ومعاييرها وأفكارها التي تميزها وربما تفصلها عن باقي المجتمع الأردني خصوصاً خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي.

مع ذلك فإنني أرى أن نظام الثواب والجزاء الأخروي، والفكرة الدينية التي جوهرها الصبر والتسليم واحتمال مصاعب الحياة، لها دورها في تخفيض عامل الخطورة للإقدام على الانتحار، مما يرجح بأن العاملين معًا كانا فاعلين في حالة سبول، وهما: انخفاض التدين في حد ذاته، وانخفاض الدعم الاجتماعي عامة بما في ذلك الدعم المعزّز من قبل التدين، أو الذي يقدمه المجتمع الديني لأتباعه.

ومن ناحية أخرى خلص عدد من الباحثين إلى أهمية المكون الغائي أو المعرفي أي المعنى الفلسفي للموت والغاية منه، ومفهوم الحياة الأخرى، لفهم الدافعية التي قادت الفرد إلى قرار الانتحار (ستوب وآخرون 2010). وأرى بأن الفكرة الشائعة بين المنتحرين وهي انطلاق الروح من العالم المادي المتحدد زمانًا ومكانًا، المليء بالألم، إلى العالم الآخر المطلق حيث السلام النهائي والراحة القصوى ربما تشكلت في ذهن سبول، فقد اعتاد خلال العام الأخير الذي سبق انتحاره على الإكثار من زيارة شنار(7) حيث يمضيان الوقت في مناقشة عدد من المسائل الغيبية كالروح وأحوال الموت وحياة البرزخ وطبيعة الجنة والنار (السواحري 2005 ، محمود،2010 ، المناصرة، بدون تاريخ).

وأتفق مع رأي الأزرعي بأنه «ليس هناك أي دليل على صوفيته الحقيقية لا في مسلكه ولا في أفكاره ومواقفه» (الأزرعي،1980، ص، م)، وأرى بأن قرار الانتحار حين أصبح نهائياً في ذهن سبول، بدأ في البحث في عدة اتجاهات من بينها الصوفية عن تصور يتلاءم معه نفسيًا وعقليًا فيما يتعلق بمعنى الموت، وما هو مصير الروح بعد مفارقتها للجسد. ويؤكد هذا ثلاث ملاحظات، الأولى: أن اهتمامه المفاجئ بالصوفية جاء خلال العام الأخير من حياته، ومن الثابت أن الأشهر الأخيرة في حياة المنتحر تكون حاسمة في قراره بالانتحار، والثانية: أن موضوعات الروح وأحوال الميت هي التي كانت تستغرق هذه المناقشات الصوفية. والثالثة: معلومة يذكرها السواحري (2005) وهي أن زيارات سبول لأمين شنار تخللتها بعض الجلسات المعروفة ب (تحضير الأرواح)، فهذا السلوك الذي لا يتفق مع تكوين سبول المعرفي والثقافي يبين أنه قد أصبح متعلقاً بدرجة كبيرة بمحاولة اكتشاف منطقة ما بعد الموت، إلى حد التأثر ببعض الأفكار الصوفية مثل كون الموت مجرد انتقال من حال إلى حال واستبدال دار بدار، بحيث تبقى الروح مستقلة بذاتها تسمع وترى وتحس وتدرك بطريقة غير إرادية، ولا يضعفها مفارقتها للجسد بل هي تصبح أقوى وأنفذ وأمهر لانقطاعها عن العلائق المادية (ابراهيم، 2004،).

وألفت النظر إلى أن معنى الموت قد لا يتم الإفصاح عنه من قبل المنتحر خلال حياته حتى مع تبلوره، لأنه يدخل في نطاق الشأن الشخصي خصوصاً في الثقافات التي تسودها مسلمات مكتملة واجبة الإيمان عن طبيعة الموت وشكل الحياة الأخرى، بحيث يُعدّ الخروج عنها أمرًا مرفوضاً ومداناً.

بناء على جميع ما سبق، يبدو بأن سبول قد وصل إلى تشكيل فكرة شخصية مطمئنة لمعنى الموت، زاوج فيها بين أفكار المتصوفة، وبين عقلانية ذاته المثقفة. وقد شكلت هذه الفكرة أخيرًا العمق أو المكون المعرفي لقرار الانتحار، ولعبت مع انخفاض الدعم الاجتماعي دور العامل الوسيط الثاني في العلاقة المباشرة التي ربطت الكمالية واليأس بالانتحار.

* * *

الهوامش:

* هذه المقالة تستند إلى دراسة علمية محكمة منشورة للكاتبة في مجلة كلية التربية ، جامعة عين شمس، 2011، العدد 35، ج 2. وفي حال الرغبة في الحصول على الدراسة كاملة مع جميع مراجعها العربية والإنجليزية يمكن التواصل مع الكاتبة على بريدها الإلكتروني: [email protected]

( 1) منهم على سبيل المثال: إسماعيل أدهم (1940)، صالح الشرنوبي (1951)، عبد الباسط الصوفي (1960)، منى جبور (1964)، انطوان مشحور (1975)، لؤي كيالي (1978)، محمد رجائي عليش (1979)، خليل حاوي (1982)، قاسم جبارة (1987)، عبدالله بو خالفة (1988)، صفية كتّو (1989)، عبد الرحيم أبو ذكري (1989)، أروى صالح (1997) حياة شرارة (1997)، كريم حوماري (1997)، سعيد الفاضلي (2004)، مهدي علي الراضي (2007).

(2) وجدوا في جيبه قصاصة قال فيها الأبيات التالية: أنا يا صديقي .. أسير مع الوهم أدري .. أيمم نحو تخوم النهاية .. نبيًا غريب الملامح ..أمضي إلى غير غاية .. سأسقط لابد يملأ جوفي الظلام ..نبيًا وما فاه بعد بآية !

(3) على سبيل المثال تم كثيرا تفسير انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي عام (1982) على أنه احتجاج على دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان، لكن الأديبة ديزي الأمير التي كانت مقربة منه فنّدت التفسير السياسي وأشارت إلى العوامل الشخصية في انتحاره (الأمير، 1983).

(4) والدها بحريني ووالدتها سورية وقد ولدت في الكويت وتابعت دراستها في مصر وعاشت في الأردن (يتيم، 2009).

(5) بتأثير من اليأس انتحرت عام 1997 الكاتبة والأستاذة الجامعية العراقية حياة شرارة مع ابنتها الكبرى وأقرت بلقيس شرارة في تقديمها لرواية شقيقتها الراحلة «إذا الأيام أغسقت» بأن اليأس هو الذي جرّ شقيقتها إلى أن تضع حدًا لحياتها، من دون أن تقع في شرك اختلاق احتجاجات سياسية أو قضايا عربية كبرى.

(6) لاشك إن سبول بعد 38 عامًا من رحيله لا زال حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي الأردني. فرحيله بهذه الطريقة المفجعة حقق للأدب الأردني أيقونته الخاصة، كما سبق وكان أمل دنقل مثلا أيقونة الحداثة المصرية، أو بدر شاكر السياب أيقونة الأدب العراقي. وهذا قد لا يرتبط دائما بشروط موضوعية، إنما قد تلعب نوعية الحياة أو طريقة الممات دورًا في ذلك.

(7) أمين شنار أديب كان قد فاز مع سبول بجائزة «دار النهار للنشر» مناصفة عام (1968)عن روايته (الكابوس) ثم تصوف واعتزل الحياة الثقافية والأدبية.
أعلى