علي محمد الشبيبي - وديع الغريب (*)

فتىً في ربيع العمر. رأيته مرة قبل خمس سنين، وكنت أعهده فتى صموتاً مع رفاقه، يغرق بالتفكير، ويحدق بعينيه إلى جهة من الجهات، وعندما يحول نظره إلى جهة أخرى، يعقب التفاتته بحسرة. لا يكلم صحبه إلا بين آونة وأخرى، وأن ضحك فضحكة قصيرة هادئة.
التقيت به مرة في حياتي. وحاولت لقائه ثانية فما أفلحت، حتى خرجت ذات مرة إلى البرية عصر يوم، لاح لي قبر أبيض جديد من قبور ثلاثة. وقد جلس في ظلالهن رجل أبصرته من بعيد، كأنه شيخ هرم، دنوت منه فوجدته فتى قد أسدل شعر رأسه على كتفيه، له لحية طويلة. أما ثيابه فوافية جداً كهيأة العابد السائح. وحدّق عينيه إلى جهة الشمس، وقد أوشكت على المغيب. كان واضعاً يده اليمنى على اليسرى، مادا رجليه بهيأة المتعب. وصلت نحوه وسلمت عليه. وبعد قليل ألتفت إليّ، وبلهجة عذبة –ردّ عليّ- السلام. جلست وأنا أحدق في ملامح وجهه، وكأني أتفحص سريرته، إن كان عاشقاً ولهانَ، أو تائهاً حيرانَ، أو غريباً نازحاً. ولقد وجدت فيه البشر والكآبة، والرقة والصلابة، والحزن والفرح.
واصلت النظر إليه، وكأني أدركت، أنه هو، هو ذلك الفتى الذي رأيته قبل خمس سنين. من نظراته وسكونه. كأنه –وديع الغريب- وسوف لن أعود حتى أعرف عنه شيئاً. وأظنه صاحبي، وبي شوق لأن أراه وأكلمه.
بعد قليل سألته: الوقت شديد الحر يا أخي! فما الذي يدعوك تجلس بين القبور؟ ألست من أهل هذه البلاد؟ إن لم تكن بلدك هذه فهي بلدي، فقم معي وروح عن نفسك. فما أرى صالحا أن تحتمل الحرّ والوحشة!
حوّل وجهه إلي، وقال: لا يا أخي. لا تقل هذا. الغريب غريب في كل مكان. إذا كان مجيئك ورواحك لأي بلد عن غير إرادتك، فأنت غريب! لا تقل روح نفسك، من الوحشة. فإنما جئت إلى هنا لأروح على نفسي ممن استوحشت من مجالستهم. وقد سئمت المقام بين الناس. ولكن؟ ما الذي أعمل وقد جئت مكرهاً. أنا غريب بين أهلي، غريب بين الناس، ولست أدري متى أعود إلى موطني؟ وأفارق هذه الغربة. يا أخي أنت فتحت لي الكلام، وأنا مليء بالآلام، مالي من أجالسه، وأطرح أمامه همومي.
وجدت نفسي غريباً سجيناً، قد ضمت جسدي دار يَرن في زواياها ومنعطفاتها وسمائها صدى خرافات العجائز، مع أناس انطوت في صدورهم قلوب الإنسان القديم، وامتلأت أدمغتهم بالمخاوف التي صورها لنفسه، وتعبد من أجلها. وانقادوا مثلما ينقاد ذوو الشهوات خلف شهواتهم كحيوان أعجم!ّ والتذوا بها مثلما يلتذ النائم بالحلم الجميل، وعانقت أرواحهم أشباح الأجيال الغابرة، مثلما يعانق الصليب خشبة المشنقة!
من يوم سقطت قطرة في بحر الحياة، واختلطت بمياهه، عرفت نفسي غريباً. ولم أتعود تلك الغربة كما تعود غيري، ولكني أتذكر أني كنت في فترة من حياتي طروباً لعوباً. لا أعرف الهموم والمتاعب، أمرح مع الأطفال، وأشاطرهم في لهوهم ومرحهم. وما بلغت سن الشباب حتى رأيت هؤلاء، ينهونني عما كنت افعله زمن الطفولة، وجرياً على عاداتهم، وسنة الآداب والثقافة امتثلت أوامرهم، واندفعوا يحثونني على متابعة وتطبيق ارائهم وأفعالهم وآدابهم، غير أني كنت أستغرب منهم كل ما أسمع.
ومضى زمن اشتغلت فيه حسب أصول مبادئهم، وسرت على عاداتهم. مقلداً إياهم تقليداً أعمى، دون أن أعي منه أمراً إلا قليلاً، كان مغروساً بفكري. قبل أن تلتقيني السَكِينة بين أيديهم. وكأن هذه علمتني أن اُمحص ما يسيرون عليه. فاعتزلت بعض عاداتهم وطفقت أبحث عن مصادرها، وتطبيقها حسب اصولها، فرأيتهم يحيدونني عما أريد. فطوراً يعتبرونني كسولاً، وطوراً جاهلاً غير ممرن، فيحاولون تدريبي وفق ما يريدون! وتارة يدعونني متمرداً. غير أنني التزمت جانب الصمت، لأني عرفت أنهم لا يرتضون الصراحة في الرأي. يرفضون حرية الفكر. وأن أدّعوا أنها اساس مبادئهم، ومنذ ذاك صرت أندب عهد الطفولة، وأبكيها!
أنا أحب الطفولة وأبغضها في آن واحد! أبغضها لأني ذو مواهب سَنيّة عالية، وقد ضاعت مواهبي، وضويقت بسببها حتى ضاعت –لصغر سني إذ ذاك-. وأحبها لأني أجد فيها الحرية التامة. كنت أرى نفسي غير مقيد بقيود الشرائع والعادات! فحبذا الطفولة وآه على ما مضى!
عشت معهم هذا العمر، وكلما ازدادوا تعليماً ازددت تمرداً، فهل ترغب أن أنقل لك بعض ما يعاملوني به؟ إنهم لا يفكرون بغير ما خطته لهم الأيدي الدارسة، وطالما حاسبوني وطلبوا مني أن أسير كما يسير أخداني وأقراني. ولكني أعرف بأقراني منهم، فأبقى متحيراً بين أن أظهر لهم ما بنفوس أصحابي فأخون ذمة الصداقة، وأبقى لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، أو أبقى على فراش الألم.
ثم تنفس وزفر زفرة حادة، وغارت عيناه، وحول وجهه عني إلى جهة أخرى، واضعاً يده اليمنى على صدره، وشخص ببصره نحو العلا، وكأنما لاحت لعينيه بارقة أمل الحرية والإنعتاق من هذا الوجود، وعاد ووضع كلتي يديه على القبر الجديد. وقال بعد أن تنهد تنهيدة الطفل الضائع:
- أخي وعزيزي، ما للمنية أخذتك، ونقلتك إلى موطنك وتركتني وحدي؟ ألستُ أبنها، الست حبيبها، فلماذا تركتني؟
تعالي أيتها المنية، واحمليني إلى موطني، تعالي أيتها الأم الحنون، فقد قاسيت ألم الغربة، وعرفت مصائبها، لقد ذقت مرارة الحياة. تعالي واحمليني على جناحيك تعالي!
ثم ألتفت إليّ وقال: هذا حبيب من أحبائي زمن الطفولة. مات قبل أن أقرأ ما في نفسه، مات قبل أن أعرف ذوقه، غير أنه كان يحبني، ويألف لي كثيراً، فأحببته كثيراً.
ولقد قرأت نفسيات بعض الأخوان الذين عاشوا معي زمن الطفولة، فوجدتها كالمرآة، تنطبع في كل صورة بزوال الآخرى فهجرتهم روحي. ولم يبق بيني وبينهم إلا علائق ضعيفة، فأنا أجالسهم ساعات فرح صوري.
ونهض وخطى خطوات. ظننت أنه يريد الذهاب، قبل أن أعرف عنه شيئاً. وقبل أن أعرف أنه رفيقي أم هو غيره؟ ثم تنهد تنهيدة عميقة، وبلهجة رقيقة كمنطقه، عذبةً كألفاظه. قال: ليت هذا الجسم ساكن في حفيرة من الحفر، خير من أن تحركه آلام البشر. ليت هذا القلب طعم للديدان، خير من أن تأكله الهواجس والأحزان، وتعبث به ظنونهم القاسية...
وزاد قائلاً: ماذا أذكر لك يا أخي. أن الأرواح لا يمكنها أن تعرف عن كل مكنونها مادامت محجوبة بهذه الحجب، فما أذكر لك؟ هم يريدون مني أن أسير على ما خطته لهم أفكار آبائهم الماضين، وأن لا أحيد عن طريقهم، ومناهج آبائهم، اولئك الذين حولوا الأشياء إلى غير مجاريها، وضيقوا سبل الحياة. اولئك الذين صيروا الدين (1) يدرس بقواعد وأصول، يفنى بها عمر الطالب، على غير نتيجة تحصل من هذا!
وما هي تلك الدروس؟ وما لبابها؟
أسرار الدين وحل الغامض فيه، وحل رموزه؟ مغربلون، ولكن لم يحصلوا شيئاً مما غربلوا. بأيديهم غربال البحث، هذه السنين الطوال، وإلى اليوم لم يحصلوا على الرأي الصائب والحكم الثابت. ولم يتوصلوا إلى حكم الله في حقهم.
وإذا ما سأل الولد أباه عن مسألة خارجة عما يدرسونه. قالوا: هذا ليس من علمنا. أو هذا لا علاقة لنا به؟ أو هذا لا يجوز التفوه به؟ هذا يؤدي إلى التشكيك!
يقولون أعبد الله عن عقلك. فإذا بحثت عن هذا. قالوا: جهول متمرد! آلوا على أنفسهم أن يلقنوا أطفالهم عقائد عقيمة من زمن آدم عليه السلام!
البشر يا أخي لا يمكنهم أن يمكثوا على طريق مستقيم يوماً واحداً. وبعد أن عرفت هؤلاء الذين أساكنهم، وأني لا يمكن أن أسيّرهم على نظام صحيح، صرت أهيم على وجهي في هذه البرية، كي أروح عن نفسي. وأذبّ عنها آلآم الوحشة، وغصص المعاشرة.
وهنا رفع رأسه بإرتخاء، وأغمض عينيه، كأنه يسحب أنفاساً من الفضاء الخاشع لحديثه، ورقد رقدة البلبل في الليلة المقمرة ذات النسيم العليل على فروع شجرة، وتحت ظلال الأغصان.
فقلت: فتى يصارع الشك واليقين. فلماذا يمنعونه من حرية الفكر؟ ولماذا يضغطون عليه؟ ويضيقون على روحه اللطيفة؟!
وبعد دقائق قليلة أفاق، وقال: أرأيت يا أخي. أني أذوب كلما ذكرت فعالهم معي، وضغطهم على حريتي! ماذا أذكر لك يا أخي؟ أذكر نظامهم البيتي، أم صورة أفراحهم، أم تربيتهم أطفالهم! يطالبون بالنظام ولا نظام! ومن ذا يضع النظام، ويد النفور بينهم. فبين الزوج والزوجة شجار دائم، يعدها وحشاً، لا تعقل ولا تفهم شيئاً، لا تصلح إلا للشهوة والخدمة! وهل تحسن الخدمة من لم يزل الجهل مخيماً على فكرها، حتى حال بين فكرها ونظرها. وأنك لتراها تكثر الكلام، وتعترض على ما تراه من ظلم فاحش، وقسوة شديدة، ومعاملة رديئة، بلهجة تصدع الخاطر، حيث تتصورها نفساً مظلومة، خرساء من داء الجهل لا يمكنها أن تفصح عن آلآمها، وتشكو من متاعبها الشاقة. تولول ولولة الطير الصغير في سجنه. وتارة تولي وجهك معرضاً عنها، تَودُّ أن لا تراها، وتسمع كلامها المتعثر، وصوتها الجهوري، الذي يصدر عن لا شعور.
يهجرونها لأنها جاهلة لا تعرف نظام البيت، ولا حسن المعاشرة، ويزعمون أنها الشر، والشر جهلهم حقاً في أن يعلموها، ويطردوا عنها الجهل.
أواه يا أخي. أنا بين أثنين كلاهما ظالم لصاحبه، معتمد عليه. ودعني ولا تسألني عن أفراحهم. وأتحرق ألماً من أجل أطفالهم وأود لو اوكل لي أمر تربيتهم. إن مرت بينهم ساعة فرح سكبوا بأذان أطفالهم كل خرافة تنمي فيهم ضعف النفس، وتقعد بهم عن الطموح، إلى ما وراء الوجود. فكأنما الحياة أقدام معدودة! ويل لهم! لقد قبضوا على تلك الأرواح بأظافر حادة، وحالوا بينها وبين ما يبدو على صفحات الوجود. مثلما يحول الظلام بين العين والفضاء. ولأجل أن يأنسوا مع صغارهم يلقنونهم الجرأة والكلام البذيء على الكبير منهم. فإذا ما كبر ونشأ ذا أخلاق ردية، ونفس ضعيفة، وإدراك فاتر تذمروا من تربيته، وهمسوا في سرهم هذه الكلمات –لقد ورث الجهل والنقص من أمه!-
هم إذن يدركون أن جهل الأم يعود وابلاً على أبنائهم، وعاقبته شنيعة. لكنهم لا يتداركون ما عملوا.
أجل. أني بين رجل تائه بين جهلاء، وكلت إليه تربيتهم فلم يدر طريق التربية، وامرأة وقعت بين قبضة الظلم وأنياب الجهل. فلم تعرف سلوكاً ولا نظاماً، وبين فتاة في زوايا النسيان، تخالج روحها فكرة جميلة لم تدركها ولن تدركها. وهي تحاول أن تعرفها. ترى حال أمها وتحاول أن تعرف السبب الذي ترك أمها في ساحة الظلم والشقاء. ولو عرفت لتمكنت أن تتملص من قبضة الجهل القاسية، القابضة على روحها كما يقبض النسر على فريسته.
الضغط؟ من الضغط تفر الروح! على أي شيء يضغطون، ولماذا؟ الروح طائر بلا جناح، ومبصر ولو في الظلام. هم أذن لا يذيبون بآلامهم غير هذا الجسم! ولن يمنعوا غير هذا اللسان، فليفعلوا ما شاؤا. غير أني كلما رأيت منهم جوراً وضغطاً، خرجت إلى هنا، كي أشم النسيم العذب الصافي النقي الخالي من أنفاسهم السامة!
جرى كل هذا وأنا ساكت لم أتكلم، ولم أحرك يداً أو قدماً. ولم أزل شاخصاً بصري أمام وجهه. أترجم ما تعبر عنه عيناه من الأسى العميق. وحين أتم كلامه، وهَمَّ بالنهوض، قلت:
- دعني يا أخي أن أسألك سؤالاً واحداً تجيبني عليه. ألست أنت –وديع الغريب- ؟ كنت أتمنى أن أراك، وقد رأيتك منذ خمس سنين. وأظن الآن –بل أعتقد- أنك هو. فما أحلى وأجمل هذه الصدفة. لقد أرتويت من حديثك هذا. ان ما فهتَ به كان يخالجني. وأن الظلم الذي اعتراك نالني وجرح روحي بأظافره الحادة. أصدقني يا أخي. ألست أنت هو؟
فألتفت إليّ. وبصوت خافت قال: أنا ....
ثم وجه وجهه نحو طريق غير طريقي. علمت من هذا انه يرغب بالمسير وحده. فودعته، وعدت من حيث أتيت. وأنا فرح مسرور حيث وجدت الأمنية الضائعة عني هذا الزمن الطويل. وحزين كئيب لما عرفت عن حاله. رجعت وأنا أقول:
رحماك يا رب. أنزل علينا روحاً منك ينقذنا من هذه الأرواح الشريرة. أو فأرسل أشعتك على هذه الأرض وطهرها. أفتح سجن الحرية يا رب دعها ترفع البرقع عن وجهها. فتمتع الأرواح الظامئة لجمالها. أرحمنا يا رب وأغفر لنا ....

المربي الراحل
علي محمد الشبيبي
النجف 1932/1933

(*) نشرت في مجلة العرفان البيروتية عدد 6 مجلد 25 صفحة 604/610.
(1) لما كانت هذه القصة على النمط الجبراني، قد كتبتها في سن مبكرة. وقبل أن أنضج في معلوماتي وتجاريبي. بل لمجرد ضجر من الدراسة القديمة وتقيدي مبكراً بلباس العمامة وحجزت حريتي حجرا تاماً. مقيداً بأوامر الوالد وخدمة مجلسه وبموجب رأيه في كل شيء فلا غرابة من وجود أفكار مغلوطة.
أعلى