أمل الكردفاني - دولة بانجوقا الجديدة

بعد يومين، وفي الساعة السادسة صباحاً، سيتم الإحتفال بتقرير مصير شعب البانجوقا، وولادة دولته.."دولة بانجوقا الجديدة". بعد سنوات من النضال المرير، نضال الأجداد والأحفاد..ضد إحتلال قبيلة المورين..استمرت الحرب الأهلية خمسين سنة، أجيال وراء أجيال، وموتى وجرائم حرب..لكنهم أخيراً سيحتلفون بتقرير مصيرهم، وسيخاطب الجماهير الرمز المناضل أناكولي ساسيادي كريمو، الذي حمل السلاح لخمسة وعشرين عاماً من أجل تحرير شعبه.
تجري الإستعدادات على قدم وساق، لقد تم وضع الكراسي والأرائك الوثيرة الخاصة بكبار المدعويين من ملوك ورؤساء وسفراء الدول الأخرى تحت الخيمة الرئيسية الواسعة وعلى جنباتها تتوزع مكيفات الهواء؛ أما خلف الشخصيات البارزة فمجلس مخصص للشخصيات القومية، وأمام الخيمة المنصوبة، باحة واسعة ستقف عليها جماهير المناضلين. وقد قرر أناكولي أن يتم دوماً وباستمرار استخدام كلمة "الشعب النضالي"، في كل شيء، فيجب على مقدم البرنامج الإحتفالي أن يشير إلى ذلك بقوله:
- إن المناضل أناكولي ساسيادي كريمو ابن الشعب النضالي، سيحدثنا عن ذلك الماضي البائس ومعاناة شعبنا النضالي طيلة أكثر من خمسين عاماً. لقد كان المناضل أناكولي ساسيادي كريمو أحد الذين استمروا في إمساك راية الحرب بعد وفاة القيادات الأقدم ليكمل نضال شعبه النضالي. كان المناضل أناكولي ساسيادي كريمو الوحيد الذي لم يصب بالإحباط بعد معركة نهر البانجوقا الكبرى والتي راح ضحيتها المناضلون القدامى شهداء من أجل الشعب النضالي. تلك المعركة الضخمة التي يتذكرها المناضل أناكولي ساسيادي كريمو أكثر من غيره، لأنكم كما تعلمون فقد فيها عينه اليسرى. لكنه قال: هذا أفضل لكي أصوب بمنظار بندقيتي دون حاجة لإغلاق عيني اليسرى. وهنا ارتفعت معنويات شعبنا النضالي بفضل المناضل أناكولي ساسيادي كريمو.. سيتقدم المنصة الآن سفير دولة القرمز الأحمر، ليدلي بكلمته عن نضال قائدنا المناضل أناكولي ساسيادي كريمو وشعبه المناضل..
كانت التعليمات واضحة ومختصرة ومحددة، لا بد من ذكر كلمتي "الشعب النضالي" باستمرار حتى لا يفقد الشعب النضالي روحه الجماعية. وقد جلس أناكولي قبل ساعات من الإحتفال إلى مكتبه الوثير، ثم لاحظ حضور العميد ديديه ولكن بوجه شاحب.
- يجب أن أتحدث يا مناضل أناكولي.
-أناكولي ساسيادي كريمو..أنت تعرف أنني أحب أن يخاطبني الناس بإسم أبي واسم عائلتي..
- حسنٌ..لكنني رغم ذلك أود أن أتحدث إليك.
- تفضل..
- لا ينفع يا سيد أناكولي ساسيادي كريمو أن تكون هذه بداية دولتنا الوليدة..
نظر إليه أناكولي وهمس بهدوء:
- ماذا تقصد؟
ظل ديديه مرتبكا ومتلعثم اللسان لكنه عقد عزمه وقال:
- أقصد أنك تخلق بروباغاندا ضخمة حول نفسك..إنها بداية لدولة دكتاتورية ليست تلك التي كنا نحلم بها..
طالت نظرات أناكولي نحو وجه ديديه، وهو يفكر بعمق. ثم غمغم:
- استمر يا سيد ديديه..استمر..
قال ديديه:
- إنك تستطيع أن تظل زعيماً خالداً لو دعوت لانتخابات رئاسية نزيهة ورفضت الترشح فيها..هكذا ستنأى بنفسك عن تلويثها بالإجرام الذي يلي السلطة..ستكون رمزنا وشعارنا إلى الأبد..
أغمض أناكولي عينيه مسترخياً وقال:
- آه يا ديديه..ومن قال أنني لن أفعل غير هذا؟..كل مافي الأمر أننا دولة وليدة..وتحتاج في خطواتها الأولى لقيادي محنك وله كاريزما وتاريخ، حتى لا تخسر الثورة وبالتالي يشمت فينا الأعداء..أليس كذلك يا ديديه؟
كان ديديه ينظر إلى الأرض بحسرة ولم يرفع عينيه حين قال:
- نعم يا سيدي..نعم..
- إبتسم الآن يا ديديه فنحن الآن نصنع دولة كما صنعنا تاريخاً..
وضع ديديه ملفاً على طاولة القائد المناضل وقال قبل أن يغادر:
- لقد نشر موقع غربي تقارير استخباراتية مسربة عن كل الملايين التي تلقيتها وأرقام حساباتك في بنوك العالم..وقالت التقارير أيضاً أكاذيب أخرى مثل أن عينك اليسرى فقأتها إحدى النساء المغتصبات..سيغتالونك يا سيدي إن لم تكن حذراً..
وحين ابتعد ديديه حمل الزعيم الملف وطالع الأوراق وجبهته تتصبب عرقاً..
- كلاب.. لقد خدمتكم يا كلاب والآن تريدون بيعي... لن يحدث هذا لأناكولي ساسيادي كريمو يا حمقى..
وتمت تصفية ديديه بعد الإحتفال مباشرة على تخوم غابة الغزلان المطلة على نهر بانجوقا.
لكنهم لم يتركوه، لقد تفاجأ أناكولي بقضايا جنائية أمام المحاكم الدولية تتهمه بإبادات جماعية وجرائم حرب، وتمت محاصرته حصاراً شديد طوال فترة حكمه الذي استمر خمسة عشر عاماً قبل أن يتم شنقه بعد انقلاب عسكري مدعوم من الغرب لأن أناكولي وفي لحظة يقظة ضمير طرد الشركات الضخمة التي كانت تسرق الأحجار الكريمة من باطن أرض البانجوقا، هكذا كتبوا عليه نهاية بشعة بالشنق وحطمت الجماهير الغاضبة تمثاله المسمى تمثال عظمة البانجوقا..وتم تنصيب رئيس جديد لدولة البانجوقا الجديدة. وهو السيد رحيم ديديه. ابن المناضل الشهيد ديديه دي ماراي. لتبدأ حقبة جديدة لشعب البانجوقا، وهي حقبة اتسمت بالتناقض الحاد بين الفقر المدقع للطبقات الكادحة وانتشار الجريمة ورفاهية الراسمالية الجديدة، تحت حكم ديموقراطي ينتخب فيه رحيم ديديه كل خمس سنوات حيث لم يخسر أبداً حتى آخر يوم في حياته عندما شنقه كديام أناكولي ساسيادي كريمو.

(تمت)
  • Like
التفاعلات: آدم بشير تاور

تعليقات

أعلى