أمل الكردفاني - النغم الأساسي.. قصة قصيرة

"في ذلك التاريخ، السنة، الشهر اليوم الساعة الدقيقة، اللحظة التي التقى بها تحت الجبل. تلك قصة هوليودية، ولكنها فارقة في مسار الحياة. الجبل هو الأثقال التي حملها فوق ظهره هائماً في البراري بلا هدف سوى الخلاص.
وتصيح إلهة أثينا وعينها فوقهما صيحة الغبطة، فليس كل حملة الأثقال يحظون بفرصة اللقاء بالحب، النغمة الأساسية التي ترسم حولها الإيقاعات السريعة والخلفيات الحزينة، ويكون لكل عازف آلة؛ دوره في تحريك الكون سنتمترا واحداً في إتجاه المجهول. هو الذي لم يكتب يوماً بيت شعر واحد، ولا يعرف وزن القصائد، ولا البحور، ولم يقرأ سطراً من روايات الحب. غير أن السماء قد تمطر ذهباً في بعض الأحيان التي تتوقف فيها عن إسقاط الأفاعي السوداء ذات الشوارب الطويلة.
إنها قصة حب عابرة للزمان والمكان، فكأنما المحرومين من ذلك الشعور قد عاشوا موتى، مهما بلغ شأنهم في الحضور داخل التاريخ الإنساني، نيتشه وكافكا وشوبنهاور، وكل من هزمهم الحرمان حتى غبر التراب آخر أصبع من أصابع اقدامهم. وشيعهم ملايين البشر. تلك اللحظة التي تنهار فيها الفلسفات الكبرى، ويغدو المثقف جريح الكبرياء ويتساوى الفيزيائي بالكلب المصاب بالأنيميا".
صمت الكاتب الشاب عن القراءة وسمع الرجل يقول:
- هذه مقدمة طويلة لقصة حب..عليك أن تتجنب أن تكون بلزاكياً فنحن لسنا في القرن التاسع عشر.
ألقى بالمسودة على طاولته السوداء المغطاة بقطعة زجاجية شفافة سميكة الحجم. كان عنوان الغلاف مقلوباً أمامه "النغم الأساسي"..
أضاف الرجل الذي يشمر أكمام قميصه ويمسك سجارة بين السبابة والوسطى:
- وتجنب كذلك أن تكون ككونديرا تمارس لعبة التفلسف. كان دستوفيسكي أكثر ذكاء من كونديرا، ومع ذلك فكان ذلك أيضاً من أكثر أسباب إحباطاته المتواصلة..إن كلمات موجزة يمكن أن تلخص ماضي وحاضر بل ومستقبل فرد، عندما شارك آلان ديلون في حرب الهند الصينية قال: ماتت كل الأشياء الجيدة فيَّ وكل الأحلام، لم يتبق سوى الواقع. أليست جملة موجزة وثرية بالألم..هكذا يجدر بك أن تكتب عن الحب، بجمل قصيرة ثرية بالألم..لأن الحب أحد وجوه الألم..
...
لقد أعجبه العنوان الذي ورد إلى ذهنه دون سابق إخطار، النغم الأساسي"، أما بعد كلام الناشر فقد كره العنوان والرواية برمتها. وفكر في إيجاد عمل حقيقي، عمل من أعمال الرجال.
قال لصديقته:
- المشكلة أنني لا أصلح لأي عمل يا ديفكا..لا أصلح لأي عمل سوى الكتابة..
ديفكا مهاجرة من شرق أوروبا، حصلت لتوها على اللجوء السياسي، وكانت تحبه حباً خاصاً، لأنها كانت فزِعة فقط. ذلك الحب الذي لا يمكن الوثوق به.
- كان فراري صعباً من مجاهل أفريقيا إلى هنا.. لا شيء يحثني على الحب لأكتب عن الحب..ولكنني أكتب عن الحب لأنني أبحث عن بعض المعنى داخلي..ذلك المعنى الهارب دوماً من أمامي..
وضعت ديفكا يدها على يده، وأرادت أن تقول أشياء كثيرة، لكنها لم تفعل، لأنها تحذر من أن يفهمها الكاتب الشاب فهما خاطئاً..
- ها أنا أدخن كل يوم ستين سجارة..ديفكا..هل تحبينني؟
فاجأها بسؤاله، وكان الاعتراف صعباً والصمت أصعب..
طأطأ رأسه وهو يهمس:
- فهمت فهمت..
قالت:
- ماذا فهمت؟
- فهمت أنني لن أسعد بحظ جيد في حياتي..
ثم أضاف بانفعال:
- لقد عودت عقلي على ذلك..لكنني أغامر في بعض الأحيان ببعض الأمل..
قالت بصوتٍ حان:
- لماذا فهمت أنني لا أحبك؟
رفع عينيه إلى عينيها وقال بدهشة:
- حقاً؟
قالت:
- حقاً.. إنك مندفع في أحكامك المتسرعة..
ثم شبكت أصابعها في أصابعه:
- ليس سهلاً عليٍَ أن أعترف..
قال بسرعة:
- لماذا؟
- لأنني.. لا أعرف على وجه التحديد.. إنك..إنك..
- إنني ماذا؟
قالت بسرعة:
- إنك مندفع قليلاً..ليس قليلاً بل كثيراً..هذا ما يشعرني بأن عاطفتك قد تكون وقتية..
صمتت وقالت ببطء:
- لا أعرف كيف أصوغ أحاسيسي بنفس براعتك..
نظر إليها طويلاً بصمت، ورأى نفسه معها تحت الجبل.
...

