وساط جيلالي - قطعة سُكَّر..

تُرى كيف حدث الأمر؟
فقيهنا العبدي، القصير القامة، ذو الملامح المُرْعبَة، القاسي، يُنادي على حسن من بيننا جميعاً، يأمره بأن يضع لوحه في الركن، ثُمّ يصب من البَّراد الذي أمامه كأس شاي، ويناوله له، ويُشير إليه أن يجلس بجانبه فوق المصطبة
نحن نقرأ في ألواحنا بأصوات عالية و أجسادنا تتمايل ، و حسن يجلس في مواجهتنا و يرتشف الشاي السّاخن ببطء ، فيبدو لنا بتأثير من وضعه الجديد مخلوقا آخر ، وليس الخَوّافْ الذي نتعَمّد أن نحكي له عن الجنّيات لكي يرتعب ، و أنا أقول في نفسي :يالَحَظِّكَ يا حسن ! ثم أبدأ أتخيل نفسي في مكانه ، فتغيم أمامي كلمات اللوح ، و تتثاقل حركاتي ، و أحس في فمي مذاق الشاي الحلو ، و أحاول أن أتذوق سعادة أن تكون جالساً فوق المصطبة و رجلاك ممدودتان و أنت تشرب الشاي و لوحك اللعين بعيد و الفقيه بجانبك كأنه جدّك ، لكن صوتاً مُنْكَراً لا يلبث أن يعيدني إلى واقعي ، و هو يصيح بي : ـلَوْ حُكَ أيها الحِمار!
و بقيتُ أبحث عن سبب هذه المُعاملة الاستتثنائية إلى أن وقعت على السر:
في صباح اليوم المذكور ، أتى حسن باكراً ، انحنى و قبّل يد الفقيه و ناوله قِطْعة سكر ملفوفة في ورق السكر الأزرق.
هذا الصّباح أنا فرِح و مزهو ، فبعد قليل تحل اللحظة السعيدة ٠ الكتّاب يبدو رائعا و رائحته العفنة لم تعد عفنة ، و الألواح جميلة ، يخرج الفقيه من الغرفة الدّاخلية و قد أعدّ صينية الشّاي ، يجلس فوق المصطبة و يضع صينية الشّاي أمامه فوق الطاولة الصغيرة ، و يأمرنا بالقراءة فترتفع أصواتنا و تتأرجح أجسامنا، و أنا لا أكف عن متابعة حركات الفقيه ، يصب كأسه لكنه يترك الكأس الأخرى فارغة ، و أنا أقرأ و جسمي يترنح و لا أكف عن مراقبة الفقيه ، و الفقيه يصب فقط لنفسه ، و أنا أنتظر أن يَصُبّ لي كأسا وينادي علي و يُشير لي أن أن أجلس بجانبه فوق المصطبة ، و الوقت يمر و الفقيه لا يفعل ، و أنا أتحرق و أنتظر ، حتى ضاع أملي بعد أن صب الفقيه آخر قطرة من البرّاد.
شعرت أنني خدِعتُ ، انتابني الغضب و الجنون ، فوقفت و صحت بالفقيه : ـ أريد قطعة سُكَرّي.
أمر الفقيه الجميعَ بالسكوت لكي يتبين ما أقول ، لكني أعدت بصوت أعلى و أنا أكاد أجهش بالبكاء:
ـ ارجع لي سُكّرِي ٠
عندما فَطنَ إلى معنى كلامي ، شتمني :
ـ الله يلعن بُوكْ و ُبو سُكَّرَكْ ٠ ثم قذفني بنعله ، إلّا أنني تفاديته ، وبدوري و بكل قوتي ، قذفته باللوح الخشبي ، ثم التقطت صندلي و فررت لا ألوي على شيء ٠

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى