يحيى الرخاوى - النجاة!!.. قصة قصيرة

-1-
لابد أنه “هو”، وإلا فمن يكون؟. العين بالعين، واللمس بالذبح، والجرح بالقتل، ولا رجولة إلا للرجال. نعم .. لن يمسح هذا العار إلا القتل، قتله “هو” بالذات، على وجه التحديد، وعلى الملأ أيضا. الأمر فى غاية البساطة؛ إذ لا يوجد فعل بغير فاعل، وإن اختفى الفاعل، فهو ضمير مستتر تقديره “هو”.
“هو” لم يحاول حتى أن يستتر، “هو” الذى سـَخـَر، و “هو” الذى ألمح، و “هو” الذى صرّح، و”هو” الذى فعلها بوقاحة، وعلانية.
فليكن القصاص رادعاً.
-2-
دخل أبوه وقد رسم على وجهه ابتسامة والدية واثقة، وفتح الحديث مباشرة وكأنه يكمل مناقشة لم تنقطع. كان الوقت صبحاً، ومازال فى الوقت متسع لبضع دقائق لشرب القهوة.
– ليكن يا بنى، ولكن دعنا نذهب لنرى، والمقابلة عن قرب، غير زحمة طابور الصباح.
رد الفتى فى هدوء المؤمنين الجُدد، فكرر كلامه بلا أدنى تغيير.
كاد الوالد يدرك أنه يستحيل أن يفهم، فامتنع من فوره عن الوعى باحتمال عدم الفهم، واستبدل كل ذلك بحركة منتظمة وهو ينقـر فوق مقدمة كرشه، المائل على جذعه فى استقرار واضح. تبادلت الأصابع الحركة، وكأنها تستلهم هذا الانتفاخ المفكر أن يلد حلا لمسألة لم تُطرح أصلا بوضوح كاف، فمضى يكمل دون تلكؤ:
– أنت تقول بنفسك أن أحداً لم يلاحظ إلا أنت.
– حصل.
– إذن، كيف تحكم على برىء بهذه القسوة والسرعة والحسم. ثم إنك لم تخبرنى بما حدث تحديداً.
– المسألة مسألة كرامة. جَرْحُ الكرامة قتلٌ مترصد. هل فى ذلك شك؟
قبل أن يعقّب الأب ، مضى الفتى يكمل :
– لم يعد مجال للمراجعة، ولا براءة للقتلة.
كاد الوالد يهم بالكلام من جديد لكنه لم يفعل، وتزايد يقينه ـ هو الآخر ـ بما لا يدرى، فأنقذه ابنه بالوضوح ذاته.
– ثم إنى لا يهمنى التأكد من الفاعل، مادمتُ متأكداً من الفعل.
لاحت ثغرة، فعاود الوالد حماسه، وعدل عن التراجع، ولكنّه لم يضف شيئا جديدا.
-3-
التفت الفتى دون قصد إلى الباب المفتوح؛ حيث يظهر جزء من الصالة، وقد تكومت كراسى المائدة فوقها فى زحمة مؤقتة، فلاح من الفتحة ردْفان متوسطان، وقد انحسرت مؤخرة الثوب عن مؤخرة الركبة، فلاحظ كيف تُلامس أصابع الموز طبق اللبن، وانبعث لحن شهى من البوق العاج، لم يحاول الفتى أن يلغيه بأية ضوضاء مضادة. النصف الثانى من الجذع كان قد انحنى فوق الخيشة وهى تتحرك ذات اليمين وذات اليسار فى رقصة كونية أخرجها فاطر السماء والحبوب والقلوب. أما الشعر الأسود الفاحم، فكان يحيط بكل الرأس، من كل جانب، ويتمايل مع حركات المسح فى اتساق متناغم.
-4-
طال الصمت داخل الحجرة حتى كاد الوالد يعتقد أن الأمل الذى لاح قد تزايد إلى درجة تسمح بمواصلة الحديث. فراح يعاود المحاولة:
– نذهب معاً، وسوف ترى بنفسك.
– اتفقنا.
تردد الوالد فى أن يفرح من مفاجأة هذا التحوّل العكسى، لكنه لم يحاول أن يتراجع أو يتأكد، فنادى ابنته ـ فتاة الصالة ـ يتعجل قدح القهوة، ولم يستطع مع ذلك أن يحافظ على تحفظه:
– اتفقنا على ماذا؟
– مادمت حضرتك مصراً. فإذا ثبت أنه ليس هو، فلابد أنه “حضرتك”.
-5-
تمالك الوالد نفسه حتى لا يقفز، وساعده فتح بقية الباب فجأة؛ لتدخل الفتاة تحمل صينية القهوة، وقد أشرق وجهها ببراءة طفلية رحبة. لم تستطع الطفولة أن تخفى ترحيبا أنثويا دافئا سلساً لكل قادم دون تمييز. لاحظت الفتاة سهو والدها، فنبهته ألا ينسى القهوة حتى تبرد. التفت الوالد للولد، وكأنه التقط تفسيراً جديداً.
– لابد أنك …..
ولم يكمل.
رد الفتى وقد علت شفتيه ابتسامة أخرى ، ويقين جديد:
– فعلا، لا بد أن الأمر كذلك.
زادت ابتسامة الوالد قسراً بعد أن صوّر لنفسه أنه قال شيئا وأن الولد وافقه عليه . انقلبت الابتسامة إلى ما يشبه الضحك، ظهرت أسنانه لتستدعى قهقهة خافتة، فراح يصدق نفسه وهو يرتشف قدح القهوة فى سرعة لاهثة، رفع يده ودق بها على ظهر ابنه دقة واحدة متوسطة الثقل، وانصرف بسرعة، قائلا بوضوح شديد:
– يا شيخ !!! قل ذلك من الأول …!!!؟.
وانصرف وهو يعتقد أنه فهِمَ . وأنه نجى.



[1] – يحيى الرخاوى: نشرت هذه الفصة فى كتاب “هيا بنا نلعب يا جدى سويا مثل أمس” بعنوان: “اليقين” (2000) – منشورات المحروسة – القاهرة.



أعلى