- ما قاله لك صحيح وغير صحيح يا عزيزي..
قال صاحب المكتبة الأرمني العجوز:
- يجب أن لا يفرض عليك فلسفته..إن الكتابة تحرر..كونديرا كان يتحرر ولم يكن يتفلسف كما قال ذلك الناشر، وهذا فرق كبير..فالأدب باب موارب يقف الكاتب خلفه دون أن يدخل حتى يتجنب مثل تلك الأحكام، إنه عاش حراً ولن يقبل من أحد أن يحدد له خياراته في الحياة حتى لو كان ذلك حذف جملة قصيرة من النص..
ثم جر نفساً من الأرجيلة وقال:
- مع ذلك فالتجارب ستصقلك عبر الزمن..وتجارب الكاتب لا تأتي عبر الحياة فقط بل عبر القراءة.. وليست أي قراءة، بل قراءة رفيعة المستوى لنصوص رفيعة المستوى أيضاً..
نكس خرطوم الأرجيلة فوق عنقها واستطرد:
- منذ أن هاجرت إلى هذا البلد وأنا أعمل في بيع الكتب..وبيع الكتب عكس كل الأعمال الأخرى..فكل الأعمال الأخرى تكون بدايتها صعبة ثم تسهل مع مضي الزمن ما عدا مهنة بيع الكتب، إنها تبدأ سهلة ثم تزداد صعوبة لأنك بعد مضي الوقت ستشعر بالتزام مسؤول عما يجب أن تعرضه على الزبائن.. لأننا نتشارك القليل من المشاعر المثالية التي تردد بصوت مفجوع: عليك أن تغير العالم..والعالم لا يتغير لكننا لا نفقد ذلك الإلتزام أبداً لأنه يلتحف بأسلوب تفكيرنا ونبضات قلوبنا..ويشعرنا بإحترام أنفسنا..
- ديفكا تحبني..
لم تبدُ على ملامح العجوز أي ردة فعل بل ظل صامتاً..
فنهض الشاب ليغادر. قال العجوز مودعاً:
- احترس من تلك القصص إن لم تكن مستعداً لها..
...
يسقط جدار برلين ويتفكك الإتحاد السوفيتي.. تقتحم الصين عالم الرأسمالية، ويختفي حلم هزلي في عقل الشاب. مع ذلك فهو يحمل روايته باحترام وتبجيل. وديفكا التي لم تقرأ فيها حرفاً واحداً تصفها بأنها أروع الروايات الرومانسية. لكنه يصدقها، وهو يصدقها لأنه يصدق حبها له، وما دام حبها عظيماً فهذا يعني أنه لا يقل عظمة عنه.. ويشعر هنا بسطحية تُشبع دماغه بهذيانها..لكنها سطحية لذيذة، فيبتسم قلبه.
ناشر ثالث ورابع وخامس وسادس وعاشر..والنغم الأساسي لا يصدر صوتاً..فلا توجد أصابع تجروء على تحريك الوتر.
ثورة طلابية عظيمة تحطم بقايا العسكريات في أفريقيا التي يتجاهلها عمداً نتيجة إحباطات أكبر، تنهض ثورات شبيهة، وجلده كذلك يثور، وتتمدد صفائحه تجاعيداً وظلالاً كئيبة.
ينجب طفلته الأولى من ديفكا، ويقرر حينها الهرب.
يهبط لأفريقيا فيلفح وجهه سمومها، ويرى الوجوه السوداء الشاحبة.. وعبر المزياع الإنجليزي القديم يسمع أحد الزعماء يصيح:
- سنغير لغتنا من لغة المحتل الأجنبي..علينا أن نمتلك لساننا الذي ورثناه عن أجدادنا.. لن نفرط في هويتنا مرة أخرى..
يصدر القرار بذلك وتمضي سنوات الثورة، والشعب لا يتمكن من تغيير لغة المستعمر..وفي نهاية الأمر تضطر الحكومات التي باعد الزمان بينها وبين لحظات الإحتشاد الشعوري بالثورة لإلغاء قرار الآباء الأوائل معتمدة لغة المستعمر لغة أجنبية..
- ما العمل الذي تجيده؟
ويحار جواباً، ويخجل في نفس الوقت من أن يقول بأنه يجيد الكتابة..لكنه يقلها؛ فيرد صاحب المطعم:
- نحن لا نبيع شعراً..نحن نبيع طعاماً..يمكنك تنظيف الأرض..هل لديك أوراق صحية؟
يفرد ورقة تثبت عدم تعرضه لأمراض معدية، وتلقيه للأمصال اللازمة للوقاية منها. ثم يستلم مكنسة القش ذات العصا الخشبية الطويلة، وجردلاً مغطى بكيس بلاستيكي..
على الهاتف يأتي صوت ديفكا مرتعشاً:
- هل ستعود؟
ينظر إلى الأفق وهو ممسك بسماعة الهاتف العمومي..
- لا .. لا أعرف..
- وابنتك؟..
يطأطئ رأسه وهو يحدق في حذائه المثقوب:
- إن العالم يلفظني يا ديفكا.. على الأقل.. على الأقل هنا هم يشبهونني..
تهمس ديفكا:
- والنغم الأساسي؟
يبتلع دموعه بصمت:
- وداعاً..
يتحشرج صوت الهاتف فيضع السماعة برفق..ويرى حينها السماء تزداد سواداً قبل أن تهطل منها الثعابين ذات الشوارب النحيلة..

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى